الدرس في كتاب الطلاق من صحيح البخاري 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع خلاف العلماء في احتساب طلاق الحائض، حيث يرى الجمهور والمذاهب الأربعة أنه يحتسب طلقة بينما يرى ابن تيمية وابن القيم عدم احتسابه. يستدل المحاضر بحديث ابن عمر في الصحيحين لترجيح القول بالاحتساب ويوضح أن المراجعة بعد الطلاق البدعي لا تجعل الطلاق اللاحق طلقة جديدة.
يبيّن المقطع بطلان طلاق الحائض ووجوب مراجعتها عند المالكية وابن تيمية، بينما يرى الجمهور عدم إجبار الزوج على الرجعة قضائيًا مع استحبابه. يناقش احتساب الطلقة عند الرجعة ووجوب الإشهاد عليها، ويؤكد حرمة إخراج المطلقة من بيتها خلال العدة استنادًا لآيات السكنى وعدم الإضرار.
يبيّن المقطع أن خروج المرأة من بيت الزوجية لا يجوز إلا بفاحشة مبينة، وإلا وجب بقاؤها في بيتها خلال العدة رجاء للرجعة. تكون الرجعة بالقول أو بالفعل عند الجمهور، ويؤكد وجوب الإشهاد على الطلاق والرجعة توثيقًا للحقوق ومنعًا للتعليق.
يُبين المقطع أن الطلاق الواقع يُحتسب فتصير المرأة مطلقة ويحتاج الزوج إلى مراجعتها. ثم يمسكها حتى تمر بحيضتين وطهرين، وبعد ذلك يخير بين الطلاق أو الإمساك.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب: إذا طلقت الحائض هل يعتد بذلك الطلاق؟». قال: حدثنا سليمان بن حرب، وهو العززي الواسطي، أبو أيوب البصري، قاضي مكة، كان إمامًا حافظًا، مع أنه قاضٍ إلا أنه كان حافظًا كبيرًا، وكان لا يحدث إلا عن ثقة، وكان لا يدلس، وهو أوثق الناس، أو من أوثق الناس في حماد بن سلمة، وفي البصريين جميعًا. قال: حدثنا شعبة، أبو بسطام، أمير المؤمنين في الحديث، عن أنس بن سيرين، وهو أخو محمد بن سيرين، قال: سمعت ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول: طلق ابن عمر امرأته وهي حائض، فذكر عمر للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «ليراجعها». قلت: تحتسب؟ قال: فمه. أنا يقول أنس بن سيرين لابن عمر: قلت: تحتسب؟ قال: فمه. وقالوا: عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن ابن عمر قال: «مره فليراجعها». قلت: تحتسب؟ قال: «رأيت إن عجز واستحمق». وقال أبو معمر: حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا أيوب -أي السختياني- عن نافع، عن ابن عمر قال: «حُسبت عليّ بتطليقة، حُسبت عليّ بتطليقة». وهذا من أصرح الأحاديث التي جاءت عن ابن عمر أنه حُسبت عليه هذه الطلقة طلقة واحدة. هذا الحديث في الصحيحين. قال: حدثنا سليمان... فهذا الحديث بوب عليه الإمام البخاري هنا: «إذا طلقت الحائض هل يعتد بذلك الطلاق؟»؛ لأن هذه المسألة حصل فيها خلاف بين أهل العلم. فأكثر أهل المذاهب، بل المذاهب الأربعة، يقولون: إنها تحسب عليه طلقة. وذهب جماعة من المالكية، وكذلك هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، فقالوا: إنها لا تحسب، لا تحسب من الطلقات. وهذه المسألة توسع فيها الإمام ابن القيم، لكن الصحيح الذي دلت عليه النصوص أنها تحسب طلقة. حتى مع الاختلاف هذا صار بين المعاصرين، مثلاً: الشيخ ابن باز يفتي بأنها تحسب، والشيخ ابن عثيمين يفتي بأنها لا تحسب، لكن الصحيح أنها تحسب. وهذا دليل على ذلك: قال: «حُسبت عليّ طلقة، حُسبت عليّ بتطليقة». فلذلك الصحيح: أنه إذا طلق الرجل والمرأة حائض، فإنه تحسب عليه أنها طلقة. طيب، إذا راجعها ثم بدا أن يطلقها، هل تحسب طلقة ثانية؟ لا، هي نفسها؛ لأن بعضهم استشكل كما ذكر شيخ الإسلام هذا الإشكال: كيف أمره برجوعها ثم أنه إن شاء طلقها وإن شاء أمسكها؟ فلذلك قال: فتعتبر أنها طلقة ثانية. لكن كثير من أهل العلم جعلوها تابعة للطلقة الأولى، أن إذا طلقها فهي تابعة للطلقة الأولى، وإنما راجعها لأنه طلق طلاقًا بدعيًا؛ طلق في حيض، أو يطلقها في طهر قد مسها فيه. والطلاق البدعي كما ذكرنا في الدرس الذي مضى: أن يطلقها وهي حائض، أو يطلقها في طهر قد مسها فيه. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تحيض ثم تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، وإن شاء بعد ذلك أمسكها، وإن شاء طلق». فلذلك، فلما كان هذا الطلاق طلاقًا بدعيًا، طلاق لا يجوز، فلا يجوز للمرأة -أي للرجل- أن يطلق المرأة وهي حائض، لا يجوز له أن يطلقها، ومعنى أنه آثم إذا طلقها وهي حائض، والواجب عليه أن يرجعها. وهذا مذهب مالك وجماعة من العلماء، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا: على أنه واجب أن يرجعها، ويجبر على رجعها. ومذهب الجمهور: الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، وغيرهم، قالوا: أنه لا يجبر، لا يجبر على رجوعها. لكن بعضهم يقول بوجوب الرجوع، وبعضهم يقول بالاستحباب، أنه أمر ندب ليس أمر وجوب وإلزام. وهذا الذي مشى عليه أكثر القضاء، والذي عليه فتوى العلماء: أنه لا يجبر برجوعها، بمعنى: لا يجبره القاضي. وأما في مذهب مالك فيقول: أنه لابد أن يجبر، بمعنى: لابد أن يرجعها ويمسكها عنده. واختلف في هذا الإمساك: هل يمسكها إذا طهرت ولم يجامعها فيطلقها في ذلك الطهر؟ وهذا قول الشافعي. أو أنه يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، كما هو ظاهر حديث عبد الله بن عمر؟ وهذا لأجل أن الشارع أعطاه فرصة: فإن أراد هذه المرأة، بمعنى: إن جامعها في ذلك الطهر فقد رجعت إليه، خلاص انتهت التطليقة، ستكون تطليقة عليه واحدة، ويكون رجوعها إليه. وهذا أيضًا من باب ما أشكل على كثير من أهل العلم: كيف إذا جامعها راجعها وتحسب عليه طلقة؟ فأيضًا كذلك الجمهور استدلوا بهذا: النبي عليه الصلاة والسلام سماه رجوعًا، ولو لم يكن طلاقًا لما سماه رجوعًا. بمعنى: إذا كان لم يحسب ذلك الطلاق، ما سيقول: إنه رجع؛ لأنها ستكون زوجته، فلا يحتاج إلى أن يرجعها. فالصحيح أنه تحسب عليه، وهذا الرجوع يكون واجبًا: يرجعها واجبًا، يضعها في البيت، لا يمسها، تكون عنده في البيت، ولا يكلمها بالرجوع، بل يقول: أرجعها، ويشهد على ذلك، يشهد على الطلاق ويشهد على الرجعة. واختلف العلماء في الإشهاد: هل هو واجب أم ليس بواجب؟ فمنهم من قال: واجب في الطلاق والرجعة. ومنهم من قال: واجب في الطلاق دون الرجعة. ومنهم من قال: واجب في الرجعة دون الطلاق. والأفضل أنه يشهد، يشهد على طلاقه وعلى رجعته، يشهد على طلاقه على أنه طلق، وأيضًا على رجعته أنه راجع. فإذا جاء بها... إذا أخرجها من بيته، مع أنه لا يجوز أن يخرجها من بيته بتطليقة واحدة أو اثنتين. الله عز وجل يقول: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. يعني: إذا جاءت بفاحشة ممكن أنك تخرجها، يعني: إذا زنت، أو أدخلت رجالًا، أو حتى لو مقدمات الزنا، يعني إدخالها لرجل في بيت زوجها، هذا يستدعي أنه يطلقها ويخرجها من البيت. أن أجاز الله عز وجل أنها تخرج من البيت إذا كانت عندها فاحشة مبينة. وأما إذا لم تأتِ بفاحشة، حصل خصام بين الرجل وزوجته، فهنا لا يجوز له أن يخرجها من بيتها؛ لأنها لا تزال في عقده، حتى لو طلقها فهي لا تزال في عقده، إلا إذا انتهت عدتها. إذا انتهت العدة، فلا لا مأوى لها ولا سكن؛ لأن العقد انتهى. وأيضًا كذلك لا يجوز لها أن تخرج أيضًا من البيت. ومن العلماء من قال: إنهم باب الاستحباب، لكن ظاهر الآية أنه واجب أنها لا تخرج من البيت، تبقى في بيتها، وهو أدعى للرجوع، أدعى له لأن يرجع؛ لأنه إذا رآها في بيته... حتى قال بعض السلف: من الأفضل لها أن تتزين له، أن إذا طلقها الإنسانحيانًا يغضب، وفي وقت الخصام يطلق، لكن يتندم بعد ذلك، فإذا رآها وقد تزينت له وكذا، فممكن أنه يطأها، فإذا وطئها معنى أنه قد راجعها. وهذا هو الصحيح، وهو قول الجمهور: على أن الرجوع يكون باللفظ وبالفعل. أن بعض العلماء يرى، كالشافعي رحمه الله، يرى أن الرجوع باللفظ لا بد باللفظ، يقول لها: راجعتك. وعند أحمد ومالك وغيرهم: أنه يجوز أن يكون الرجوع بالفعل، يعني: إذا وطئها، إذا جاءها، معنى أنه راجعها. لكن كما قلنا: يشهد، يشهد على الطلاق ويشهد على الرجعة. بعض الناس الآن تجد أنه مثلاً يتثاقل أن يذهب إلى المأذون، المأذون يحتاج إلى أموال، يعني: عشرة آلاف ورقة طلاق، عشرة آلاف ورقة رجعة، فلا يفعل. ممكن أنه يفعل ذلك بينه وبين الشهود، يأتي بورقة أنه طلق زوجته فلانة، فيشهد على ذلك، ثم أنه راجعها، أو يجعل ورقة واحدة في الطلاق والرجعة، ويشهد عليها، حتى يشهد عليه، بمعنى: يشهد عليه الناس أنه قد طلق واحدة وراجع. فلذلك يشهد على هذا. فمعنى هنا في هذا الحديث: قال: «قلت: تحتسب؟ قال: فمه». هذه كلمة استنكار على تصديق الكلام، فماذا؟ فماذا فعل؟ إنما احتسب. وها هنا قال: «رأيت إن عجز واستحمق». فقال العلماء: إن عجز واستحمق، فهل يكون إلا ذلك؟ أنا أيضًا نفس عبارة «فمه»، معنى: إن عجز في المراجعة التي أمر بها عن إيقاع الطلاق، واستحمق هنا من ناحية العقل، استحمق: عقل ذلك، لأنه راجع، معنى: كأنه يقول: إذا عجز واستحمق، إذا لم يراجعها، هل تكون معلقة؟ لا، هي مطلقة، ولا هي رجعة، لا تكون مرجوعة، تكون هذه أو تكون هذه طلقة. والله عز وجل قد نهى الناس، نهى أهل الإيمان، أن يكون أن يجعلوا المرأة معلقة: ﴿وَلَا تَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾، لا هي ذات زوج، ولا هي مطلقة. فلذلك حُسبت تطليقة، فتكون هذه المرأة مطلقة، فلذلك تحتاج إلى الرجعة، فيرجعها، ثم يمسكها حتى تحيض ثم تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، فإن شاء بعد ذلك طلقها، وإن شاء أمسكها. فهذا خلاصة ما ينكر بهذا الحديث، والله تعالى أعلم.