الدرس في قبس من السيرة النبوية 41، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
بدأت المرحلة الجهرية للدعوة الإسلامية وتعرض النبي والصحابة للابتلاء والاعتداء. اتسمت هذه المرحلة بكثرة التكذيب والطعن في النبي والمسلمين.
استخدم الكفار وسائل متعددة لمواجهة الدعوة النبوية منها إثارة الشبهات والشغب والمجادلة والتعذيب. استمر استخدام هذه الوسائل حتى الآن لصد الناس عن دعوة الله.
يجب تجنب أعداء الدين الذين يستخدمون أساليب مختلفة لمحاربة المسلمين. الله تعالى هو القادر على نفعنا وقد ختم الخطاب بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَلْنَذْكُرْ إخْوَانِي فِي اللَّهِ فِي هَذِهِ الْمَقَامَاتِ شَيْئًا أَوْ بَعْضًا مِمَّا سُطِرَ وَكُتِبَ فِي كُتُبِ السِّيرِ حَوْلَ السَّمَاتِ الْوَاضِحَةِ وَالْخُطُوطِ الْعَرِيضَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي الْمَرْحَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الدَّعْوَةِ إلَى اللَّهِ جَلّ وَعَلَا فِي زَمَنِهِ وَعَهْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِالْمَرْحَلَةِ الْجَهْرِيَّةِ. وَكَانَتْ السِّمَةُ الْبَارِزَةُ مَا مَرَّ مَعَنَا كَثْرَةُ الِابْتِلَاءِ وَالِاعْتِدَاءِ الَّذِي تَلَقَّاهُ نَبِيُّنَا صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ مِنْ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ. وَكَذَلِكَ السِّمَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ السَّمَاتِ الَّتِي تَمَيَّزَتْ بِهَا هَذِهِ الْمَرْحَلَةُ: السُّخْرِيَةُ وَالِاسْتِهْزَاءُ وَالتَّكْذِيبُ وَالطَّعْنُ وَالْقَدْحُ وَالْغَمْزُ وَاللَّمْزُ فِي عِرْضِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَفِي حَقِّ كُلِّ مَنْ آمَنَ مَعَهُ. وَهَذِهِ سِمَةٌ بَارِزَةٌ وَاضِحَةٌ قَدْ ذَكَرَهَا رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾، وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾. فَكَانَ الْكُفَّارُ فِي مَجَالِسِهِمْ إذَا مَرَّ بِهِمْ أَهْلُ الْإِيمَانِ سُرْعَانَ مَا قَطَعُوا حَدِيثَهُمْ وَتَغَامَزُوا وَتَضَاحَكُوا عَلَى الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، بَلْ عَلَى نَبِيِّنَا صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. فَلَقَدْ نَالَهُ النَّصِيبُ الْأَوْفَرُ مِنْ هَذَا الطَّعْنِ وَالْقَدْحِ، فَتَكَلَّمَ الْكُفَّارُ فِي عِرْضِهِ وَتَكَلَّمُوا فِي ذَاتِهِ وَفِي عَقْلِهِ، قَالُوا عَنْهُ: كَاهِنٌ، قَالُوا عَنْهُ: مَجْنُونٌ، قَالُوا عَنْهُ: كَذَّابٌ. ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾. وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ الطُّغْيَانِ وَالتَّعَدِّي، وَكَانَ الْقَصْدُ مِنْ هَذَا الطَّعْنِ هُوَ التَّشْوِيهُ لِسَمْعَةِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَكَذَلِكَ إضعافُ الْقُوَى الْمَعْنَوِيَّةِ لَدَى الصَّحَابَةِ. فَالرَّجُلُ إذَا وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ أَصْبَحَ مَهْزَلَةً يُتَضَاحَكُ بِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَقَعُ فِي النُّفُوسِ. وَكَذَلِكَ مِنْ الطُّرُقِ الَّتِي اسْتَخْدَمَهَا الْكُفَّارُ فِي مُوَاجَهَةِ الدَّعْوَةِ: الْحِيلُولَةُ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ الِاسْتِمَاعِ لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَكَانُوا يَجْعَلُونَ فَاصِلًا وَحَاجِزًا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَبَيْنَ النَّاسِ حَتَّى لَا يُؤَثِّرَ فِيهِمْ. وَمِنْ ذَلِكَ مِثْلًا: إذَا قَامَ نَبِيُّنَا وَقَامَ دَاعِيًا يَعِظُ أَوْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، سُرْعَانَ مَا قَامَ الْكُفَّارُ وَأَثَارُوا الشَّغَبَ، رَفَعُوا الْأَصْوَاتَ أَوْ صَفَقُوا أَوْ صَفَرُوا أَوْ أَثَارُوا الْكَلَامَ وَالضَّجَّةَ حَتَّى لَا يَشُوِّشَ عَلَى نَبِيِّنَا، فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْهَمَ مَا يَقُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. أَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَطْرُدُونَ النَّاسَ وَيُنَفِّرُونَهُمْ مِنْ هَذَا الْمَجْلِسِ بِالطَّرْدِ غَصْبًا وَلَزَامًا، لَا يَجْعَلُونَ أَحَدًا أَبَدًا يَبْقَى عِنْدَ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَهُمْ بِهَذِهِ الصُّوَرِ يُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ نَبِيِّنَا وَبَيْنَ النَّاسِ، لَا يَجْتَمِعُ بِهِمْ حَتَّى لَا يُؤَثِّرَ عَلَيْهِمْ بِمَا أَنْزَلَهُ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا. وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾. فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْغَلَبَةَ وَالنَّصْرَ بِحَجْزِ النَّاسِ وَإِبْعَادِهِمْ عَنْ اسْتِمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ وَلِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَمِنْ الْوَسَائِلِ الَّتِي اسْتَخْدَمَهَا الْكُفَّارُ فِي مُوَاجَهَةِ الدَّعْوَةِ: إثَارَةُ الشُّبُهَاتِ وَتَكْثِيفُ الدَّعَايَاتِ الْمُضَلِلَةِ. فَكَانُوا يُثِيرُونَ الشُّبَهَاتِ أَوِ الْأَشْيَاءَ الْمُضَلِلَةَ، يَخْدَعُونَ بِهَا الْأَغْمَارَ وَالْأَحْدَاثَ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ بِنَبِيِّنَا، لِيَشَوِّهُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ الَّتِي جَاءَ بِهَا نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَتَارَةً كَانُوا يَقُولُونَ عَنْ الْقُرْآنِ: إنَّهُ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ. وَتَارَةً يَقُولُونَ: إنَّهُ إفْكٌ افْتَرَاهُ. وَيَقُولُونَ كَذَلِكَ: إنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ. وَيَقُولُونَ عَنْ الْقُرْآنِ: إنَّهُ كَلَامُ الشَّيَاطِينِ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا كَاهِنٌ. وَكَذَلِكَ طَعَنُوا فِي ذَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَالُوا عَنْهُ: شَاعِرٌ. وَرَدَّ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا عَلَيْهِمْ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ. وَمِنْ الْوَسَائِلِ الَّتِي اسْتَخْدَمَهَا الْكُفَّارُ: فَتْحُ بَابِ النِّقَاشِ وَالْجَدَلِ. فَكَانُوا يَفْتَحُونَ بَابَ الْمُهَاتَرَاتِ مَعَ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَيَقُولُ الْعُلَمَاءُ: إنَّ أَكْثَرَ الْجَدَلِ وَالنِّقَاشِ الَّذِي دَارَ بَيْنَ نَبِيِّنَا وَبَيْنَ الْكُفَّارِ يَرْجِعُ إلَى ثَلَاثِ مَسَائِلَ: التَّوْحِيدُ وَالرِّسَالَةُ وَالْبَعْثُ. وَكَانَ الْكُفَّارُ يَسْتَبْعِدُونَ مَسْأَلَةَ التَّوْحِيدِ، مَعَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِوُجُودِ اللَّهِ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَصْغُونَ إلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ فِي الْعِبَادَةِ. وَكَذَلِكَ كَانُوا فِي شَكٍّ مِنْ مَسْأَلَةِ الرِّسَالَةِ، كَيْفَ يَكُونُ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا وَهُوَ بَشَرٌ مِثْلُهُمْ؟ وَاسْتَبْعَدُوا أَنْ تَكُونَ الرِّسَالَةُ لِبَشَرٍ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَكَانُوا يُنْكِرُونَهَا وَلَا يُؤْمِنُونَ بِهَا. وَقَدْ تَوَاتَرَتْ الْآيَاتُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي التَّقْرِيرِ وَالتَّأْكِيدِ لِمَسْأَلَةِ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَمِنْ مَسَائِلِ الْمُوَاجَهَةِ الَّتِي اسْتَخْدَمَهَا الْكُفَّارُ: التَّعْذِيبُ وَالتَّنْكِيلُ. وَقَدْ مَرَّ ذَلِكَ مَعَنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَذَكَرْنَا أَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَلْجَأُونَ إلَى التَّعْذِيبِ وَالتَّنْكِيلِ لِمَنْ يُسْلِمُ مِنْ ضُعَفَاءِ النَّاسِ وَمَوَالِيهِمْ. وَكَذَلِكَ اسْتَخْدَمُوا الْحِصَارَ الِاقْتِصَادِيَّ وَالْمُقَاطَعَةَ، وَذَلِكَ بِالْتِكَابِ عَلَى مَنْعِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ مِنْ التِّجَارَةِ وَالْبَيْعِ وَالشِرَاءِ. وَمِنْ أَسَالِيبِهِمْ أَيْضًا: طَلَبَ الْمُعْجِزَاتِ وَالْأَشْيَاءِ الِاسْتِعْجَازِيَّةِ مِنْ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ إلَى آخِرِ الْآيَةِ. وَهَذِهِ الطَّلَبَاتُ لَيْسَتْ لِلِاسْتِرْشَادِ، بَلْ لِلتَّعَنُّتِ. وَلَوْ حَقَّقَهَا لَهُمْ لَمَا آمَنُوا. وَقَدْ جَرَّبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، كَمَا فِي قِصَّةِ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ. فَهَذِهِ أَخِي فِي اللَّهِ عَلَى عَجَالَةٍ أَهَمُّ الْوَسَائِلِ الَّتِي قَامَ بِهَا الْكُفَّارُ فِي مُوَاجَهَةِ الدَّعْوَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي حَالِ الْجَهْرِ. وَهَذِهِ الْأَسَالِيبُ الَّتِي اسْتَخْدَمَهَا أَعْدَاءُ الدِّينِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ لَا تَزَالُ تُسْتَخْدَمُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ فِي صَدِّ النَّاسِ عَنْ دَّعْوَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَالْتَعْذِيبُ وَالسُّخْرِيَةُ وَالتَّنْكِيلُ وَإِقَامَةُ الشُّبُهَاتِ وَإثَارَةُ الْجَدَلِ، هَذَا لَا يَزَالُ مَوْجُودًا مِنْ قِبَلِ أَعْدَاءِ الدِّينِ مِنْ يَهُودٍ وَنَصَارَى وَزَنَادِقَةٍ وَعَلْمَانِيِّينَ وَبَعْثِيِّينَ وَمَنْ لَا دِينَ لَهُ وَلَا خُلُقَ. فَتَجَنَّبُوا هَؤُلَاءِ مِنْ أَعْدَاءِ الدِّينِ عَلَى كَافَّةِ صُوَرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ إذَا أَرَادُوا أَنْ يُحَارِبُوا الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَنْ يُحَارِبُوا أَهْلَ السُّنَّةِ أَوْ أَنْ يُوَاجِهُوا دَّعْوَةَ الْحَقِّ، اتَّخَذُوا مِثْلَ هَذِهِ الْأَسَالِيبِ. فَأَسْأَلُ مَوْلَايَ جَلّ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.