قبس من السيرة النبوية  10

قبس من السيرة النبوية 10

الدرس في قبس من السيرة النبوية 10، تابع مولده عليه الصلاة والسلام . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تاريخ مولد النبي وعلاقته بعام الفيل

يتناول تاريخ مولد النبي صلى الله عليه وسلم وعلاقته بعام الفيل، مع مناقشة حادثة الفيل وأهميتها. ثم يبدأ في مناقشة تحديد الشهر الذي ولد فيه النبي.

تحديد يوم وشهر مولد النبي صلى الله عليه وسلم

يناقش اختلاف العلماء في تحديد شهر مولد النبي صلى الله عليه وسلم، مع ترجيح كونه في ربيع الأول، واتفاقهم على أنه يوم الاثنين مع اختلاف في تحديد التاريخ بالضبط.

آراء العلماء حول تاريخ مولد الرسول صلى الله عليه وسلم

يستعرض آراء العلماء المختلفة حول تاريخ مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، مع ذكر الأدلة التي يستند إليها كل رأي، مثل كونه في الثامن أو التاسع أو الثاني عشر من ربيع الأول.

تقييم الروايات المتعلقة بالعلامات عند مولد النبي

يتناول تقييمًا للروايات حول الآيات أو العلامات عند مولد النبي محمد عليه الصلاة والسلام، مع التأكيد على أهمية وزن هذه الروايات بميزان الشريعة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، أمر معنى ثم لما مضى ذكره فيما تعلق بتاريخ مولده عليه الصلاة والسلام، وأنه كان في عام الفيل على القول الراجح، وإليه ذهب الكثيرون من المؤرخين ومن أهل السير، وذلك للنصوص الصريحة الصحيحة في هذا الباب، وقد مرت معنا، وكان الكلام كذلك متعلقًا بحادث الفيل، هذه الحادثة التي أرخ عليها العرب، فذكرنا ما يتعلق بماهيتها وحقيقتها، وكان الكلام على ما في الجملة من الوقائع التي وقعت. وإلا فإن لها تفاصيل ذكرها العلماء، بعضهم يذكرها في صحيح السيرة، وبعضهم يوردها في صحيح التفسير؛ لما لها تعلق في هذا الباب وفي ذاك الباب، أعرضنا عنها وما ذكرناها؛ حتى لا يطول بنا المقام، فذكرنا أهم المسائل المتعلقة بهذه الحادثة، ثم كان الوقوف أو العروج على أهم الفوائد من هذه الحادثة، منها ما كان من التعظيم لهذا البيت، وكيف أن الله جل وعلا دافع عنه. وكذلك يضاف من فوائد هذه الحادثة ما عليه النصارى من الحقد والكره للمسلمين ولشعائر الدين، وهذه الحادثة واحدة من مئات الدلائل المبينة لهذا الحنق ولهذا الغيض الذي يكنه النصارى للإسلام والمسلمين، ومن تأمل في التاريخ الإسلامي بل التاريخ العالمي يرى كيف أن النصارى متى ما تمكنوا من رقاب المسلمين فإنهم لا يرقبون فيهم إلا ولا ذمة، لا رحمة ولا شفقة. حتى في هذا العصر، من تأمل ومن تتبع للمجازر والمذابح التي تقام على رقاب المسلمين تقشعر منه الأبدان، حتى بلغ بهم الحال في بعض البلدان أنهم يستعيضون بالرصاص السكاكين، يستخدمون السكاكين لذبح المسلمين نيابة عن الرصاص، وذلك من باب التلذذ في التنكيل بهم، وما تكونه صدورهم أكبر. وهذه الحادثة بيان لذلك، كيف أنهم ذهبوا بكل قوتهم وعدتهم وعداتهم لهدم بيت الله المعظم، وكذلك في هذه الحادثة، ومن تأمل في تخاريجها وفي نقل العلماء لها يعلم أنها حادثة حقيقية، ليس أوهى، فالذي رمي به هذا الجيش الكافر عبارة عن حصى من طين، لكن ذهب الطائفة ممن ينتسب للعقل من العقلانيين إلى تأويل هذه الحادثة، وأن هذا ليس يصدقه عقل أن ترمى حجارة كأمثال الحمص أو كأمثال العدس فتسقط على رجل ما فتهلكه. قال هذا لا يتصور كيف يكون هذا، فقام بعضهم بالتأويل، قال: الذي قصد هنا أنهم أصيبوا بمرض كمرض الجدري، ومنهم من قال: مرض الحصبة، هذا الذي أصابهم، ومن أراد أن يتأمل لهذه الأقوال الفاضحة فلينظر مثلًا لكتبهم، وليراجع ما ذكره الرازي في كتابه «مفاتيح الغيب»، وقد تصدى العلماء من أهل السنة لتفنيد هذه الشبه وهذه الترهات، وردوا عليهم كذلك العقل بالعقل، كذلك ردوا أهل السنة بأمور عقلية تدل على أن ما عليه عقلها أو لا هو باطل. ومن أراد المزيد فلينظر مثلًا على سبيل المثال إلى ما ذكره الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى في تتمة وتكملة «أضواء البيان» عند شرحه لسورة الفيل، حيث تعرض رحمه الله تعالى أو عرض لهؤلاء من العقلانيين في ذلكم الزمن الأول، وفي هذا الزمن من قال أنها جراثيم أو ميكروبات، ورد عليهم ردا طيبا، فأشهد أن هذه حادثة حقيقية بما فيها من وقائع. ننتقل كذلك إلى هذا المبحث، وهو في ضبط التاريخ الذي ولد فيه نبينا صلى الله عليه وسلم، انتهينا من العام وننتقل الآن إلى الشهر، ما هو الشهر الذي ولد فيه نبينا صلى الله عليه وسلم؟ ذهب الكثير من العلماء من أهل السير والتواريخ أن مولده عليه الصلاة والسلام كان في شهر ربيع الأول، والاستفاضة الأخبار لهذا الشهر ذهب جماعة من العلماء إلى نقل الاتفاق إلى نقل الاتفاق والإجماع على هذا الشهر. وأن العلماء قد اتفقوا على أن مولده عليه الصلاة والسلام كان في شهر ربيع الأول، لكن من نراجع ومن نقرأ إلى كتب العلماء يرى أن في هذه المسألة خلاف، ليس هناك كلمة قد اتحدت في تحديد الشهر، بل النزاع قائم، فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن مولده عليه الصلاة والسلام كان في رمضان، ونقل ابن عبد البر رحمه الله تعالى هذا القول عن الزبير بن بكار، نقله عن الزبير بن بكار رحمه الله تعالى بأن نبينا عليه الصلاة والسلام ولد في رمضان. وقد علق ابن كثير رحمه الله تعالى بعد إيراده هذه المقالة، قال: وهو قول غريب جدًا، بل ذكر صاحب السيرة الحلبية عندما ذكر قول من قال بأن ميلاده عليه الصلاة والسلام كان في رمضان، قال: وصححه كثير من العلماء، أي هذا القول ليس قول أحد من الناس، بل عليه جماعات وفئات من العلماء ذهبوا إلى أن مولده عليه الصلاة والسلام كان في رمضان. وغالب ما اعتمد عليه هؤلاء اعتمدوا على روايات فيها أن نبينا عليه الصلاة والسلام كان حمله في بطن أمه كان في أيام التشريق، وكان في أيام التشريق، ومنهم من قال: أنه في عاشوراء، فعلى قول من قال في أيام التشريق أو في عاشوراء، فمن حسب وأعطى الحمل تسعة أشهر فإن الميلاد يكون في رمضان، هم اعتمدوا في الأول على أن الحمل كان في أيام التشريق أو في عاشوراء، فبالتتبع لوضع تسعة أشهر فإن سيأتي الإنجاب ويتأتي الولادة في رمضان. وهؤلاء لعلهم أرادوا بيان شرف نسب نبينا عليه الصلاة والسلام من أول حمله إلى مخرجه، كان حمله في أيام مباركة ومخرجه في أيام مباركة، لكن لا، ما هكذا تكون ماذا سرد الروايات، بل لا بد من أدلة صريحة صحيحة في هذا الباب، وبعضهم كذلك استدل بأدلة ليس هذا مكانها أو مقامها. فشاهد أن جماعة من العلماء ذهبوا أن مولده عليه الصلاة والسلام كان في رمضان، لكن الراجح والله تعالى أعلم قول من ذهب إلى أن مولده عليه الصلاة والسلام كان في ربيع الأول، وسيأتي معنا إذا كان الكلام في الأيام إن شاء الله تعالى، نأتي الآن إلى اليوم، إذن العام عام الفيل، الشهر شهر ربيع الأول، نأتي إلى اليوم، ما هو اليوم الذي ولد فيه نبينا عليه الصلاة والسلام؟ ثبت في صحيح مسلم أن أعرابيًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الاثنين، فقال عليه الصلاة والسلام: «ذاك يوم ولدت فيه، ذاك يوم ولدت فيه»، وهذا النص الصحيح الصريح قطع باب النزاع، فلا هناك إشكال بين العلماء وبين المؤرخين في أن مولده عليه الصلاة والسلام كان في يوم الاثنين، بل هذه الكلمة متفق عليها؛ وذلك لظهور النص في هذا الباب. لكن بقيت مسألة أدق، وما هو تاريخ الاثنين؟ ما هو تاريخ هذا اليوم؟ هو يوم الاثنين، لكن ما تاريخه؟ هنا وقع الخلاف بين العلماء في ضبط ذلك اليوم، ذهب طائفة من العلماء، وهو القول المشهور، والذي عليه أكثر الناس، وفي الأمم في الحاضر والقديم، على أن مولده عليه الصلاة والسلام كان في الثاني عشر، في الثاني عشر من ربيع الأول، وهذا الذي عليه الشهرة، وذاع به الصيت. لكن هذا التاريخ مع شهرته، من نظر في أسانيده لا يجد له إسنادًا يثبت، ليس هناك إسناد صريح صحيح يعني يعتمد عليه في هذا الباب، أن نقول: هو هذا القول، وليس هناك قول يخالفه، بل هذا الإسناد مع شهرته، قال علماء: ليس له هناك إسناد صحيح ثابت، لكن هناك تواريخ أخرى، وهذه التواريخ الأخرى لها قوة من جهة، وفيها ضعف من جهة أخرى. التواريخ الموجودة الأخرى التي تنافس هذا التاريخ، التاريخ الثاني عشر، قول من قال أن مولده كان في الثامن من ربيع الأول، وقول آخر، قول من قال بأن مولده عليه الصلاة والسلام كان في التاسع من ربيع الأول، طائفة إلى الثامن، وقوم إلى التاسع، وكل له دليل قد يقومه عليه. نأتي أولًا إلى قوم من قال بأن مولده عليه الصلاة والسلام كان في الثامن، هؤلاء اعتمدوا لما يرويه إمام مالك رحمه الله تعالى في الموطأ وغيره، بإسناد صحيح عن محمد بن جبير بن مطعم، محمد بن جبير بن مطعم، وهو تابعي جليل، أنه ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين من الثامن من ربيع الأول عام الفيل، ولد يوم الاثنين الثامن من ربيع الأول عام الفيل، فهذا الإسناد صحيح، لكنه مرسل. فيه إثبات أن مولده عليه الصلاة والسلام كان في يوم الثامن، وإلى هذا القول ذهب جماعة من العلماء، فقد حكاه الحميدي رحمه الله تعالى عن ابن حزم، ونقله ابن عبد البر رحمه الله تعالى عن أصحاب التاريخ، وأنهم صححوه، أي نقله ابن عبد البر أن هذا قول جماعة من أهل التاريخ، وأنهم صححوا هذا التاريخ وهذا الضبط. وجزم به الحافظ محمد بن موسى الخوارزمي رحمه الله تعالى، ورجحه الحافظ أبو الخطاب، كما في كتابه «التنوير في مولد البشير النذير»، له مبحث في هذه المسألة، ورجح أن مولده كان في الثامن، وهذا القول كذلك، وأيضًا ترجيح الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، كما في تعليقه على السيرة النبوية، ذكر في الحاشية هذا المستند وهذا الدليل، وهو أثر محمد بن جبير، وماذا اعتمده ورجحه وصححه. فهذا قول من قال بأن مولده عليه الصلاة والسلام كان في الثامن، كما له قوة من وجه، وفيه كذلك ضعف من جهة أخرى؛ لأنه مرسل، لكنه مرسل صحيح، القول الثاني هو قول كذلك قوي في هذه المسألة، قول من قال بأنه التاسع، وهؤلاء أقوى ما استدلوا به ليست مسائل نقلية، وإنما دراسات معاصرة، حيث وجد بعض الفلكيين من أهل الإسلام من تتبع هذه الحادثة واستخدم الحسابات الفلكية، نظر في الحسابات الفلكية، وخلص هؤلاء على أن يوم الاثنين الذي صادف ربيع الأول وكان في عام الفيل، هذا إنما وقع في اليوم التاسع، وقع في اليوم التاسع من ربيع الأول. وهذا من أولئك الفلكيين العلامة محمود باشا رحمه الله، وهكذا الفلكي المسمى سليمان منصور المنصور فوزي، وهم جماعة من الفلكيين من أهل الإسلام استخدموا الحسابات الفلكية فوصلوا إلى هذا الموعد وإلى هذا الضبط، وأنه إنما يكون في اليوم التاسع، إذن فهناك ثلاثة تواريخ: الثاني عشر من ربيع الأول، وهذا من باب الشهرة، والثامن من ربيع الأول، وهذا في النقل الصحيح، لكنه مرسل، والقول الثالث قول من قال التاسع من ربيع الأول، وهذا اعتمادًا واستنادًا على الدراسات المعاصرة. وهذا الذي يذكر في هذا التاريخ أو في ذاك، نعلم الخلاصة الذي نتفق عليه هو أن مولده عليه الصلاة والسلام كان في يوم الاثنين من ربيع الأول في عام الفيل، هذا كالجملة، وأما ما يتعلق بضبط هذا اليوم كما قلنا: إما الثاني عشر على الشهرة، أو الثامن على النقل، أو التاسع على الدراسات، وسيأتي معنا إن شاء الله بعد ضبط هذا التاريخ يأتي معنا مسائل متعلقة بميلاده، لا تعلق بمولده عليه الصلاة والسلام، كمثل تلك الآيات أو العلامات التي يذكرها العلماء في كتبهم، وهي على ما ظهرت عند مولده عليه الصلاة والسلام. وننظر في هذه الروايات التي تناقلها العلماء، هل هي لها وزن في ميزان الشريعة أم أنها تحتاج إلى تفنيد وتحتاج كذلك إلى تعليق يدرك هذا في مجال آخر، فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.