الدرس في قبس من السيرة النبوية 26، تابع الحوادث التي تمت له قبل بعثته عليه الصلاة والسلام . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
خديجة كانت تعرف بالطاهرة لعفتها، وكانت ذات شرف وسؤدد عند قريش وأرملة ثرية. كان الناس يأتونها للعمل بتجارتها بسبب كثرة مالها.
عمل النبي في تجارة خديجة برفقة غلامها ميسرة ونجح في تجارته، وعاد بمكاسب وفيرة مما أثار إعجاب خديجة بأمانته وصدقه.
تم زواج النبي من خديجة بعد إعجابها بأخلاقه، وكان عمر النبي خمسة وعشرين سنة، بينما اختلف المؤرخون في عمر خديجة. كان الزواج بتيسير من الله ودعم كبير للنبي.
كان لزواج النبي من خديجة دور كبير في مساعدته على الاستمرار في دعوته، حيث قدمت له الدعم والمساندة في رسالته.
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، مُوَاصِلِينَ إخْوَانِي فِي اللَّهِ فِيمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ، بِذِكْرِ أَهَمِّ الْحَوَادِثِ وَأَهَمِّ الْأُمُورِ الَّتِي وَقَعَتْ قَبْلَ بَعْثَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَفِي هَذَا الْمَقَامِ بِإِذْنِ اللَّهِ الْكَلَامُ سَيَكُونُ عَنْ آخِرِ أَوْ عَنْ أَهَمِّ مَسَائِلِ سِيرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا قَبْلَ الْبَعْثَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ زَوَاجِهِ مِنْ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا. خَدِيجَةُ تِلْكَ الْمَرْأَةُ الْفَاضِلَةُ، كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَةِ تُسَمَّى بِالْطَاهِرَةِ، لِمَا عُرِفَ عَنْهَا وَمَا عَلِمَ عَنْ عِفَّتِهَا وَطَهَارَتِهَا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا. وَكَانَتْ ذَاتَ شَرَفٍ وَسُؤْدَدٍ وَمَعْرِفَةٍ وَمَكَانَةٍ وَوَجَاهَةٍ عِنْدَ النَّاسِ، كَانَتْ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا. وَكَانَتْ أَرْمَلَةً، حَيْثُ إنَّهَا تَزَوَّجَتْ بِرَجُلٍ اسْمُهُ عَتِيقُ بْنُ عَائِذٍ ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِآخَرَ اسْمُهُ أَبُو هَالَةَ وَكَذَلِكَ مَاتَ عَنْهَا. وَبَقِيَتْ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ مِنْ تَرْكِ الزَّوَاجِ، وَكَانَ يَأْتِيهَا النَّاسُ وَيَأْتِيهَا الرِّجَالُ، مِنْهُمْ مَنْ يَطْمَعُ بِنَسَبِهَا وَمِنْهُمْ مَنْ يَطْمَعُ بِمَالِهَا. وَكَانَتْ تَرُدُّ الرِّجَالَ وَلَمْ تَكُنْ تُفَكِّرُ بِزَوَاجٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا وَأَرْضَاهَا. وَكَانَتْ خَدِيجَةُ لِمَا كَانَ لَهَا مِنْ مَالٍ وَكَانَ مَالُهَا كَثِيرًا وَوَفِيرًا، يَزْدَحِمُ النَّاسُ عَلَى مَالِهَا بِغِيَةِ التِّجَارَةِ بِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ. وَلِأَنَّهَا امْرَأَةٌ قَدْ لَا تَسْتَطِيعُ الْعَمَلَ بِالْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ، كَانَ الرِّجَالُ يَأْتُونَ وَيَأْخُذُونَ مَالَهَا وَيُضَارِبُونَ بِهِ مِنْ بَابِ الْمُضَارَبَةِ. فَلَمَّا سَمِعَتْ بِرَجُلٍ فِي مَكَّةَ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ عَلَى خُلُقٍ وَعَلَى دِينٍ وَعَلَى عِفَّةٍ، وَأَنَّهُ كَانَ مَشْهُورًا بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ، طَمِعَتْ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِأَنْ تَجْعَلَ هَذَا الرَّجُلَ يَأْخُذُ مَالَهَا. وَلَعَلَّهَا أَحَسَّتْ مِمَّنْ أَخَذَ مَالَهَا مِنْ قَبْلُ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّلَاعُبِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا كُفَّارًا وَلَرُبَّمَا اطْمَأَنَّتْ لِلرِّجَالِ الَّذِينَ كَانُوا يُضَارِبُونَ بِمَالِهَا لِعِلْمِهَا بِقِلَّةِ أَمَانَتِهِمْ وَعَدَمِ صِدْقِهِمْ. فَلَمَّا سَمِعَتْ بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي اشْتَهَرَ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ، أَرَادَتْ أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ الَّذِي عِنْدَهَا وَيَتَجَرَّ بِهِ. وَبِهَذَا نَعْلَمُ أَهَمِّيَةَ الصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ، وَأَنَّهُمَا مِنْ أَعْظَمِ الصِّفَاتِ الَّتِي يَتَّصِفُ بِهَا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَجَرَّ بِمَالِكَ أَوْ تُرِيدُهُ أَنْ يُدِيرَ أَعْمَالَكَ وَأَمْوَالَكَ. أَرْسَلَتْ خَدِيجَةُ مَنْ أَرْسَلَتْ مِنْ الرِّجَالِ إلَيْهِ يُخْبِرُونَهُ بِأَنَّ خَدِيجَةَ عَلَى اسْتِعْدَادٍ بِأَنْ تُعْطِيَكَ مَالَهَا عَلَى أَنْ تَعْمَلَ فِيهِ وَتَتَجَرَّ بِهِ. فَوَافَقَ عَلَى الْعَمَلِ بِمَالِ خَدِيجَةَ، فَأَخَذَ شَيْئًا مِنْ مَالِهَا وَتَوَجَّهَ بِهِ إلَى الشَّامِ لِكَيْ يَعْمَلَ فِي التِّجَارَةِ وَالْمُضَارَبَةِ. وَعَرَضَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ مَعَهُ غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِهَا، وَكَانَ عِنْدَهَا غُلَامٌ اسْمُهُ مَيْسَرَةُ، كَانَ مَوْلًى مِنْ مَوَالِي خَدِيجَةَ. أَرَادَتْ خَدِيجَةُ أَنْ يَذْهَبَ هَذَا الْغُلَامُ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يُعِينُهُ فِي تِجَارَتِهِ وَيُعِينُهُ فِي سَفَرِهِ وَتَرَاحُلِهِ. فَتَحَرَّكَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمَعَهُ مَيْسَرَةُ، وَكَانَتْ الْوِجْهَةُ إلَى الشَّامِ. وَكَانَ قَصْدُهُ إلَى سُوقِ بُصْرَى، وَبُصْرَى مَنْطَقَةٌ مِنْ مَنَاطِقِ الشَّامِ عَلَى طَرِيقِ دِمَشْقَ. مَكَثَ النَّبِيُّ فَتْرَةً مِنْ الزَّمَنِ فِي هَذَا السُّوقِ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي. قِيلَ إنَّ النَّبِيَّ ذَهَبَ وَخَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَمَعَهُ سِلْعَةٌ، أَخَذَهَا مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ بَاعَهَا فِي الشَّامِ، لِأَنَّهَا سَتَكُونُ سِلْعَةً جَدِيدَةً عَلَى أُولَئِكَ الْقَوْمِ، ثُمَّ اشْتَرَى سِلَعًا مِنْ الشَّامِ وَجَاءَ بِهَا إلَى مَكَّةَ. رَجَعَ النَّبِيُّ بَعْدَ فَتْرَةٍ، وَرَجَعَ مِنْ الشَّامِ بِمَالٍ وَفِيرٍ. وَذُكِرَتْ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَعْضُ الْخَوَارِقِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي رِحْلَتِهِ. مِنْهَا إضْلَالُ الْغَمَامَةِ لَهُ، وَمِنْهَا إضْلَالُ الْمَلَكَيْنِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَكَانَ مِنْ كَرِيمِ أَخْلَاقِهِ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، أَنَّهُ كَانَ يُعَامِلُ مَيْسَرَةَ بِأَحْسَنِ مَا يَكُونُ. وَجَاءَ فِي كُتُبِ السِّيرَةِ ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ نَبِيلِ أَخْلَاقِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَخَاصَّةً مَعَ مَيْسَرَةَ. وَلَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ إلَى مَكَّةَ، وَجَاءَ بِالْمَالِ الْكَثِيرِ إلَى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، انْبَهَرَتْ لِمَا رَأَتْ مِنْ هَذَا الْمَالِ. وَكَانَتْ تَسْأَلُ مَيْسَرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ مَيْسَرَةُ يُثْنِي عَلَى النَّبِيِّ أَيْمَا ثَنَاءٍ عَلَى أَخْلَاقِهِ وَآدَابِهِ. فَأَحَبَّتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ لِمَا تَسْمَعُهُ مِنْ أَخْلَاقِهِ وَمِنْ آدَابِهِ وَمِنْ مُعَامَلَاتِهِ، حَتَّى أَنَّهَا طَمِعَتْ فِي زَوَاجِهِ. فَكَلَّمَتْ بَعْضَ صَوَاحِبِهَا وَبَعْضَ صَدِيقَاتِهَا، وَفَاتَحَتْهُنَّ فِي الْمَوْضُوعِ بِأَنَّهَا تُرِيدُ وَتَوَدُّ أَنْ تَجْعَلَ مُحَمَّدًا يَتَقَرَّبُ إلَيْهَا. فَذَهَبَتْ امْرَأَةٌ اسْمُهَا نَفِيسَةُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ وَأَخْبَرَتْهُ بِالْخَبَرِ، أَنَّ خَدِيجَةَ فَرِحَتْ بِكَ وَتَفْرَحُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَّهَا عَلَى اسْتِعْدَادٍ لِكَيْ تَتَقَرَّبَ إلَيْهَا وَتَتَقَدَّمَ إلَيْهَا. فَوَافَقَ النَّبِيُّ وَشَاوَرَ أَعْمَامَهُ بِالزَّوَاجِ مِنْ خَدِيجَةَ، فَوَافَقَ أَعْمَامُهُ عَلَى ذَلِكَ. وَتَحَرَّكَ النَّبِيُّ صَلَاةُ رَبِّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَمَعَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَذَهَبُوا إلَى عَمِّ خَدِيجَةَ وَعُمَرَ بْنِ أَسَدٍ، وَقَدْ كَانَ وَلِيَّهَا. فَتَقَدَّمُوا إلَيْهِ وَطَلَبُوا مِنْهُ خَدِيجَةَ بِأَنْ تَكُونَ زَوْجَةً لِرَسُولِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَوَافَقَ عَمُّهَا عَلَى ذَلِكَ وَتَمَّ الزَّوَاجُ بَيْنَ خَدِيجَةَ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ إنَّ عُمْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ حِينَهَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَأَمَّا خَدِيجَةُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي عُمْرِهَا، وَالْكَثِيرُ مِنْ الْمُؤَرِّخِينَ يُؤَرِّخُونَ أَنَّ عُمْرَهَا كَانَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَكَانَ ذَلِكَ بِتَدْبِيرٍ مِنْ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، أَنْ يَسَّرَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ الزَّوَاجَ مِنْ خَدِيجَةَ، حَيْثُ سَنَعْلَمُ إخْوَانِي فِيمَا بَعْدُ أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي أَعَانَتْهُ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ فِي الدَّعْوَةِ إلَى اللَّهِ جَلَ وَعَلَا. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.