كتاب الطلاق من صحيح البخاري 3

كتاب الطلاق من صحيح البخاري 3

الدرس في كتاب الطلاق من صحيح البخاري 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم من بنت الجون وطلاقها

يروي البخاري زواج النبي صلى الله عليه وسلم من أميمة بنت النعمان الملقبة ببنت الجون، وكيف استعاذت بالله منه عند الدخول عليها. فاستجاب النبي لطلبها وأمر أبا أسيد الساعدي بتجهيزها وكسوتها ثوبين رازقيين وإعادتها إلى أهلها مكرمة.

أحكام صيغ الطلاق وشروط وقوعه ومواجهة الزوجة به

يبين المقطع جواز مواجهة الرجل امرأته بالطلاق مع السبب وكراهته بدونه، ويشترط لوقوع الطلاق التلفظ باللفظ الصريح دون مجرد النية أو الإسرار. كما يستعرض اختلاف المذاهب في ألفاظ الطلاق الصريحة والكناية، ويؤكد استحباب المتعة للمطلقة جبراً لخاطرها.

ابتداء العدة وانقضاؤها بمرور الزمن

تبدأ العدة من يوم وقوع الطلاق لا من وقت علم الزوجة به، وتعتبر منتهية بانقضاء وقتها المحدد شرعاً وهو سنة في حال عدم الحيض تحقيقاً لمقصود تبرئة الرحم. وسواء اعتدت المرأة أم جهلتها، فمرور السنة يسقط العدة حكماً.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب من طلق، وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق؟ قال: حدثنا الفميدي، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، أبو بكر الحميدي القرشي، عبد الله بن الزبير الحميدي القرشي. وهذا الحميدي شيخ البخاري، وهناك حميد آخر من تلاميذ ابن حزم صاحب كتاب الجمع بين الصحيحين، ذاك آخر متأخر، وهذا من مشايخ البخاري تلاميذ الشافعي. قال: حدثنا الوليد، الوليد بن مسلم أبو العباس الدمشقي. قال: حدثنا الأوزاعي، أبو عمر الأوزاعي، وهو إمام أهل الشام. قال: سألت الزهري: أي أزواج النبي عليه الصلاة والسلام استعادت منه؟ الأوزاعي يقول: سألت الزهري: أي أزواج النبي عليه الصلاة والسلام استعادت منه؟ قال: أخبرني عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودنا منها، قالت: «أعوذ بالله منك». فقال لها: «لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك». قال أبو عبد الله: رواه حجاج بن أبي منيع. قال: رواه حجاج بن أبي منيع عن جده، عن الزهري، أن عروة أخبره أن عائشة قالت. وهذا الحديث بوب عليه الإمام البخاري: باب من طلق، وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق؟ وذكر هذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحقي بأهلك». وهذا الحديث جاءت له قصة ذكرها الإمام البخاري بعد هذا الحديث، نذكرها ثم نتكلم على الحديث. قال: حدثنا ابن عين، وهو الفضل بن دكين. قال: حدثنا عبد الرحمن بن غسيل، عن حمزة بن أبي أسيد، عن عبد الرحمن بن غسيل، من ولدي... غسيل الملائكة؟ قال: عن حمزة بن أبي أسيد، عن أبي أسيد رضي الله تعالى عنه. أبو أسيد، قيل إن اسمه... كنية أبو أسيد الساعدي، أخو سهل، وأخو أبي حميد. أولا ثلاثة إخوة: أبو أسيد، وأبو حميد، وسهل. وأبوهم أيضا صحابي: سعد بن مالك أو سعد بن أبي مالك. قال: خرجنا مع النبي عليه الصلاة والسلام حتى انطلقنا إلى حائط يقال له الشوط. حائط، بمعنى بستان، يقال له الشوط. حتى انتهينا إلى حائطين، فجلسنا بينهما. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «اجلسوا هاهنا». ودخل... قد أتي بالجونية، هذه التي من بنت الجون. فأنزلت في بيت في نخل، في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل، ومعها حاضنة لها. وهذه بنت الجون، الجون يعتبر من الملوك. قال: فلما دخل عليها النبي عليه الصلاة والسلام، قال لها: «هبي نفسك لي». قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ قال: فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن. فقالت: «أعوذ بالله منك». فقال: «قد عذت بمعاذ». ثم خرج علينا، فقال: يا أبا أسيد، اكسها رازقيتين، وألحقها بأهلها. وقال أبو الفضل بن الوليد النيسابوري: عن عبد الرحمن، عن عباس بن سهل، عن أبيه وأبي أسيد، قال: تزوج النبي عليه الصلاة والسلام أميمة بنت شراحيل. فلما أدخلت عليه، بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين. قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي الوزير، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن حمزة، عن أبيه، وعن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه، بهذا. فهذا الحديث فيه قصة هذه المرأة، وهي بنت بعض الملوك التي التابعة للروم، وهي أميمة بنت النعمان بن شراحيل. والنعمان كان ملك الحيرة، وكانت هذه ابنته. فلما أدخلت على النبي عليه الصلاة والسلام، وقد عقد عليها، وقيل: إنه لم يعقد عليها، وإنما أراد أن تهب نفسها له، لأن الله عز وجل أجاز للنبي عليه الصلاة والسلام أن المرأة تهب له نفسها ولو بدون عقد، وهذه خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال جل وعلا: ﴿ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾. وقيل: إنه عقد عليها، لكن لما أدخلت عليه، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «هبي نفسك لي». فقالت هذه الكلمة: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ فجعلت النبي عليه الصلاة والسلام من السوقة، لهذا ثم استعادت من النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «لقد عذت بمعاذ»، وجاء في رواية: «لقد عذت بعظيم». ثم قال لها: «الحقي بأهلك»، وأمر أبا أسيد أن يكسوها رازقيتين، ثوبين مما يسمى بالرازقي. وهذا الحديث فيه عدة مسائل وفوائد، ومن ذلك: أولاً ما بوب عليه الإمام البخاري، وهو مواجهة الرجل امرأته بالطلاق، أنه يواجهها، يقول لها: أنت طالق، أو الحقي بأهلك، أو كذا. فهذا جائز، وليس هذا من الأمور المحرمة، بل هو جائز، خاصة إذا كان بسبب. وأما إذا كان بدون سبب، فبعض العلماء قال بالكراهة، وبعضهم يقول بالتحريم، كما هو وجه عند الشافعية كذلك، ووجه عند الحنابلة، على أنه للتحريم. لكنه لم يصح شيء يدل على التحريم، ومعنى ما جاء في المسألة هو حديث: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق»، أو «أبغض الطلاق إلى الله»، لكنه مرسل، وأيضا ليس فيه التحريم، بل صرح بأنه حلال، لهذا فالقول بالتحريم قول بعيد. وإنما الصحيح، وهو قول جمهور العلماء: أنه يكره إذا كان بغير سبب، يكره إذا كان بغير سبب. وأما إن كان بسبب فهو مباح، وقد يكون أيضا مستحباً، بل قد يكون واجباً. قد يكون واجباً أن يطلق الرجل امرأته إذا كانت... إذا رأى منها أنها تأتي الفواحش. بل الله عز وجل لم يجعل لها سكنى إذا استبانت أنها أتت فاحشة، لم يجعل الله عز وجل حتى لها سكنى، وجعل الله عز وجل السكنى للمطلقات إلا التي يأتين بفاحشة مبينة. فإذا جاءت بفاحشة مبينة واضحة، وأقيم عليها الدليل أو الشهود أو رآها زوجها، فكل ذلك إذا كان كذلك له أن يخرجها من بيته، وأيضا كذلك يجب عليه أن يطلقها. فإن أمسكها وهو يعلم أنها تأتي الفواحش، فهذا ديوث. لكن إن تابت، أظهرت التوبة بعد أن وقعت في الفاحشة، فهذا عنده أن له أن يطلقها، وله أن يبقيها إذا رأى أنها تابت توبة صحيحة. وأيضا هنا قول البخاري: «وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق؟» أي: من باب هل هو جائز، وليس المراد أنه لا بد أن الإنسان يواجه المرأة بالطلاق، أن يسمعها الطلاق. وهذا ليس شرطاً، ولم يقل أحد بأنه شرط، وليس هو مقصود البخاري، لأن بعض الشراح ذكر هذا. ومثال: إسماع المرأة الطلاق ليس شرطاً، بل لو طلق في نفسه، أن بينه وبين نفسه، يعتبر طلاقاً. لو كان مثلاً وهو جالس في غرفته يقول: امرأتي طالق، عن أن يتلفظ، فتعتبر امرأته طالق، وإن لم تسمع، وإن لم يسمعه أحد. وأما إذا كان في نفسه، فإنه لا يعتبر، ما كان في نفسه لا يعتبر. لو أنه مثلاً نوى أن يطلق امرأته، نوى أن يطلق امرأته، بل وجزم أنه سيطلقها، لكن بعد ذلك تراجع، فهل يعتبر طلاقاً؟ لا، ما يعتبر، ما دام أنه لم يتلفظ به، فلا يعتبر، فلا يعتبر طلاقاً. في الطلاق لا بد أن يتلفظ به، ولو كما قلنا، ولو كان بينه وبين نفسه. فالطلاق اشترط فيه التلفظ، لا يكفي فيه النية، ولا أيضا كذلك لا بد أن يسمع المرأة، ولا أيضا أن يبلغها الخبر. أنا لو طلقت مثلاً الآن، وبلغها خبر طلاقها بعد شهر، فإنه يعتبر طلاقاً، وتعتد بقية الوقت، وقت العدة. أنا إذا كانت قد حاضت مثلاً في هذه المدة حيضة، فتحسب أيضاً بقية الحيضات، معنى تجلس إلى ثلاث حيضات، أنا بقي لها اثنتان، وهكذا. فيكون من يوم طلق، من يوم طلق. لو مثلاً امرأة طلقها زوجها وهو غائب عنها، أرسل إلى شخص أو إلى أبيها أو إلى أخيها: أني طلقت بنتك، أو طلقت أختك، أو أخبره وهو معه، لكن هذا الأخ لم يخبر أخته، ثم أخبرها بعد أشهر. وهنا تعتبر أن عدتها قد انتهت، فإذا تزوجها إنسان آخر فلها أن تتزوجه، لأن عدتها قد انتهت. فالعدة من يوم الطلاق. كذلك مثل الوفاة، أيضاً عدة الوفاة من يوم الوفاة، على الصحيح، وهو قول الجمهور. أيضاً في هذين الحديثين، أيضاً ما ذكره هنا من قوله: «الحقي بأهلك»، سيأتي إن شاء الله تعالى أن هذا من ألفاظ الطلاق الكناية، من ألفاظ الكناية، وليست من ألفاظ التصريح. وألفاظ الكناية تحتاج إلى نية عند جمهور العلماء، بخلاف ألفاظ الصريحة. الألفاظ الصريحة عند أحمد ثلاثة: ألفاظ الطلاق، والسراح، والمفارقة، وما اشتقت من هذه الثلاثة. وعند الشافعي ليس هناك صريح إلا الطلاق، عنده لفظ الطلاق وما اشتق منه، إلا ما كان بالماضي أو الأمر، إلا ما كان بالماضي أو الأمر، فهذا لا يعتبر طلاقاً صريحاً. أنه لو قال لها: قد طلقتك، فهذا لا يعتبر طلاقاً، إن لم ينوِ، أو قال: أطلقك، أيضاً كذلك لا يعتبر، حتى يصرح بالطلاق على صيغة المضارع: طلقتك، أو أنت طالق، أو طالق، أو غيرها من هذه الألفاظ. وأيضاً في هذا الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام له خاصية أن تهب المرأة نفسها له عليه الصلاة والسلام، لأنه لم يذكر في الحديث أنه عقد عليها. وأيضاً في هذا الحديث: أنه لا ينبغي أن يتعوذ بالله من المؤمن. النبي عليه الصلاة والسلام غضب لما تعوذت هذه المرأة بالله، غضب لما تعوذت هذه المرأة بالله منه عليه الصلاة والسلام، لهذا لا ينبغي أن يقول الإنسان لآخر: أعوذ بالله منك. لو قال: أعوذ بالله من شرك، ممكن هذا صحيح. أما يقول: أعوذ بالله منك، فهذا لا ينبغي، لكن يقول: أعوذ بالله من شرك، أو من كل ذي شر، مثل ما جاء في الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأيضا كذلك في سورة الفلق: ﴿ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾. وأيضا فيه المتعة للمطلقة، فيه المتعة للمطلقة، وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾. والمتعة للمطلقة مستحبة عند جمهور أهل العلم، ومنهم من أوجبها، واختلفوا: هل في كل مطلقة أم ليس في كل مطلقة؟ والصحيح أنه في كل مطلقة، أنه يمتعها، يعطيها شيئاً من المتاع، إما مال، وإما ثياب، أو شيء تنتفع به. وهذا لعجل أن لأنه سيطلقها ويكسر خاطرها، فيجبرها بذلك بهذه المتعة. فهذه بعض الفوائد التي توقع من هذا الحديث، وبعض المسائل سيأتي إن شاء الله تعالى ذكرها في الأبواب التي ستأتي. طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى. هنا يقول: إذا كان الإنسان مغترباً سنة، وطلق زوجته، فهل تعتد امرأته؟ هذا ذكرناه: إذا كان وصلها الخبر عندما طلقها، تعتد من يوم الذي طلقها فيه. أقصد معناه: إن كان قد طلقها من قبل، فتعتد بقية الوقت. وإن كانت قد مرت سنة من طلاقها، فانتهت عدتها، ليس عليها عدة، لأن وقت العدة قد انتهى، وقت العدة قد انتهى. ولأن المقصود هو تبرئة الرحم، وهذا قد حصل، لهذا سواء كانت اعتدت أو لم تسمع، فلم تعمل بما سمعت بأنه طلقها إلا بعد سنة أو بعد أشهر، فتعتبر أن عدتها قد انتهت. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر