كتاب الطهارة 31

كتاب الطهارة 31

الدرس في كتاب الطهارة 31، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

وجوب الغسل بعد الاحتلام وأحكامه

تطرق الشيخ إلى أحوال وجوب الغسل بعد الاحتلام، موضحًا أن الغسل يجب عند رؤية الماء. استشهد بحديث هشام بن عروة عن أسماء بنت أبي بكر.

التواضع في طلب العلم وتطهير الثوب من دم الحيض

أكد المقطع على أهمية التواضع في طلب العلم، كما شرح كيفية تطهير الثوب من دم الحيض وفقًا لحديث النبي مع أسماء بنت أبي بكر.

حكم دم الحيض وتطهير الثوب منه

شرح الحديث كيفية التعامل مع دم الحيض وطريقة تطهير الثوب الملوث به، مبينًا أن دم الحيض نجس ويجب إزالته قبل الصلاة.

ترشيد الاستهلاك وعدم التبذير في الأواني والملابس

يشير المقطع إلى عدم وجوب التخلص من الأواني أو الملابس عند اتساخها، بل يمكن إصلاحها واستمرار استخدامها، مما يدل على الاتصاد وعدم التبذير.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد تكلمنا في درس الماضي عن حكم المني إذا رآه الإنسان في ثوبه. وذكرنا أنه إذا احتلم الإنسان أو رأى الماء أو لم يره، له بعد ذلك عدة أحوال. فما هي هذه الأحوال من حيث وجوب الغسل وعدمه؟ إن من الأحوال: أنه يجب الغسل اتفاقًا إذا احتلم ورأى الماء. الثانية: إذا رأى الماء ولم يذكر احتلامًا، يغتسل على الصحيح؛ لأن العبرة بالماء، «إنما الماء من الماء». الثالثة: إذا ذكر احتلامًا ولم ير ماء، فلا يجب عليه الغسل. الرابعة: لا احتلام ولا ماء، فلا يجب الغسل؛ لأن العبرة بوجود الماء. إذا تكون الأحوال ثلاثة: أن يحتلم ويرى الماء، فيغتسل. أن يحتلم ولا يرى الماء، فلا غسل عليه. أن يرى الماء ولا يذكر احتلامًا، فإن كان الماء ماءً منويًا، وجب عليه الغسل، وإن كان ليس بماء منوي، فليس عليه غسل. قال رحمه الله: وحدثنا أبو بكر، ابن أبي شيبة، وهو عبد الله بن محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا وكيع، وهو ابن الجراح، قال: حدثنا هشام بن عروة، وهو هشام بن عروة بن الزبير. وحدثني محمد بن حاتم، واللفظ له، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام بن عروة، قال: حدثتني فاطمة، عن أسماء. وفاطمة زوجته، فاطمة زوجة هشام بن عروة، وقد روى عنها هشام بعض الأحاديث، وأكثرها في الرواية عن أسماء بنت أبي بكر، رضي الله تعالى عنهما. وهذا فيه أن الرجل أو الزوج قد يستفيد من زوجته، ولو كانت زوجته أعلى منه، فيستفيد منها ويتعلم منها. وليس في هذا عيب، أن يتعلم الرجل من امرأته إذا كان عندها علم ليس عنده، فلا بأس أن يتعلم منها ويستفيد منها. قال: «لا ينبل الرجل حتى يأخذ العلم عن من هو مثله، وعن من هو فوقه، وعن من هو دونه». لا ينبل الرجل حتى يأخذ العلم عن من هو فوقه؛ يعني أرفع منه في العلم، وعن من هو دونه؛ أي أقل منه علمًا، وعن من هو مثله ومساوٍ له في العلم. فإذا تواضع طالب العلم وأخذ العلم ممن عنده هذا العلم، سواء كان مثله أو أرفع منه أو أنزل منه، فإنه بهذا يتحصل على العلم. وأما إن تكبر ولم يتنازل أن يأخذ العلم عن من هو دونه أو عن من هو مثله، فهنا سيحرم نفسه كثيرًا من العلم. وكما قال مجاهد، رحمه الله: «لا ينال العلم مستحي ولا مستكبر». وإذا استكبر أن يتواضع لصاحب العلم ويطلب العلم، فسيحرم هذا العلم. قال: عن أسماء، وهي بنت أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنهما، قال: «جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة، كيف تصنع به؟ قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه». قال: وحدثنا أبو قريب، اسمه محمد بن العلاء، قال: حدثنا ابن نمير، وهو عبد الله بن نمير، قال: وحدثني أبو الطاهر، قال: أخبرني ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم، ومالك بن أنس، وعمر بن الحارث، كلهم عن هشام بن عروة، بهذا الإسناد، مثل حديث يحيى بن سعيد. هذا الحديث حديث أسماء، رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أن المرأة يصيب ثوبها من دم الحيض، كيف تصنع به؟ كيف تصنع بهذا الثوب؟ وكيف تطهره؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه». فهنا أبان النبي عليه الصلاة والسلام كيف تطهر المرأة الثوب الذي أصابه دم الحيض. فقال: «تحته»؛ «تحته» بمعنى تحكه وتقشره. ثم «تقرصه بالماء»؛ يعني تدلكه بالماء بأطراف أصابعها. ثم «تنضحه»؛ يعني تغسله. ثم «تنضحه»؛ أي تخمره بالماء وتغسله. ثم «تصلي فيه»؛ أي بهذا الثوب. وهذا؛ لأن الغالب في ذلك الزمن كانت المرأة لا تجد إلا ثوبًا واحدًا، ربما لا يكون عندها إلا ثوب واحد، فتحيض بهذا الثوب، فتحتاج أن تطهره حتى تصلي فيه بعد الحيضة إذا طهرت. فبين النبي عليه الصلاة والسلام الطريق الذي به يطهر الثوب من دم الحيض. وفي هذا الحديث فيه أولًا: ما كان عليه نساء الصحابة، رضي الله عنهم، من حرصهن على العلم والسؤال والتفقه في دين الله جل وعلا. فتاة المرأة تسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن حكم أمر من الأمور، ولا يمنعها الحياء من ذلك. كما قالت عائشة، رضي الله عنها: «نعم نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء من التفقه في الدين». وهذا الأمر -كون المرأة تسأل عن أمور دينية- هذا لا ينافي الحياء. وفيه: أن دم الحيض نجس؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بغسله. فإذا أصاب الثوب ثوب المرأة، فإنها لا تصلي بهذا الثوب إلا إذا غسلته وأزالت هذه النجاسة. وفيه أيضًا: أن النجاسة إذا كانت عينية؛ يعني لها عين وجرم، فإنه لا بد من إزالة عينها، ثم بعد ذلك يغسل المحل. وأما إن كانت حكمية؛ يعني ليس لها عين، لكن لها أثر، كالبول مثلًا، فهذا يجب غسله. فإن النجاسة إما أن تكون عينية وإما أن تكون حكمية. فإن كانت عينية، وجب إزالة العين، كالدم مثلًا، وجب إزالة هذه العين، ثم يغسل المحل. وأما إن كانت حكمية، فإنه يغسل المحل الذي أصابته النجاسة حتى تزول أثر هذه النجاسة. وفيه أيضًا: أن الأصل في تطهير النجاسات بالماء؛ قال: «تحته، ثم تقرصه بالماء». إذا تزيل هذه النجاسة بالماء، هذا هو الأصل في تطهير النجاسات. وفيه: كما سمعنا، مكانة الصحابة، رضي الله عنهم، من قلة ذات اليد والفقر، حتى إنهم ربما لا يجدون إلا ثوبًا واحدًا تلبسه المرأة، فتحيض فيه، فتحتاج أن تغسله حتى تصلي فيه. وفيه أيضًا: بيان يسر هذه الشريعة، وما فيها من تخفيف. فالثوب تصيبه النجاسة، ومع ذلك ما أمرت الشريعة بقص هذا الموضع الذي أصابته النجاسة وإزالته، إنما أمرت بغسله وتطهيره، ثم استعماله. وفيه أيضًا: معنى الاتصاد في استعمال الثياب وغيرها من الأواني، وعدم التبذير والإسراف. حتى لو أصيبت بشيء من التمزق مثلًا، أو أصيب الإناء بشيء من الشروخ والشقوق، فإنه يصلح ويستعمل، ولا يرمى به إذا كان صالحًا للاستعمال. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.