الدرس في كتاب اللباس 1، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستهل الشيخ كتاب اللباس من عمدة الأحكام ببيان فضيلة الستر ووجوب حفظ العورة مستدلاً بالآيات والأحاديث، مبيناً حدود عورة الرجل والمرأة وحكم كشف الفخذ. ثم ينتقل إلى حديث النهي عن لبس الحرير للرجال مع جوازه للنساء واختلاف العلماء في تفصيله.
يقرر المقطع تحريم الحرير على الذكور وإباحته للإناث مستدلاً بالأحاديث الصحيحة، ويرد على المخالفين بحمل المطلق على المقيد. كما يبين أن المنهيات الدنيوية كالحمر والحرير تكون مباحة في الجنة، ويختتم بوصف النبي صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء وبيان طول شعره إلى شحمة الأذن.
يشرح المقطع وصف الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان عريض المنكبين معتدل الطول وشعره يصل إلى منكبيه، ويناقش حكم إطالة الشعر وهل هو سنة أم عادة عربية. ثم ينتقل لشرح حديث البراء بن عازب عن السبع المأمورات مبيناً أحكام عيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس وإبرار القسم ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإفشاء السلام.
يشرح المقطع تحريم لبس الذهب للرجال وإباحته للنساء مع ذكر قصة خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من الذهب ثم نزعه واتخاذ خاتم فضة. كما يبين تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة على الرجال والنساء، وينهي عن لبس الحرير والاستبرق والديباج للرجال مع استثناء يسير.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، فتهينا في الدرس الماضي من كتاب الأشربة، وهو من الكتب الهامة التي اجتمل عليها كتاب عمدة الأحكام للإمام الحافظ أبي محمد عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وذكر رحمه الله تعالى عقب كتاب الأشربة كتابًا آخر، ألا وهو كتاب اللباس. قال رحمه الله تعالى: "كتاب الألبسة" أو "كتاب اللباس". وكتاب اللباس تضمن مجموعة من الأحاديث التي تتعلق بأحكام الألبسة واللباس والزينة. والزينة يعتبر من نعم الله عز وجل التي امتن بها على خلقه وعبيده. فربنا عز وجل يقول: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾، ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهُمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال الإمام الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير رحمه الله تعالى عند تفسيره لهذه الآية: "يمتن الله على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش: ﴿قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾، قال: بما جعل لهم من اللباس والريش. قال: فاللباس ستر أو ستر العورات وهي السوآت، والريش ما يتجمل به ظاهرا. قال: فالأول وهو اللباس من الضروريات، قال: والريش من التكملات والزيادات". إذن: ﴿قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾. واللباس يحصل به منافع عديدة، من أهمها ستر العورة. وستر العورة يا إخوان يعتبر من الآداب الجليلة التي أمر بها الإسلام، فنهى الرجال والنساء أن ينظر بعضهم إلى عورات البعض الآخر، ولا يخفى ما يترتب على هذا النظر من المفاسد العظيمة. وشريعتنا جاءت بسد كل باب يفضي إلى الشر. والعورة هي ما يسوء الإنسان إخراجه والنظر إليه، فهي مأخوذة من العور وهو العيب، وكل شيء يسوء الإنسان أن ينظر إليه فالنظر إليه يعتبر من العيب، كما نبه على هذا غير واحد من أهل العلم. ومن ذلك ما ذكره العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى كما في شرحه الممتع على زاد المستقنع. والنبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد». إذن ديننا يا إخوان هو دين الحياة، دين الستر وعدم التكشف. والمصور بن مخرمة رضي الله تعالى عنه قال: أقبلت بحجر أحمله ثقيل، وعلي إزار خفيف. قال المصور: فانحل إزاري، ومعي الحجر، ولم أستطع أن أضعه حتى بلغت به موضعه. يحمل حجرًا ثقيلًا والإزار خفيف، وأثناء المشي والحمل انحل الإزار. ماذا يفعل؟ ما استطاع أن يضع الحجر حتى وصل إلى المكان الذي يريد. وهناك... آه، ماذا بعد ذلك؟ أخذ... آه، ماذا رآه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال له: «ارجع إلى ثوبك، ارجع إلى ثوبك فخذه، ولا تمشوا عُراة». فهذا فيه النهي عن التعري وكشف المساوئ. جاء في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وجده هو معاوية بن حيدة رضي الله تعالى عنه، قال: قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك». الزوجة يجوز أن ترى من الزوج أي شيء، وهكذا للزوج كذلك أن يرى منها أي شيء، وهكذا ملك اليمين المملوكة التي يطأها بملك اليمين. قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك». قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: «إن استطعت ألا يرينها أحد فلا يرينها». قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: «الله أحق أن يستحيا منه». الحديث فيه التنبيه على ستر العورات. وعورة الرجل من السرة إلى الركبة، والمرأة عورتها ما عدا وجهها وكفيها، ما عدا الوجه والكفين، فإن هذه يجوز لها أن تكشفها إذا لم يكن هناك أجانب. وأما مع زوجها فكما سبق يجوز أن ينظر لما شاء أن ينظر إليه منها. وأما مع محارمها فلهم أن ينظروا إلى ما يظهر غالبا كالوجه والكفين، وهكذا أيضًا بعض النواحي، مثلا كالقدمين، وبعضهم يذكر الشعر والرقبة إذا أمنت الفتنة، إلى غير ذلك مما يجوز كشفه عند المحارم. الفخذ، وهو الذي يقع بين الركبة وبين الورك، قالوا: له فخذان، وفي كل إنسان فخذان. فالفخذ على الصحيح من كلام أهل العلم يعتبر عورة، وعلى هذا الجمهور من الفقهاء ذهبوا إلى أن الفخذ عورة، واستدلوا بأحاديث كثيرة، بعضها في إسنادها مقال، وبعضها يحسن. ومن ذلكم حديث جرهد الأسلمي رضي الله تعالى عنه: النبي صلى الله عليه وسلم رأى هذا الصحابي وعليه برده وقد انكشف فخذه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: «غطِّ فخذك، فإن الفخذ عورة». غطِّ فخذك، فإن الفخذ عورة. وهذا الحديث تضمن الأمر بستر الفخذ وأنه يعتبر عورة. وهذا الذي عليه أكثر العلماء وهم الجمهور، أنه لا يجوز كشفه. ولاحظوا كيف أن ديننا يأمرنا بالتستر والحياة والتعفف، بينما شياطين الإنس والجن يبذلون قصارى جهدهم ومحاولاتهم في أن يجعل الإنسان يتكشف ويزيل مظهر الحياء الذي يرتديه. ولهذا تجد أن الناس في بلاد الكفر سرعان ما يسيطر عليهم الشيطان، فيخرج النساء كاسيات عاريات وهكذا متبرجات. وهذا الذي يريد القوم أن يحققوه في بلاد المسلمين. وإلا فقبل عقود من الزمان كانت تلك البلدان يلبس كثير من نسائها الجلباب، ولربما الخمار والعباءات وغيرها، لكن انظروا إلى ما آل إليه الأمر في هذه العقود المتأخرة: سيطر عليهم الشيطان. وهكذا أيضًا بالنسبة لما يتعلق برجال، فكم قلَّ مظهر الحياء لدى الكثير منهم، فتجده لربما يكشف عن فخذه، أو لربما يقضي حاجته والناس ينظرون إلى سوأته، إلى عورته. والواجب يا إخوان هو التستر، الواجب هو التستر. قال رحمه الله تعالى: "كتاب اللباس". وبدأ رحمه الله تعالى كتاب اللباس بحديث عمر رضي الله تعالى عنه. قال: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تلبسوا الحرير، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة». لا تلبسوا الحرير. والحرير عبارة عن لباس ناعم أملس، ويستخرج من تلك النبتة المعروفة، أو من دودة القز، يستخرج الحرير من دودة القز. هذا الحرير الطبيعي، ويحصل به من التنعم ما يحصل. ولهذا نهي الرجال عن لبس الحرير، بينما النساء يجوز لهن لبسه، يجوز لهن لبس الحرير. واختلف العلماء في حكم لبس الحرير وعلى من يحرم لبسه. والصواب الصحيح أن الحرير حرام على الذكور، وحلال للإناث. حرام على الذكور لبسه سواء في الجسد أو الجلوس عليه أو غير ذلك من الاستخدامات التي يستخدمونها. أما النساء فقد جاءت الأحاديث بإباحته لهن، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «هذان حرامان على ذكور أمتي، حل لإناثهما»، يعني بذلك الذهب والحرير. خالف في هذا عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما، فذهب إلى تحريمه حتى على النساء، واستدل بالعمومات، ومنها حديث عمر السابق في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تلبسوا الحرير، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة». وصحيح أن هذا الحديث وما كان في معناه يخصص على الحديث الأخرى التي فيها تحريم الحرير على الرجال وإباحته للنساء، فيحمل المطلق على المقيد. وذكر بعض أهل العلم أنه انعقد الإجماع بعد ذلك على التحريم للذكور وإباحته للنساء. قال رحمه الله تعالى: قال عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما». وهذا كما سبق عام مطلق يشمل الرجال أو الذكور والإناث، لكن يقيده الأحاديث الأخرى التي فيها إباحته للإناث. قال: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما». والصحاف جمع صحفة، وهي الوعاء الذي يوضع فيه الطعام لكي يؤكل، وغالبًا الصحفة تشبع الأربعة أو الخمسة ونحو ذلك. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة». فإنها لهم... الضمير يعود إلى من؟ فإنها لهم يا أبا الحسن... الضمير يعود إلى من؟ إلى الكفار. نعم، الكفار لهم في الدنيا. وليس هذا يا إخوان فيه إقرار لاستعمالهم لها، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم يذكر واقعهم وحالهم أنهم يفعلون ذلك، أنهم يأكلون في صحاف الذهب والفضة ويشربون في آنية الذهب والفضة، فلا يغر كذلك يا أيها المسلم، فالدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج». والديباج هو ما غلظ من الحرير، حرير لكنه يكون غليظًا. قال: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة». وهذا فيه دليل على ما سبق من عدم جواز لبس الحرير بأنواعه، سواء كان غليظًا كالدبياج، أو كان خفيفًا كالسندس ونحوه. وربنا عز وجل أخبر عن أهل الجنة بهذا النعيم أنهم يلبسون ثيابًا خضرًا من سندس واستبرق، والسندس والاستبرق هما نوعان من الحرير، أحدهما غليظ والآخر خفيف. وكما سبق، المطلق في هذا الحديث يقيد بما جاء في الأحاديث الأخرى التي فيها تحريمه على الرجال وحله للإناث. وفي هذا الحديث أن هذه المنهيات التي ينهى عنها المسلم فإنها تكون حلالا له في الجنة. ومن ذلك الخمر، حرام في الدنيا لكنه من النعيم في الآخرة، فجنة... أنهار من... من خمر. وهكذا أيضًا ربنا عز وجل يذكر الخمر في الجنة، وأنه من الشراب الذي يتنعم به ويتلذذ به أهل الجنة. وهكذا الحرير، حرام على الذكور في الدنيا، لكنه من النعيم الذي وعد الله به في الجنة. ومن استعجل الشيء قبل أوانه... من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. ولهذا في حديث عمر السابق قال: «فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة». لم يلبسه في الآخرة. وهذا حمله بعضهم على من لبسه في الدنيا ومات ولم يتب إلى الله من ذلك، وإلا فالتوبة تجب ما قبلها. وهكذا الخمر، من شربها في الدنيا لم يشربها في الآخرة، يحمل على ما سبق. والحديث استدل به بعض أهل العلم على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع هذه الشريعة. كيف ذلك؟ قالوا: النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «فإنها لهم في الدنيا»، أي هذه الملذات: لبسوا الحرير لذكورهم، الشرب في آنية الذهب والفضة، الأكل في صحاف وأوعية الذهب والفضة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لهم في الدنيا ولكم في الآخرة». فقالوا: إذن يدل على أنه يجوز لهم فعل هذه المحرمات على المسلمين. وهذا ليس بصحيح، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يصرح بإباحتها لهم، وإنما أخبر عن عاداتهم وعن واقعهم التي هي مخالفة لشريعة المسلمين. قال رحمه الله تعالى: قال عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. له شعر يضرب... له شعر يضرب إلى منكبيه. بعيد ما بين المنكبين، ليس بالقصير ولا بالطويل. وحديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما يخبر عن بعض شمائل وأوصاف النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ما يتعلق باللباس، وأنه كان عليه الصلاة والسلام يلبس، ومما كان يلبسه ما كان لونه أحمر. وهذا مما استدل به من استدل من أهل العلم على جواز لبس الثوب الأحمر، وأن ما ورد من النهي في ذلك لا يقوى على معارضة ما جاء في لبسه عليه الصلاة والسلام. وبعض العلماء يقول: أحمر، أي ليس أحمر خالصًا، وإنما يخالطه لون آخر. فنحن نقول لمثل هذه العمامة: نقول عمامة حمراء، وهي يخالطها ألوان أخرى كالأبيض ونحوه. فعلى كل، من لبس أحمر لا ينكر عليه، وإن كان الأولى والأفضل أن يكون مع هذا اللون الأحمر لون آخر يخالطه كأبيض أو غيره. قال البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما: «ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم». وقوله: «من ذي لمة»، واللمة هي شعر الرأس إذا بلغ إلى الأذنين، يقال له لمة. فإن طال إلى المنكبين قيل له جمة. إذن اللمة ما يكون أسفل من الأذنين، والجمة ما يكون... يبلغ إلى المنكبين. والمنكب هو ما بين الكتف والعنق، يقال له منكب. هذا منكب، وهذا منكب، ما بين الكتف إلى العنق يسمى منكب. وهنا البراء بن عازب يقول: ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمراد من هذا أن شعره عليه الصلاة والسلام كان يطول حتى يبلغ إلى الأذنين، ولربما تركه فبلغ أكثر من ذلك. وهذا فيه بيان حسن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخلقه جميل وعظيم. والصحابة رضوان الله عليهم إذا وصفوا النبي صلى الله عليه وسلم يقول أحدهم: ما رأيت... أحسن منه. وهكذا البراء بن عازب ها هنا يقول: أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجمع الله له بين حسن الخلق، يعني المظهر، وحسن الخلق وهي الشمائل والأوصاف الخلقية كالتواضع والكرم والشجاعة والرحمة والعلم والعبادة إلى غيرها من الشمائل الخلقية، فجمع الله له بينهما. قال: «له شعر يضرب إلى منكبيه، يضرب إلى منكبيه»، أي يصل إلى المنكبين ويلامس المنكبين. «بعيد ما بين المنكبين»، ومعنى ذلك أنه عريض المنكبين، وهذا يدل على قوة جسمه عليه الصلاة والسلام، أنه عريض وليس نحيفًا، وإنما عريض ما بين المنكبين، وهذا كما سبق يدل على القوة لدى صاحبه. وكان عليه الصلاة والسلام قويًا. «ليس بالقصير ولا بالطويل»، وقوله: «ولا بالطويل» أي ليس بالطويل المفرط، وإنما كان طوله معتدلًا عليه الصلاة والسلام، كان ربعة، ومعنى ربعة: ليس بقصير وليس بمفرط في الطول، وإنما كان طويلًا طولًا معتدلًا. هكذا وصفه الصحابة ك البراء بن عازب، وهكذا وصفه أنس بن مالك، وهكذا غيرهما ممن تعرض لصفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والحديث فيه دليل على جواز ترك الشعر إلى أن يبلغ إلى المنكبين أو أقل من ذلك. وأما الزيادة على المنكبين فلا يجوز، ولا سيما إذا كان من باب التشبه بالكفار أو التشبه بالنساء أو غير ذلك، فهذا لا يجوز. وأما إذا كان على نحو ما كانت العرب تفعله أو يفعله بعضهم من ترك الشعر، فلا بأس بذلك. وبعض العلماء بيّن أن هذا الفعل لا يصح أن يطلق عليه بأنه سنة، وإنما هي من العادات التي اعتاد عليها العرب في ذلك الزمان. فإذا كان هذا الفعل في زماننا هذا وفي مجتمعاتنا هذه مما يخل بالمروءة أو يكون فيه تشبه ببعض المنحرفين من الفرق الضالة كالخوارج وغيرهم، فعندها الأفضل هو البعد عن ذلك. والعلامة أحمد بن محمد بن شاكر رحمه الله تعالى في تعليقه على إحكام الأحكام، شرح عمدة الأحكام... إحكام الأحكام لمن يا أبا هذيفة؟ إحكام الأحكام لمن؟ من مؤلفه ابن دقيق العيد. وابن... ابن ملق، ما اسم شرحه يا أبا صالح؟ ما اسم شرحه؟ ابن ملق... ما اسم شرحه؟ نسيت. أحسنت. طيب، نعم يا بالفضل: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام. وهذه من الشروحات النافعة العظيمة. العلامة أحمد شاكر له تعليق على إحكام الأحكام، ومما ذكره هناك... مما ذكره هناك في كلامه على قول من يقول باستحباب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في ترك الشعر إلى الحد المذكور، قال العلامة أحمد شاكر: «قال في هذا الاستحباب نظر، فإنما أمرنا بالتأسي به فيما كان من شأن الرسالة، أما ما هو من العادة البشرية العربية، قال: فاستحبابه دين يحتاج إلى نص من الشارع. قال: وتحري ابن عمر لبعض ذلك لم يوافقه عليه أبو بكر وعمر. ابن عمر معروف بشدة تحريه لأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أنه من شدة تحريه إذا كان في سفر ومر بموضع نزل فيه النبي صلى الله عليه وسلم ينزل، إلى غير ذلك من المتابعة. قال: لم يوافقه عليه أبو بكر وعمر، ولا غيرهما من كبار الصحابة الذين أمرنا باتباعهم. قال: ولعل أكثر البدع إنما دخلت من هذا الباب، والله أعلم». هكذا يقول رحمه الله تعالى. فماذا، هذا من الأمور التي يحسن التنبيه بها، مع أنه لا ينكر يا إخوان على من تشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأشياء التي هي من العادات، لكن هل يطلق عليها أنها سنة أم لا؟ هذا هو محل الخلاف. قال رحمه الله تعالى: قال عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: أمرنا... أو أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع. البراء بن عازب يلقب بماذا؟ ما لقبه البراء بن عازب؟ نعم، ما لقبه البراء بن عازب؟ ولهذا كان... كان عمر رضي الله تعالى عنه أو... طيب، معذرة، سبق لسان مني. البراء بن عازب هو أحد الصحابة، أو أحد صغار الصحابة الذين رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث، وهكذا انتفع الناس بعلمهم، هو وأبوه صحابيان. قال: عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع. أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم أو المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام. وهذه من حقوق المسلم على أخيه المسلم. سبع: عيادة المريض أي زيارته، واتباع الجنازة أي السير معها، وهكذا استطاع حملها حتى يفرغ منها، فهذا من حق المسلم على أخيه المسلم، وهما يعتبران من فروض الكفايات. عيادة المريض ذهب بعض العلماء إلى وجوبها وجوبًا كفائيًا، وهكذا بالنسبة لاتباع الجنازة كما سبق معنا في أحكام الجنائز. قال: وتشميت العاطس. ما معنى تشميت العاطس؟ ما معنى تشميت العاطس؟ نعم، ما معنى تشميت العاطس يا أبا حنيفة؟ ما معنى تشميت العاطس؟ عاطس... نعم، أين أبو سعيد في الشهد؟ نعم، أبو خان، ما شاء الله تغيرت علينا. طيب، أحسنت. أين أصحابك؟ عندك تشميت العاطس... تشميت العاطس... نعم، أنا أبحث عنه عندك. العاطس... تشميت... من هو العاطس؟ نعم، أحسنت. طيب، وتشميت... ما تشميت؟ الدعاء له بماذا؟ بالرحمة. أحسنت. إذا قال الحمد لله فيقال له: يرحمك الله. فقولنا له: يرحمك الله، هذا تشميت. طيب، إذا لم يقل الحمد لله؟ يا هذي، إذا لم يقل الحمد لله... أحسنت، لا يشمت. إذا لم يقل الحمد لله فإنه لا يشمت. تشميت العاطس: وعطس رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فحمد... حمد الله أحدهما ولم يحمده الآخر، فشمت عليه الصلاة والسلام الذي حمد الله، فقال الآخر: عطس فلان فشمته، وعطست فلم تشمتني. قال: «عطس فلان فحمد الله، وعطست فلم تحمد الله». ولهذا كان اليهود يتعاطسون عند النبي صلى الله عليه وسلم رجاء أن يشمت، فيقول لهم... يعني يريدون أن يقول لهم: يرحمكم الله، فكان يقول: «يهديكم الله ويصلح بالكم». هكذا كان عليه الصلاة والسلام. وإبرار المقسم: إذا أقسم عليك شخص فالأولى أن تجيب قسمه، تبر بيمينه. مر عليك وأنت تأكل، قلت: تفضل، قال لك: شكرا، قلت: وأسألك بالله أن تأتي، والله لا تأتي. هنا ماذا؟ قسم. ولا ينبغي يا إخوان التوسع في باب القسم، واحفظوا أيمانكم. لكن إذا حصل، فالأولى للمسلم أن يجيب أخاه المسلم، وليس على سبيل الوجوب، وإنما على سبيل الاستحباب. ما الدليل على أنه على سبيل الاستحباب؟ مر معنا قريبًا، لماذا لا نقول أنه على سبيل الوجوب؟ ذكرنا قصة... من يذكر؟ قال: لا تقسم... قال: لا تقسم... نعم، نعم، أبو بكر الصديق في تأويله لرؤيا ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم وتعبيره لها، قال: أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا. فأبو بكر يعني أقسم على النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين له ما أخطأ فيه، قال: «لا تقسم، لا تقسم». فهذا يدل على أنه للاستحباب وليس للوجوب. قال: ونصر المظلوم: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا». قال: وإجابة الدعوة، أي دعوة يا أبا إسحاق؟ عرس، يعني دعوة طعام. فإن كان وليمة عرس فواجب إجابتها، واجب إجابتها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. وأما إذا كانت دعوة ليست دعوة وليمة عرس فيستحب إجابتها. قال: وإفشاء السلام، أي نشر السلام بين المسلمين. قال: ونهانا عن خواتم... ونهانا عن خواتم، جمع خاتم، قال: أو عن تختم بالذهب، وعن الشرب بالفضة، وعن المياثر، وعن القسي، وعن لبس الحرير والاستبرق والديباج. الشاهد من إيراد هذا الحديث هو النصف الأخير: «ونهانا عن خواتم، أو عن تختم الذهب». وتختم الذهب يسمى لبس... يلبس خاتم ذهب، وهذا حرام لا يجوز للذكور، ويجوز للنساء، الإناث يجوز لهن. ولبس النبي صلى الله عليه وسلم في أول أمره خاتمًا من ذهب، فلبس أن الصحابة خواتم الذهب، ثم ألقاه النبي صلى الله عليه وسلم، فألقى الصحابة خواتمهم وتركوا لبسه. وهذا استدل به من يقول أن لبس الذهب للرجال الذكور كان مباحًا ثم نسخ فحرم. فلا يجوز لبس الذهب سواء كان خاتمًا، أو كان نظارة، بعض الأثرياء يجعل هذا الفريم عبارة عن ذهب أو مرشوشًا ببيئة ذهب، أو ساعة ذهب، أو رش ببيئة ذهب، جنبية... جنبية، نعم، مثل حق محمد. هذا بعض الأثرياء يطليها ببيئة ذهب أو يجعل فيها مواضع ذهب زينة، ما يجوز للذكور، لا يجوز ذلك. قال: وعن الشرب بالفضة. مر معنا أنه نهى عن الشرب في أواني الذهب والفضة. وهذا يا إخوان، هل هو خاص بالذكور أو عام؟ أنهي في الذكور والإناث يا أبا طاهر؟ الشرب... الشرب في أواني الفضة، هل النهي خاص بالذكور أو عام في الذكور والإناث؟ عام، حتى الإناث لا يجوز لهن أن يشربن في أواني الذهب والفضة، أو يأكلن في صحاف الذهب والفضة، لا يجوز ذلك. قال: وعن المياثر، وعن القسي. المياثر عبارة عن... يعني مثل القطيفة، السجاد، استخدمه الأعاجم، كانت المرأة تضعه لزوجها، تضعه لزوجها يجلس عليه، أو يوضع على الفرس يجلس عليه الزوج أو الرجل، وهذا يكون من الحرير، فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه. وقوله: وعن القسي، القسي كذلك أيضًا ثياب تخلط بالحرير، يخالطها الحرير، والقسي نسبة إلى قرية في بلاد مصر يقال لها... يقال لها قس. وأما الاستبرق فكما سبق أنه غليظ الديباج، الاستبرق غليظ الديباج، والسندس هو الرقيق من الحرير، الرقيق من الحرير. وهذا الحديث يدل على ما سبق من عدم جواز لبس الذكور للذهب والحرير، وهكذا النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة، وهذا الأخير عام يشمل الرجال، وهكذا يشمل الإناث. قال رحمه الله تعالى: قال عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم... أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنع خاتمًا من ذهب، فكان يجعل فصه في باطن كفه إذا لبسه، يجعل الفص من جهة باطن الكف. قال: فصنع الناس كذلك. ثم إنه جلس على المنبر فنزعه، فقال: «إني كنت ألبس هذا الخاتم وأجعل فصه من داخل، وأجعل فصه من داخل». قال: فرمى به، ثم قال: «والله لا ألبسه أبدًا». لماذا؟ لأنه من ذهب. وإلا فإنه اتخذ بعد ذلك خاتمًا من فضة، فلبس خاتم الفضة جائز. قال: فنبذ الناس خواتيمهم. قال: وفي لفظ آخر: جعله في يده اليمنى، جعله في يده اليمنى. ولبس الخاتم يا إخوان يجوز في اليمنى ويجوز في اليسرى، وإن كان في اليمنى هو الأولى لأنها للزينة وغير ذلك. وفي أي الأصابع يكون الخاتم؟ في أي الأصابع يكون الخاتم؟ أين يا محمد؟ لا، الأول... أحسنت، نعم، في الخنصر، الصغير، هذا هو الأولى يكون فيه الخاتم. ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس الخاتم في الوسطى والتي تليها، أي السبابة. ويجوز أن يلبس في... البنصر، لكن كونه في الخنصر هو الأفضل. أخيرًا ختم كتاب الألبسة. قال: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبوس الحرير، أي عن لبس الحرير، قال: «إلا هكذا»، ورفع لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبعيه السبابة والوسطى. قال: «إلا موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع». يأتينا شيء من التعليق حول بعض آداب اللباس في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل. نكتفي بهذا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. شكرا.