الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 101، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
غزوة الأحزاب وقعت في السنة الخامسة للهجرة بسبب تحالف يهود بني النظير مع كفار قريش ضد المسلمين، وتجمعت الجموع الكبيرة لقتالهم. كانت هذه الغزوة محاولة كبيرة لقتال المسلمين.
بعد علم النبي بتحالف الأحزاب، استشار أصحابه واقترح سلمان الفارسي حفر الخندق، وتم حفره بطول اثنا عشر ألف ذراع في عشرة أيام. كان هذا الاستعداد حاسمًا في منع دخول الكفار إلى المدينة.
عندما أحاط الأحزاب بالمدينة وخان يهود بني قريظة العهد، دعا النبي ربه بخشوع، فاستجاب الله دعاءه وأرسل ريحًا وملائكة لهزيمة الكفار. كان الدعاء سببًا رئيسيًا في نصر المسلمين.
بعد هزيمة الأحزاب، بشر النبي بأن المسلمين سيغزون الكفار في ديارهم ولن يغزوهم مجددًا، وكانت هذه دلالة على نبوته. كانت الغزوة ذات نتائج عظيمة وتأثيرات إيجابية على المسلمين.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال النظم رحمه الله تعالى: وبنت جحش ثم بدر الموعد وبعدها الأحزاب، فاسمع وعددي. في هذا البيت الذي ذكرناه في الدرس الأخير كان حديث المؤلف رحمه الله تعالى حول أعمال وأحداث السنة الرابعة من الهجرة. وأشرنا إلى ما يتعلق بزواجه من زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها، وما يذكر من فضائلها ومناقبها. ثم أشرنا إلى غزوة بدر والتي اشتهرت ببدر الموعد أو ببدر الصغرى أو بالبدر الآخرة. وأشرنا إلى هذه الغزوة وما يتعلق بها من مسائل وما كان من تخلف الكفار عنها. ثم قال رحمه الله: وبعدها الأحزاب، أي من الوقائع التي وقعت كذلك في السنة الرابعة. وكان من غزوة الأحزاب، وهي الغزوة الشهيرة التي جاء ذكرها في الكتاب والسنة، وهي من أعظم غزوات أهل الإسلام. قال: وبعدها الأحزاب فاسمع، أي اسمع سماع فهم وعلم، وعددي، أي وعدد الغزوات التي غزاها رسول الله، وهذه منها. وقوله رحمه الله تعالى: وبعدها الأحزاب، غزوة الأحزاب من الغزوات التي دارت في شأنها الأحداث والحوادث الكثيرة التي يصعب ذكرها وسردها في هذا المقام. لكن حسبنا الإشارة إلى أهم مسائل هذه الغزوة العظيمة. وأولى ما نبدأ به أولا في تحديد موعدها. الناظم رحمه الله تعالى هو الآن يعدد لنا حوادث السنة الرابعة من الهجرة، فهل غزوة الأحزاب وقعت في السنة الرابعة أم وقعت في السنة الخامسة؟ نعم، الخلاف حاصل بين أهل العلم في تحديد موعد الغزوة. لهذا يقول الإمام نكثير رحمه الله تعالى: وكانت سنة خمس في شوالها، سنة خمس ليس على الذي ذهب إليه الناظم. قال: وكانت سنة خمس في شوالها، على الصحيح من أقوال أهل المغازي والسير. فقوله: على الصحيح، أن فيها خلاف في هذه المسألة فيها خلاف. قال: على الصحيح من أقوال أهل المغازي والسير، وممن ذهب إلى ذلك الإمام بن القيم رحمه الله تعالى، وهكذا ابن إسحاق والإمام الواقدي وابن القيم أطال النفس بذكر الشواهد الدالة على ذلك. وهذا هو مذهب جمهور العلماء، جمهور العلماء من المحدثين ومن المؤرخين وأصحاب السير والمغازي على أن غزوة الأحزاب وقعت في السنة الخامسة. وذهب بعض العلماء إلى أن غزوة الأحزاب وقعت في السنة الرابعة من الهجرة، ومن هؤلاء الإمام موسى بن عقبة، وهكذا ابن حزم. بل إن ابن حزم رحمه الله تعالى قال بلا شك، بلا شك على أنها وقعت في السنة الرابعة. وهكذا الناظم، الناظم رحمه الله كما نرى فإنه ذكر وعد لنا غزوة الأحزاب أنها من حوادث السنة الرابعة. فالأمر في ذلك كما سمعت، ومن أهل العلم كبعض المعاصرين حاول أن يجمع بين القولين، وأن سبب الخلاف في التحديد هل الأحزاب في السنة الرابعة أو على السنة الرابعة إنما هذا يدور في الاختلاف في موعد العام الهجري، في العام الهجري متى يبتدأ؟ وهذه مسألة ذكرها بعض العلماء. قال: فالكل يتفق على الموعد، لكن اختلف في التاريخ، وذلك على حسب دخول العام الهجري في بدايته، متى حسب العام الهجري ومتى لم يحسب؟ فالأمر في هذا واسع إخواني في الله. فعلى الشهير فإن غزوة الأحزاب وقعت في السنة الخامسة من الهجرة. وسميت هذه الغزوة غزوة الأحزاب لذكرها في القرآن، إذ أن الله سبحانه وتعالى سماها بهذا الاسم بالأحزاب، وذلك لتجمع الجموع الغفيرة من طوائف أهل الكفر والشرك من قبائل شتى، فهم أحزاب تحزبوا. وملخص غزوة الأحزاب أو ما يعرف بغزوة الخندق هي مسمى لأمر واحد. سبب هذه الغزوة إخواني في الله هي من آثار ما وقع من غزوة بني النظير. مر معنا كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم حاصر بني النظير وأجلاهم وأخرجهم وطردهم عندما قاموا بنقض العهد. كما مر معنا في درس سابق، حينها لما خرجت بنو النظير من بلادها وتركت أموالها وثمارها، وارتحل منهم من ذهب إلى خيبر، ومنهم من ذهب إلى الشام. من كان في خيبر لا زال في قلبه الحقد الدفين، وأراد رد الاعتبار وأراد الانتقام وأراد الثأر. حينها وهم يهود، حين علموا أنهم بأنفسهم أحقر وأذل من أن يقاوموا رسول الله عليه الصلاة والسلام، قالوا إذا نستعين بغيرنا من الغير الكفار. هنا جاء التحالف، فذهب الأعيان من أعيان يهود بني النظير كحيي بن أخطب وهكذا سلام المشكم وغيرهم من صناديد وأعيان اليهود. ذهبوا إلى مكة والتقوا بكفارها وصناديدها، وألبوهم على قتال محمد، ونحن معكم، ونحن معكم سنناصركم نؤازركم، إذا أردتم منا المال، إذا أردتم منا السلاح، إذا أردتم منا العتاد، من نؤيدكم وننصركم. وليس هذا الأمر فحسب، بل وصل بهم الأمر إلى أنهم أخذوا يثنون على دينهم، يثنون على دينهم ويفضلونهم على دين المسلمين. وهذا جرم، وهذا جرم واعتداء وعدوان. نحن كأهل الإسلام الذي أمرنا ربنا جل وعلا بالإنصاف مع ما نجده من اليهود والنصارى، لكننا ننصف الأحكام. فمهما فعل اليهود، مهما فعل النصارى لا نجعلهم أدنى من أهل الشرك، بل نقول: أن أهل الكتاب أرفع رتبة من عُبّاد الأصنام. ولا زال هذا في الشريعة الإسلامية، فطعام الذين أوتوا الكتاب حل لنا، ذبائحهم حل لنا، بخلاف ذبيحة المشرك ترد. نكاح الكتابيات حل لنا، بخلاف نكاح المشركات ترد. وإلى الآن هذه الشريعة مستقرة، لا نعامل الكتاب كما نعامل المشرك، عُبّاد الصنم أو الزنديق الملحد الذي لا يؤمن بالله. هؤلاء أهل الكتاب اليهود والنصارى لا زالوا أهل كتاب، لهم من الأحكام ما ينبغي أن نكون منصفين معهم، لا نجعل العباد الكفار وعباد الأصنام والأوثان أفضل منهم. لكن هم بالمقابل هم بالمقابل أهل ظلم واعتساف، ما عندهم إنصاف، بل عندهم الإجهاف. فعندما تمالوا مع الكفار، أخذوا يزكون دين الكفار. أنتم يا كفار قريش، معنا كفار قريش، إيش من دين معهم؟ عندهم ألات وهبل وعزة، الكفر الصراح. ومع ذلك أخذوا يثنون عليهم، وهذا مما عابه الله عليهم في هذه الغزوة. كما قال ربنا عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾، وهم اليهود، هم الذين آتاهم الله الكتاب، ماذا فعلوا؟ يقولون للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا. سبحان الله، يعني ليس فقط جرمهم في أنفسهم، بل أخذوا يزكون دين الأصنام، دين الأوثان على دين الإسلام. ويقولون: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا. فكانت هذه فاجعة، لهذا قال الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾. فالإنسان لابد أنه يتعامل بإنصاف لا بإجحاف. فالحاصل أن هؤلاء تعاملوا مع الكفار على هذه المعاونة. نحن معكم، فنهضت قريش، ليس هذا فحسب، بل أخذ النداء والاستغاثة والاستنجاد تمتد إلى القبائل العربية، إلى قبيلة غطفان، وهي من كبائر القبائل العربية العريقة بكثرة أعدادها، واستنهضوهم فنهضت. وهكذا قسم ما كان من بني فزارة، من بني سليم، بني أسد، بني مرة، كل هؤلاء نهضوا، قاموا قومة رجل واحد، فتحركوا. الكل يتحرك إلى جهة المدينة. أكفار قريش كانوا تحت راية أبي سفيان، وأما قبائل غطفان ومن كان معهم فكان تحت راية عيينة بن حصن، عيينة بن حصن هو الذي حمل الراية. فتحرك الجميع، وكان قوام هذا الجيش العرمرم عشرة آلاف مقاتل، وكان هذا العدد مهولا في هذه الأوقات، وفي هذه الجزيرة المتناثرة تجمعت القبائل بهذا العدد المهول. وكان من ضمن هذا العدد ثلاثمائة فارس، معهم ألف وخمسمائة بعير، فتحركوا جميعا إلى جهة المدينة. حينها علم نبينا صلى الله عليه وسلم بأمر التحالف، بأمر الأحزاب وما كان من تحركهم. هنا استشار نبينا صلى الله عليه وسلم أصحابه في كيفية مقاومة هؤلاء، مقاومة هؤلاء عدد كبير جدا، ليس بالأمر السهل، عشرة آلاف مقاتل. فحينما كان يتشاورون في الأمر، إذ من الآراء التي ظهرت ما اشتهر في كتب السيرة عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه. وإن كان بعض يشير إلى أنه ما ثبت بإسناد صحيح، لكن اشتهر هذا في السير وطار في الآفاق، وصدر في كتب الصغار والكبار على أن صاحب هذه الفكرة هو سلمان الفارسي. لأن هذه الطريقة ما كانت العرب تعرفها، ما كان يعرفونها، إنما كانوا يعرفون الحصون التي عند اليهود، ويعرفون المتاريس والحراسة والرقابة وغير ذلك. أما حفر خنادق، هذه كانت عادة غير موجودة، وإنما كانت عادة موجودة في الفرس. فقام سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه وأشار على نبينا هذه الفكرة، وأنها ستحول بين تقدم هؤلاء والدخول إلى المدينة. فوافق نبينا صلى الله عليه وسلم على هذه الفكرة، وبدأ الناس بحفر الخندق. وكان هذه الفكرة كما قلنا مهمتها الحيلولة دون وصول الفرسان والخيل، وهكذا الرجال إلى داخل المدينة، بل يجدون ما يعيق دخولهم. بدأ العمل إخواني في الله في غزوة الخندق. وكتب التاريخ والسير حاولت أنها تأتي ببعض التفاصيل عن هذه الحفريات. أما ما يتعلق بطول الخندق، نعم هناك روايات مختلفة، فمنهم من يقلص الحجم، ومنهم من يطيل في طول الخندق. لكن أكثر ما وصل إليه في كتب السير والمغازي على أن طول الخندق اثنا عشر ألف ذراع، طوله اثنا عشر ألف ذراع. هذا طوله، طبعا الخندق ما حفر إلا في جهة واحدة، وهي في الجهة الشمالية، لأن هي الجهة المكشوفة للمدينة. أما الجهة الشرقية والغربية فكانت ماذا؟ محمية، هذه المحمية بالحرة وبالأماكن الوعرة وبالبساتين، ما كان يمكن أن يدخل منها الجند. فما كان الدخول إلا من هذه الجهة، جهة الشمالية، ولهذا كان حفر الخندق في هذه الجهة الوحيدة، طوله قيل اثنا عشر ألف ذراع، وقيل دون ذلك، وقيل دون ذلك. هذا الطول. أما ما يتعلق بالعرض والعمق، تكاد الروايات تتفق، تتفق في ماذا؟ في تحديد العمق، والعمق. أما العرض فقد ذكر العلماء أن عرضه ما بين سبعة إلى عشرة أذرع، من سبعة إلى عشرة أذرع. هذا ما يتعلق بماذا؟ بالعرض. وأما عرضه فقد كان تسعة أذرع، تسعة أذرع العرض، تسعة أذرع. وأما العمق ما بين سبعة إلى عشرة أذرع. أنت الآن بهذه الصورة لو تخيلت الخندق بهذه الصورة، تخيل العرض تسعة أذرع، ذراع الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس إلى تسعة، هذه الخندق لو فتح هكذا، هذا يصعب، لا يمكن لبشر أن يقفز قفزة. زد على ذلك خيلهم ما يستطيع أن يقفز هذه القفزة البعيدة، هذا شيء محال. وأيضا العمق قد يقول: قد ينزل ويصعد، لكن انظر العمق، العمق ما يصل إلى عشرة أذرع في الأرض تحت، فمن سقط سقط، ما يستطيع أن يرتفع، ما يستطيع أن يرتفع. فإن حاول مثل رجل بفرسه أنه يقفز، فسقط، ما سيقوم، ما سينهض، بس يكون حبيس ماذا؟ حبيس الخندق. ومن كان حبيس الخندق وهو العرض للقتل، لأن إذا استطاع المسلم أن يأتي ثم يرميه ماذا؟ بسهم، فهو متناول اليد، يقتل. فكان هذا الخندق بهذا المثاب إخواني فيه عائقا جليا، حال بين الدخول إلى المدينة. وهذا الذي صار، فلما وصلت الأحزاب إلى المدينة تفاجأوا بهذا الخندق الذي حال بينهم وبين الدخول. لا يمكن لا للفرسان، للخيالة، ولا للركبان بأرجلهم أن يقفزوا أو يدخلوا ويصعدوا، هذا لا، وهذا لا. ولهذا رجعوا وجلسوا ماذا؟ خلف الخندق. ما يتعلق بأعمال الخندق كذلكم ذكر العلماء على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان هو الذي يوزع المهام في أعمال المهام. كان الخندق يعطى أربعين ذراع لعشرة أشخاص، هكذا كانت القسمة، يحسب لهم أربعين ذراع، ويؤتى بعشرة، هذا لكم اعملوا على هذا. كما قال الآن يسمي البرتوكول الموجود: امشوا على هذا العمق كذا، والطول كذا، ثم أربعين ذراع لفرقة ثانية، وأربعين ذراع لفرقة ثالثة. وكان عدد الصحابة الذين خرجوا مع رسول الله ثلاثة آلاف، ثلاثة آلاف مقاتل. وهؤلاء الذين جلسوا بجنب الخندق حتى تحسبا لأي تسلل يكون ماذا؟ له بالمرصاد. فالنبي صلى الله عليه وسلم ليس إلا استعداده كلية على الخندق، لكن الخندق عامل مساعد، بينما هو مع أصحابه استعدوا. فكان عليه الصلاة والسلام طبعا قبل وصول هؤلاء الأحزاب أخذ الشغل منه مقتا طويلا. واختلف العلماء في المدة التي تم إنجاز الخندق فيها، قيل أنه أخذ نبينا عليه الصلاة والسلام في ذلك ما بين تسعة إلى عشرة أيام، تسعة إلى عشرة أيام. هذه الفترة الذي أخذها نبينا مع أصحابه في استكمال حفر الخندق. وكانوا يعملون في جو بارد، في جو بارد جدا كما جاء ذلك في الصحيحين. وكان الصحابة ليس معهم عبيد، بل كان الأنصار وهكذا المهاجرون يعملون بأنفسهم. وقبل هذا وذاك كان نبينا عليه الصلاة والسلام هو الذي يتقدمهم. صلوات ربي وسلامه عليه، هو الذي كان يحفر معهم، يأتي بالمعول ويحفر، ويأخذ بالتراب حتى أن التراب غطى على وجهه وعلى صدره وظهره عليه الصلاة والسلام. وكان يعمل كل ذلك من باب حث الجميع، وعلى أن الأمر ملقى على الجميع. فهذا الذب يكون الذب عن الدين يتولاه الكل، لا يختص به أحد دون أحد. فكان نبينا في طليعة من كان يشتغل، فكانوا يشتغلون ويعملون. بل كان نبينا صلى الله عليه وسلم يرتجز، معنى يرتجز، يأتي بأبيات، وهذه الأبيات الشعرية يؤتى بها في أوقات العمل. ولا زال الناس في هذه الأزمان من يعمل في البر، من يعمل في البحر، يأتي يرتجز أبياتاً. وهذه الأبيات وظيفتها إدخال الهمة والتسلية، إدخال الهمة والتسلية. فكان نبينا في عمله كما جاء في الصحيحين يرتجز بأبيات لعبد الله بن رواحة، بأبيات لعبد الله بن رواحة، ويقول: والله لولا أنت هُدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا * فأنزلنا سكينة علينا * وثبت الأقدام إن لاقينا * إن الأولى قد بغوا علينا * وإن أرادوا فتنة أبينا. هذه الأبيات كانت لعبد الله بن رواحة، ونبينا كان يرتجز بها، يأتي بها على شكل شعر، وكان يرفع بها صوته عليه الصلاة والسلام. وكان الصحابة يرددون معه، يرددون معه عليه الصلاة والسلام: اللهم لولا أنت هُدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا * فأنزلنا سكينة علينا * وثبت الأقدام إن لاقينا * إن الأولى أي إن القوم قد بغوا علينا * وإن أرادوا فتنة أبينا، أي لا ننصاع، لا ننصاع لأعداء الدين. وكانوا يشتغلون في النهار، النهار عبارة عن عمل جد واجتهاد، ولا يرجعون إلى أهاليهم إلى المدينة إلا في المساء. وكان نبي صلى الله عليه وسلم قد جعل النساء والذرية على الآطام في مرتفعات المدينة، وكل ذلك تحسبا إذا تمكن عدو من الأعداء من الدخول. فهذا إخواني في الله خلاصة ما كان يفعله نبينا صلى الله عليه وسلم عندما وصل الأحزاب إلى المدينة، وتفاجأوا وتجمعوا بهذا العدد المهول، جلسوا حاولوا عدة محاولات من الدخول. طبعا استطاع بعضهم، وخاص الفرسان الكبار الخيالة الذين اشتهروا بالشجاعة، وجدوا بعض الأماكن ضيقة ليست واسعة، ضيقة استطاعوا أن يغفزوا منها ويدخلوا إلى داخل المدينة. لكن هذا وقع لأحدهم، وانبرى لهم المسلمون ووقعت بينهم مبارزة، إلا أنهم قتلوا كل من دخل، قتل ما بقي أحد حيا، ما بقي أحد منهم حيا. وهذا يذكر في كتب السير في هذه الغزوة إخواني في الله. ومع حفر الخندق وقعت آيات عظام، ليس هذا المقام مقام ذكرها، يرجع ذلكم إلى المطولات. من المحاولات التي قام بها الكفار أنهم أرادوا أن يستقطبوا أحدا حتى يجدوا مدخلا. وكان الكفار يطمعون في من في يهود بني قريظة، ويهود بني قريظة كما أشرنا لهم آخر فرقة يهودية، قبيلة يهودية موجودة في المدينة في أطراف المدينة. ذهبت بنو النظير وهكذا ذهب غيرهم، بين قينقاع وبقيت قريظة. ذهب وفد من بني النظير، وهم الذين أججوا الحرب كما أشرنا، كحيي بن أخطب، كحيي بن أخطب. حاول أن يتسلل حتى وصل إلى حصن بني قريظة، وأخذ يطرق عليهم الحصن أن يفتحوا، فأبوا، علموا اليهودي يعرف اليهودي ما يأتي بمثل هذه الساعة إلا ويحمل معه الغدر ويحمل معه المكر والكيد. وكان زعماء بني قريظة كل الحرص على أنهم ما يدخلوا في هذه الحرب والمواجهة، ما يدخلوا لأنه بينهم وبين محمد بن عبد الله حلف. فأخذ حيي بن أخطب اليهودي يدق ويحثن حتى أخذ يكلمهم: افتحوا الباب، أنا عندي شيء لكم، افتحوا. هم قالوا: ابتعد عنا، اذهب، اذهب. فما استطاع حتى دخل. وكان الرئيس أو الزعيم على هذا الحصن من بني قريظة كان كعب بن أسد اليهودي، ففتح له الباب. فكان الأمر كما توقع الحياني، نحن قد اجتمعنا، أخذ حيي بن أخطب وهو الذي يهيج على الحرب: جئنا من كل مكان، سنستأصل محمدا، سنذهب بهم، سنبيدهم، سيرجع لنا العز، سيرجع لنا المجد، كن معنا لا تخذلنا. فلا زال به، لا زال به، هو يحاول أن يمتنع، لكن مهما كان وراجع إلى أصله وهي الخيانة، فوافق: أنا معكم، متى ما احتجتموني سأفتح الباب لكم، سيكون لكم مدخل من جهتي، جهتي. لكن كعب بن أسد هذا اليهودي اشترط شرط، قال: لكن شرط يا حيي، أنك إن لم تضفروا بمحمد، إن قدر أنكم فشلتم، ما استطعتم أن تستأصلوا كما وعدتني، أطلب منك طلب. قال: أن تأتي عندي، تأتي أنت ومن معك عندي في الحصن، ثم نتشارك نتشارك العقوبة، إن كانت من عقوبة وقعت علي تقع على الجميع. لأنك تورطني ثم تذهب إلى بلادك، لا. إذا ما استطعتم أن تضفروا بمحمد، تأتي عندي. فوافق، فوافق أخوي يجعل هذا الطلب بشر: أنا معك، كم يقع؟ نحن معك بالحلوة والمرة. فتم الاتفاق على هذا. سر الخبر إلى رسول الله من أن الكفار، أن يهود بني قريظة قد خانوا العهد. أراد نبينا أن يتأكد، فأرسل سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: إذهبا وتأكدا من القوم. فذهبوا حتى وصلوا إلى حصن بني قريظة، وأخذوا يستفسرون، أخذوا يستفصلون: يا قوم. فوجدوا منهم السب، وجدوا منهم الشتم، وجدوا منهم اللعن. فعرفوا أن القوم قد خانوا العهد، فرجعوا، رجعوا إلى رسول الله وأخبروه الخبر بأن القوم قد غدروا. حينها دب الخوف في أهل الإسلام، كما قال ربنا جل وعلا واصفا هذا الموقف: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾. إذا ليس عدوكم في الخارج، بل لكم عدو في الداخل، فأصبح ماذا؟ الخوف يعتري الجميع، الخوف يعتري الجميع. هنا نأتي إخواني في الله ما كان من فعل نبينا عليه الصلاة والسلام من كثرة دعائه لربه، الدعاء الإلحاح التضرع. وما النصر إلا من عند الله، لا تظن يا عبد الله أن قوة المسلم تعود إلى جسده أو إلى جسمه أو إلى حنكته أو إلى أسلحة، هذا سبب من الأسباب، وإنما القوة الحقيقية هي بيد الله جل وعلا، وما النصر إلا من عند الله. فأخذ نبيه يرغب على الله بالدعاء، وما كان من دعائه كما جاء في الصحيح: اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، أهزم الأحزاب، اللهم أهزمهم وزلزلهم. وحقق الله عز وجل دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، وكفاهم الله المؤنة، وتولى الله عز وجل هزيمة الكفار بنفسه. كما قال ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾، وهم الكفار الأحزاب من كل مكان، فأرسلنا عليهم ريحا، وجنودا لم تروها. فأرسل الله عز وجل ريحا من عنده، وكما أشرنا في عبارة الشافعي في درس الظهر: الريح جند من جند الله، جند من جند الله ينصر الله به عباده. فأرسل الله الريح الشديد التي أقلعت الخيام، وأكفأت القدور، وأثارت الغبار، حتى أن الواحد ما كان يستطيع يستبين صاحبه الذي بجنبه، مع شدة البرودة، مع شدة البرودة، فتعكرت أحوالهم جدا. ثم وجنودا لم تروها، وهم الملائكة، أثاروا الرعب في قلوبهم، فكانوا أصيبوا بالذعر في الخارج ومن الداخل. وحينها لم يقر لهم قرار في أن يمكثوا، مع أنهم كم حبسوا وكم جلسوا شهرا كاملا وهم حول المدينة، شهرا كاملا إلى أن أرسل الله هذه الريح، فبددهم ونشر الرعب في قلوبهم. حينها ماذا؟ أعلنوا الرجوع، فكفاهم الله عز وجل، وجعل الله هذه نعمة ينبغي أن تستذكر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. فكان هذا من إنعام الله على العباد، وذلك متى ما توجه الخلق إلى ربهم سبحانه وتعالى. فلما انهزم الأحزاب استبشر نبينا صلى الله عليه وسلم، حينها قال كما في الصحيح: الآن نغزوهم ولا يغزونا، من الآن خلاص لن يكون لهم غزو لنا، بل بالعكس الآن نغزوهم، لا يغزونا. وسأتي معنا كيف أن النبي بعد ذلك قال: ما كان على ظهر الأرض أصبح هو الذي يبتدئ غزو الكفار إلى عقر ديارهم. هذا إخواني في الله خلاصة ما يذكر في غزوة الخندق أو ما يعبر عنه بغزوة الأحزاب. وكما قلنا فيها وقائع كثيرة، وآيات عظيمة، ودالة لنبوته عليه الصلاة والسلام، تطلب في كتب المطولات. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.