الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 102، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
حدثت غزوة بني قريضة في السنة الرابعة للهجرة بسبب خيانتهم ونقضهم العهد، واستمر الحصار حتى نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. حكم سعد بن معاذ فيهم بقتل الرجال وسبي النساء وتقسيم الأموال.
تم تنفيذ حكم النبي صلى الله عليه وسلم في بني قريظة بقتل الرجال وسبي النساء وتقسيم الأموال بعد أن أمر بإخراجهم من حصونهم. قتل الرجال ودفنوا في خنادق خارج المدينة.
كانت غزوة ذات الرقاع بسبب إعداد بني محارب وبني ثعلب من غطفان العدة لغزو النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم بأصحابه وفرت القبائل. اختلف العلماء في تاريخ الغزوة بين السنة الرابعة والخامسة والسابعة.
استدل بعض أهل العلم بأن غزوة مؤتة كانت في السنة السابعة استنادا إلى وصول أبي موسى الأشعري وجعفر من الحبشة في تلك السنة. حضر أبو موسى الغزوة وتنقبت قدمه، مما يدل على مشاركته فيها بعد قدومه من الحبشة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: ثم بني قريضة وفيهما خلف، وفي ذات الرقاع علمًا. هذا البيت إخواني في الله، فيه يتحدث المؤلف والناظم رحمه الله تعالى عن حوادث السنة الرابعة، ولا زال فذكرها هنا، وأشار إلى حادثتين في قوله: ثم بني قريضة، أي غزوة بني قريضة، وفيهما خلف، خلف أي خلاف في موعدها وفي تحديد وقتها. وفيهما يعود إلى غزوة بني قريضة وإلى غزوة الخندق التي مرت معنا، وقد أشرنا إلى الخلاف الحاصل هل هي في السنة الرابعة أم في السنة الخامسة. قال ثم بني قريضة وفيهما خلف، أي اختلاف، وفي ذات الرقاع علمًا، أي في غزوة ذات الرقاع علم، علم ماذا؟ سيأتي معنا في البيت الذي بعده كيف صلاة الخوف. سيأتي معنا تكملة لهذا البيت. فالشاهد أن هذا البيت إشارة إلى غزوتين اثنتين، الغزوة الأولى غزوة بني قريضة، والغزوة الثانية غزوة ذات الرقاع. نبدأ إخواني في الله في الغزوة الأولى، الغزوة الأولى في قول المؤلف رحمه الله تعالى: ثم بني قريضة. بني قريضة قد أشرنا في دروس خلت على أنها من القبائل اليهودية التي سكنت المدينة، هذه القبيلة غزاها نبينا عليه الصلاة والسلام، وسبب الغزو من كان معنا في درس أمس في غزوة الأحزاب أو غزوة الخندق، حينما علمنا كيف أن اليهود نقضوا العهد وغدروا النبي صلى الله عليه وسلم، حيث تمالأوا مع الكفار تمالأوا مع الكفار، فكانت هذه خيانة خيانة في الدين وخيانة في الدنيا خيانة عظمى. جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق ووضع السلاح واغتسل، كما قلنا عندما ألقى الله جل وعلا الرعب في الأحزاب ففرق شملهم وشتت جمعهم وألقى الهزيمة بينهم، وغذف الرعب في قلوبهم تنافروا وابتعدوا وانهزموا، حينها شعر المسلمون بالراحة والإطمئنان وبالأمن والأمان، رجعوا إلى بيوتهم وديارهم إلى المدينة. رجع نبينا ووضع سلاحه ووضع عدته واغتسل، لما كان من أثر ماذا الحرب واستعداد لها. بينما هو كذلكم أتاه جبريل عليه السلام فقال: يا محمد أوضعت السلاح؟ فوالله ما وضعته، هذا جبريل أنت وضعت السلاح أما أنا فما وقد وضعته. فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: أين؟ لأن فهم نبينا الكلام فهم الخطاب على أن هناك حرب لا زالت قائمة. جبريل قال: ما وضعت السلاح هناك حرب قائمة، علم نبينا بالخطاب فقال: أين؟ أين الحرب؟ قالت عائشة: فأشار جبريل قال: ها هنا وأومأ إلى بني قريضة، أي هناك حرب ستكون هناك مع أولئكم. فخرج إليهم نبينا صلى الله عليه وسلم، بل إن النبي لما خرج لبني قريضة حاول أن يتعجل، لماذا يتعجل؟ حتى يباغتهم لأنهم قد علموا اليهود علم بما وقع من الكيد والمكر والخيانة، وعلم أن الدور سيأتيهم وأن محمد سيلقنهم درسا وعقوبا على خيانتهم، فأراد نبينا قبل أن يستعد لذلك أراد أن يهرع ويسارع إليهم. حتى قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين: لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريضة، صلاة العصر هناك عندهم، وذلك حتى يتعجل نبينا صلى الله عليه وسلم أصحابه للذهاب، فذهب نبينا صلى الله عليه وسلم وخرج بثلاثة آلاف مقاتل من أصحابه، ووصل إلى بني قريضة، وكما أشعرناكم سلفا على أن من طبيعة اليهود يعيشون في الحصون أسوار، فحاصرهم نبينا صلى الله عليه وسلم وحاصر حصنهم، واستمر الحصار كما قال المؤرخون خمسة وعشرين يوما، ضرب عليهم صلى الله عليه وسلم هذا الحصار الخانق جدا، ضيق عليهم لا أحد يدخل ولا شيء يدخل إليهم. علم اليهود بأن النبي صلى الله عليه وسلم لن يستسلم ولن يرجع حتى يقضي بغيته منهم، فلما علموا أن الحصار سيدوم ويدوم ويدوم، حينها جاؤوا للصلح، لكن الصلح ليس بأيديهم وإنما نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحكم فينا يا محمد بما ترى، نعترف ونقر بما كان من خيانتهم وما كان من أمرهم. فحينها كان الحكم بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه أعطى الحكم للأوس سكان المدينة لأهل الأوس، لماذا أعطى لأوس؟ لأن أوس كانت بينهم وبين اليهود من بني قريضة حلف قديم، حلف قديم، وحتى لا يتهم نبينا بأنه تمال عليهم أو أنه أضغن في الحكم عليهم، لأن الحكم هنا سيكون شديد، سيأتي معنا الحكم سيكون شديدا، لهذا أبعد نبينا نفسه عن الحكم، وقال: أجعل الحكم لزعماء أوس. وكان زعيم هاهنا وحينها الصحابي الجليل سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه، فجئ بسعد، وقال له: حكمك رسول الله في بني قريضة، وأنت قد علمت بالأمر فماذا تحكم فيهم؟ فقال: حكم نافذ، قال: حكمك نافذ على من هاهنا على الجميع، قالوا: على الجميع ما أحد سيعترض على حكمك. وكان قد حضر الصحابة حضر رسول الله وحضر اليهود ومن ينوبهم. قال: حكم في بني قريضة أن يقتل الرجال وأن تسبى النساء وأن تقسم الأموال، هذا حكم فيهم. وكان حكمه نافذ وسيرضى به الجميع، ولو حكم بأي حكم سيكون نافذ، ولهذا لما سمع نبينا حكم سعد قال: يا سعد حكمت فيهم بحكم الله، هذا هو حكم الله فيهم. فشارع نبينا صلى الله عليه وسلم بتنفيذ هذا الحكم، أول ما أمر بإخراجهم من حصونهم، ثم ما كان من العزل، ما كان من الرجال يجمعهم نبينا في بعض الديار، جمع الرجال هنا هنا هنا يجمعهم، وأما النساء والصغار جمعوا في مكان في معزل. بقي الإشكال في الغلمان في الغلمان الشبان، ما يدرون هل هؤلاء وصلوا إلى سن الرجولة فيحكم عليهم بحكم الرجال بالقتل، أو أنهم لا زالوا في سن الطفولة فيحشروا مع النساء والصغار، هنا كان الحكم والفصل في هذه المسألة الحكم ماذا؟ بالبلوغ، وكيف سيتعرفون على البلوغ؟ هنا بشعر العانة، فكان تكشف العورات في حق الصغار تكشف العورات، فمن رأوه قد أنبت الشعر أي شعر العانة هذا يصف مع الرجال حكمه حكم القتل، ومن لم ينبت الشعر فهذا لا زال في مرحلة الصغر والطفولة يحشر مع النساء. فالشاهد أن النبي عزل الرجال، ثم بعد ذلك أمر نبينا صلى الله عليه وسلم في ظاهر المدينة أن تحفر بماذا؟ بالخنادق، لماذا تحفر بالخنادق؟ تجهيزا لدفن هذه الجثث، ثم أمر بإرسال اليهود لكنهم تباعا ليسوا كلهم دفعة واحدة، وإنما يأتي بمجموعة عليه الصلاة والسلام بهم، ثم يؤمر بماذا؟ بقتلهم فيقتلون ويدفنون في الخنادق، لماذا؟ ما يدفنون في المقابر لأن الكافر ما يدفن في مقابر المسلمين، الكافر والمشرك ما يدفن مع مقابر المسلمين، حقه أن تحف له حفرة في الصحراء ويدفن فيها. ثم أخذ يرسلهم يأتي بهم تباعا من تلكم البيوت، ثم تقطع الرقاب ويدفنون، وكان عدد من قتل من هؤلاء ما يقارب بين الخمسمائة إلى ستمائة يهودي، هذا الذي فعله نبينا صلى الله عليه وسلم في بني قريضة. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: قال وأما قريضة فكانت أشد اليهود عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأغلبهم كفرا، ولهذا جرى عليهم ما لم يجر على إخوانهم من بني قينقاع والنظير، هنا اختلف الحكم لأن بني قريضة هنا خيانة عظمى. والأمر كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى: أنهم أرادوا العزة فذلهم الله، وأرادوا الاستئصال للإسلام فستعصلوا، عاملهم الله بالنقيض، عاملهم الله بالنقيض، كانوا في عزة كانوا في هدنة مع المسلمين، كانوا في راحة، لكن لما سو لهم الشيطان من شياطين الإنس والجن على أنكم إن وضعتم أيديكم مع الكفار فلكم العزة لكم المكنة معا لهم، العزة في ظل الإسلام، لكن سبحان الله أرادوا العزة المزعومة، فلما أرادوا العزة ذلوا، ولما أرادوا من فعلهم الضرب لأنهم إن مكنوا ومكنوا للكفار سيكون القتل والمقتل للصحابة وللمسلمين ولجميع أهل الإسلام الصغار والكبار، وعلى رأس النبي سيقتل من سيقتل، هذا الذي كان مراد بني قريضة. فكان هذا حكم الشرع فيهم، فقتل نبينا صلى الله عليه وسلم الرجال منهم وسبى الأموال وسبى النساء، وغنم من الأموال من الأسلحة الشيء الكثير، ذكر أهل التاريخ على أن من أسلحتهم التي وجدها وغنمها نبينا ألف وخمسمائة سيف، وهكذا ألف وخمسمائة ترس من تروس الفرسان، وهكذا وجد ثلاثمائة درع من دروعهم، وألف رمح، هذه ترسانة عظيمة من الأسلحة وجدها نبي مكدسة في بني قريضة، أخذها نبينا صلى الله عليه وسلم. وبهذا إخواني في الله أراح ربنا جل وعلا المسلمين من شر اليهود، وهنا تأتي الفائدة: سجد أن اليهود وهي القبائل الثلاثة إنما تم نقضهم للعهد والميثاق بينهم وبين رسول الله بعد هذه الغزوات الثلاث الكبرى، فبني قينقاع نقض العهد بعد بدر، وبني النظير نقض العهد بعد غزوة أحد، وبني قريضة نقض العهد بعد الأحزاب، تجد أن حياتهم تدور على النقض والغدر والخيانة، لكن يجازيهم الله جل وعلا بعقوبة الدنيا قبل عقوبة الآخرة. هذا إخواني في الله ما يتعلق في قوله: ثم بني قريضة وفيهما خلف. وفي ذات الرقاع، ذات الرقاع كذلكم غزوة من الغزوات سميت بهذا الإسم بذات الرقاع. وذات الرقاع هي عبارة عن منطقة تكون والغزوة وقعت في جهة نجد إلى جهة نجد. خرج نبينا صلى الله عليه وسلم بجماعة من أصحابه مقاتلا جماعات من الكفار، هذه الغزوة فيها مسائل، من أوائل مسائلها ما يتعلق بالتسمية، لماذا سميت هذه الغزوة بذات الرقاع؟ قال العلماء: سميت بذات الرقاع أكثر العلماء على أنهم كانوا قد رقعوا أرجلهم بالخرق، رقعوا أي أتوا بخرق أخذوا يرقعون بها أرجلهم، ولكثرة هذا المشهد منهم سميت بهذه الغزوة بغزوة ذات الرقاع. وقيل: سميت بهذا الإسم لأن الرايات قد رقعت الرايات التي حملوها في هذه الغزوة كانت مرقعة، وقيل: أن هذه الغزوة سميت بذات الرقاع لأنها وقعت في منطقة عند شجرة كانت هذه الشجرة مشهورة بهذا الإسم بذات الرقاع، فسميت الغزوة على اسم الشجرة، وهكذا أقوال شتى يذكرها العلماء، ولكن الصحيح الأول: الصحيح الأول أنها سميت بذات الرقاع لأن الصحابة في هذه الغزوة كانوا يشدون على أرجلهم بالخرق وبالرقاع يرقعون أرجلهم. ويؤيد هذا المعنى ما جاء من حديث أبي بردة عن أبي موسى الأشعري قالوا: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، وهذه الغزوة إذا آت الرقاع كما سيأتي في غزاة، ونحن ستة نفر بيننا بعير نتعقبه، أي نتعاقب على بعير، ستة على بعير واحد، وذلك لقلة الحمول لقلة الحمول الموجودة في هذه الغزوة. قال: ونحن نعتقبه فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي وتقطت أظفاري، أي من شدة المشي من شدة المشي في هذه الصحاري الحارة ومع ورورة المكان، أن الأقدام تنقبت تحفرت الأرجل تحفرت الأرجل من شدة ما كان يجدون من ورورة المكاو مع كثرة المشي. قال: فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب أرجلنا من الخرق، رواه البخاري ومسلم، وهذا حديث واضح صحيح صريح في أن تسمية هذه الغزوة بذات الرقاع لما ذكره أبو موسى الأشعري من أنهم كانوا يربطون أرجلهم أي يأتون بخرقة يعصبون في المقدمة الرجل أو في الوسط أو في الكعب، فكانت الأرجل معصبة ما كان عندهم خفوف حينها، وإنما ما وجدوها في تلك الفترة فاستعانوا بهذه الخرق. فكانت الأرجل مرقعة عبارة عن حبال عبارة عن خيوط عبارة عن لفائف قد عصبت بها الأرجل، فكانت هذه الغزوة بغزوة ذات الرقاع. وهذه الاسم تأتي مسألة وهي: طب ما سبب هذه الغزوة؟ سبب هذه الغزوة كما قال العلماء: على أن النبي صلى الله عليه وسلم علم علم بأن جماعة من الكفار من بني محارب وبني ثعلب من غطفان، وأنهم أخذوا يعدون العدة على غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أعدوا العدة وعزموا على هذا، بلغ الخبر لنبينا، منتظر نبينا خروجهم، وإنما هو سارع إليهم. فخرج إليهم نبينا صلى الله عليه وسلم بأربعمائة، قيل: بخمسمائة، قيل: بسبعمائة رجل من أصحابه رضي الله تعالى عنهم، حتى وصلوا هنالك إلى منطقة قبل منطقتهم إلى بلدة نخلة إلى بلدة نخلة وهي قريبة من مكة، فلما وصل نبينا قريبا منهم، إذ من شأن هذه القبائل التي أرادت أن تتجمع تفرقت وصعدت على رؤوس الجبال وفروا، فما وصل نبينا إلى بلادهم حتى وجد النساء فقط، ما وجد إلا النساء، فأخذ نبينا النساء ورجع بهن إلى المدينة. وكانت هذه الغزوة من أسمائها تسمى بغزوة الأعاجيب، تسمى بغزوة الأعاجيب، وذكر فيها عدة أشياء تستغرب منها هذه الحادثة، تخيل نبينا ذهب بهذا العدد يعني ما بين أربعمائة خمسمائة مقاتل فقط، جيش صغير ليس بكبير، ما وصل الآلاف بل ما وصل الألف، وصل الشطر خمسمائة رجل، وذهب إلى بلاد عدو وأين؟ في عقر دارهم في عقر دارهم في أماكنهم ألفوها يعلمون المداخل والمخارج يعلمون أين مكان التخبئة أين يتحرزون بالفخاخ أين يصنعون المكائد في أرضهم. ومع ذلك ومع كثرتهم قبائل ليس القبيلة قبائل عدة، وقد بلغوا من الحنق ما بلغوا، ومع هذا وهذا وذاك، قبل أن يصل إليهم نبينا هربوا هربوا، فكان هذا من الأعاجيب، كان أقل ما يقال تكون حتى مواجهة أو مناوشة ثم يهربوا، لكن لا هذا ولا ذاك. قالوا العلماء في هذه قصة وفي هذه الحادثة يتجلى حديث نبينا عليه الصلاة والسلام: نصرت بالرعب مسيرة شهر، نصرت بالرعب، فكان الأعداء إذا سمعوا بمقدمه عليه الصلاة والسلام يقذف الله في قلوبهم الرعب والخوف، ويخافون، فحتى أن بعضهم تنتزع منهم هذه الفكرة التي قد غرزت أولا وهي المقاتلة والمحاربة، فما يستطيع أن يتمالك نفسه من شدة خوفه كما فعل هؤلاء، صعدوا إلى الجبال وتركوا نساءهم، فما وجد نبينا إلا هذه الغنيمة السهلة، فأخذ النساء ورجع بهن سبيا إلى المدينة. هذا إخواني في الله ما يتعلق بغزوة ذات الرقاع. وهذه الغزوة ذات الرقاع مما وقع فيها الخلاف الشديد في وقتها، هذا خلاف حاصل قديما وحديثا بين العلماء، والعلماء تباينوا في آرائهم، فمنهم من يرى أن غزوة ذات الرقاع وقعت في السنة الرابعة، وهذا قول أكثر العلماء، ومنهم الناظم لأن الناظم لا زال يعدد لنا حوادث السنة الرابعة، فهؤلاء يميلون إلى أن الحادثة ذات الرقاع وقعت في السنة الرابعة من الهجرة. ومنهم من ذهب إلى أنها وقعت في السنة الخامسة من الهجرة، وهذا قول جماعة من المحققين كابن سعد والواقدي وابن حبان والإمام النووي رحمه الله، ومنهم من ذهب إلى أنها متأخرة ليست في الرابعة ولا في الخامسة، وإنما وقت في السنة السابعة من الهجرة تحديدا بعد خيبر، تحديدا بعد خيبر. وقد قال بهذا القول أيضا جماعة من المحققين من العلماء والمؤرخين والمؤرخين كالإمام ابن القيم والحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، واستدلوا بعدة أمور وهي ظاهرة قوية في أن أبا هريرة حضر هذه الغزوة، حضر هذه الغزوة مع أن أبا هريرة ما أسلم إلا في العام السابع من الهجرة، فكون حضر هذه الغزوة إذن هذه الغزوة متأخرة لن تكون في الرابعة ولن تكون في الخامسة. وزد على ذلك ما مر معنا ما كان من حديث أبي موسى الأشعري أنه حضر هذه الغزوة وأنه قد تنقبت قدمه، وأبو موسى الأشعري قدم مع جعفر من أرض الحبشة في السنة السابعة، في السنة السابعة، ولهذا الجماعة من أهل العلم يرى أن هذه الغزوة قد تأخرت إلى هذا الوقت في السنة السابعة. نكتفي إلى هذا الحد إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.