الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 778

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 778

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 778، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

غزوة حنين: النصر بتأييد الله لا بالكثرة العددية

يوضح المقطع أن اغترار الصحابة الجدد بكثرة عدد الجيش (12 ألفاً) أدى إلى هزيمتهم الأولية في حنين، مستدلاً بقوله تعالى ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾. ويؤكد أن العبرة في النصر بالتعلق بالله والثبات لا بالكثرة، مستشهداً بانتصار خالد بن الوليد بستة آلاف على ستة وتسعين ألفاً في دمشق.

غزوة حنين: كمين هوازن وثبات النبي مع قلة من الصحابة

تعرض الجيش الإسلامي لكمين سهام شديد من هوازن وغطفان وثقيف، فانكشف الصحابة لحماية أنفسهم وبقي مع النبي ﷺ نفر قليل منهم أبو بكر وعمر وأبو سفيان بن الحارث والعباس. فنادى العباس بأهل بيعة الرضوان تذكيراً بعهدهم، فهبوا وثبتوا مع النبي ﷺ.

نتائج غزوة حنين وحصار الطائف وتوزيع الغنائم

عاد الصحابة إلى النبي ﷺ بعد ندائه، فهزم الله هوازن وثقيف وغنم المسلمون أموالهم ونساءهم وذراريهم، وقسم النبي الغنائم في الجعرانة. ثم حاصر ثقيفاً في الطائف ورفع الحصار، ورد السبي والأموال بعد اختيارهم الذراري، فتنازل الناس عن حقوقهم اقتداءً به.

ملخص معركة أحد وسبب انصراف الصحابة ثم نصرهم

يذكر المقطع أن الصحابة انصرفوا في معركة أحد لسبب معين رغم شجاعتهم المعروفة، ثم عادوا فأنصرهم الله تعالى. ويختتم بالتأكيد على أن هذا هو خلاصة ما ورد في السياق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الترمذي رحمه الله -وهو محمد بن عيسى بن سورة الترمذي السمرقندي-: حدثنا محمد بن عمر بن علي المقدم، قال: حدثني أبي، وهو عمر بن علي المقدم، وهو إمام من أئمة السنة، كان دائمًا يكثر عن يحيى بن سعيد القطان. قال: عن سفيان بن حسين، وهو ثقة إلا في الزهري؛ إذا روى عن الزهري فروايته ضعيفة، وإذا روى عن غير المشايخ فهو أثقة. قال: عن عبيد الله بن عمر، وهو العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال: لقد رأيتنا يوم حنين، وإن الفئتين لم توليان، وما مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مائة رجل. قال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث عبيد الله، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قال أبو عبد الرحمن: هذا حديث حسن، والظاهر لحال سفيان بن حسين أنه ثقة، لكن ليس في حفظه شيء، فهو صدوق، فعن منزلته منزلة الصدوق. هذا الحديث في غزوة حنين، أو هنا سماه ابن عمر يوم حنين، كما في القرآن: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ﴾ [التوبة: 25]. فهنا قالوا: إن الفئتين لم توليان، والظاهر مقصود بالفئتين: الصحابة الذين كانوا في الخلف، والذين قدموا، فضاقت عليكم الأرض بما رحبت، ثم وليتم مدبرين. ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين. هذه الحادثة يوم حنين، لما ولّى الصحابة، فإنما حصل ذلك اضطرارًا وليس باختيارهم، ولأن هذا حال الحرب. في حنين، خرج النبي عليه الصلاة والسلام ومعه اثنا عشر ألفًا من الصحابة، وهي أول غزوة يشهدها هذا العدد في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. خرج كثير منهم من مسلمة الفتح، ممن أسلم في مكة في فتح مكة، وهم لازالوا حديثي عهد بشرك. ولهذا في هذه الحادثة، في حادثة ذات أنواط، قالوا: «اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط». هم ذاهبون إلى حنين. فقال أيضًا بعض هؤلاء ممن أسلم قريبًا: «لن نهزم اليوم من قلة». قال: «اليوم منا كثير، فلن نهزم، والأمر لله جل وعلا». فلهذا اغتر بعضهم بكثرة الجيش، وظنوا أن الانتصار إنما بالكثرة، وليس كذلك. ليس الانتصار بالكثرة، وإنما هو بالتعلق بالله جل وعلا والثبات على الدين. فلهذا في التاريخ، كما قال الله عز وجل: ﴿ كَمْ مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 249]. فقد تكون الفئة القليلة تغلب الفئة الكثيرة بتأييد الله عز وجل لها. وهذا الحال الذي حصل في التاريخ، أقصد في أيام الصحابة، أن حصلت الأمور العجيبة في هذا الباب: أن ستة آلاف يقاتلون تسعين ألفًا. أين ستة من التسعين؟ في معركة دمشق، لما أراد الصحابة أن يدخلوا دمشق، جمع البيزنطيون النصارى جمعوا جيوشهم كلها التي في الشام، حتى جمعوا ستة وتسعين ألفًا، وخالد بن الوليد ما معه إلا ستة آلاف. فطلب المدد من عمر، أرسل إلى عمر أن يمدهم بجيش، لكن لم يسعفهم ذلك، أن لم يسعفهم أنه يأتي الجيش؛ لأنهم تفاجأوا، والتقوا بجيش الكفار، فلم يستطع الإسعاف أن يأتي. فقاتلوهم وهم ستة آلاف، وحصل النصر لأهل الإسلام. فليس العبرة بالكثرة ولا بالقلة، وإنما العبرة بما يكون فيه تأييد الله عز وجل لهؤلاء. فلهذا لما اغتر بعض الصحابة، خاصة من حديثي عهد بإسلام، اغتروا بهذا العدد. ويوم حنين: ﴿ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا ﴾. خرج الصحابة مع النبي عليه الصلاة والسلام من مكة إلى حنين، لما سمعوا أن هوازن وغطفان وثقيف اجتمعوا عند ماء يقال له ماء أوطاس، بمنطقة حنين. فخرج النبي عليه الصلاة والسلام لأجل قتالهم. فلما جاء الصحابة، قد كان هؤلاء الكفار قد عملوا خطة: أنهم أول ما يأتون يهجمون عليهم بالسهام، فهم يرمون، وكان العرب أكثرهم رميًا، لا تخطئ رميته غالبًا. فلهذا أول ما جاء الجيش، أول ما دخلوا حنين، ما حسوا إلا بالنبل فيهم، أمطروا عليهم وابلًا من النبل، من السهام. فأول ما فعل الصحابة أن يتقوا ذلك، لكن لكثرتها لم يستطيعوا، فرجعوا إلى الوراء. وليس رجوعهم من التولي، من التولي في الزحف أو يوم الزحف، لا، هم رجعوا لأجل أن يحموا أنفسهم من هذه السهام، فولوا ورجعوا. وما بقي مع النبي عليه الصلاة والسلام إلا كما قال في هذا الحديث: إلا مائة رجل. وجاء في حديث أنهم ما بقي إلا اثنا عشر رجلًا أو أكثر قليلاً، منهم أبو بكر وعمر، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، عم النبي عليه الصلاة والسلام، وكان ماسكًا بناقته. وأبو سفيان بن الحارث يعتبر من مسلمة الفتح، أسلم قبل الفتح بقليل، أسلم والنبي صلى الله عليه وسلم قد جاء إلى قرب مكة، وخرج معه، وكان عند الناقة. لا شك أن ابن عم الرجل ومن أهله يكون أرأف به، وكذلك أحوط به من غيره. لهذا تجد منذ زمن بعيد أن القادة غالبًا يختارون في حراستهم من كان أقرب الناس لهم، من أبناء عمهم، من إخوانهم وأبنائهم. وهذا الذي فعله عثمان رضي الله عنه، فأنكر عليه بعضهم، وهو لم يفعل أمرًا يُنكر؛ لأن هذا هو طبيعة الناس، تجد أن الأخ يشفق على أخيه أكثر من غيره ويحوطه أكثر من غيره، وهكذا ابن العم. فلهذا عثمان رضي الله عنه جعل من حراسه من أهله، وجعل كذلك في الولايات من أهله، من بني عمه، وكذلك من أقربائه؛ لعلهم أنهم يحمون ظهره. فكما قلنا: أن القريب أحمى لظهر قريبه. فلهذا أبو سفيان كان ماسك ناقة النبي عليه الصلاة والسلام في مقدمة الجيش. أبو سفيان بن الحارث، وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم مباشر، أنه ليس ابن عمه من الأجداد، وإنما ابن عمه بمعنى أن أباه الحارث أخو أبي سفيان -أخو عبد الله بن عبد المطلب-، ويقال أنه أكبر أبناء عبد المطلب، ويقال الزبير. فأبو سفيان بن الحارث كان ماسك ناقة النبي عليه الصلاة والسلام من أمامها، والعباس يقودها من خلفها، وعند النبي عليه الصلاة والسلام. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يتقدم نحو العدو، ويقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»، عليه الصلاة والسلام. وكان أبو سفيان يرد الناقة حتى لا تقرب عند العدو، فيصاب النبي عليه الصلاة والسلام بشيء من سهامهم. حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا عباس، نادِ في أهل الشجرة، أهل بيعة الرضوان». فنادى: «أين أنتم يا أهل الشجرة؟». فلما سمع أهل الشجرة، وكانوا كما ذكر، كما هو معلوم: ألف وأربعمائة من الصحابة، هذا على قول جابر في المشهور عنه، وقال في موضع: إنهم ألف وخمسمائة رجل، ألف وخمسمائة رجل من الصحابة رضي الله عنهم، من بايع تحت الشجرة في الحديبية بيعة الرضوان: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ [الفتح: 18]. فكانت هذه البيعة لها أثر عظيم؛ لأنهم بايعوا النبي عليه الصلاة والسلام على أن لا يفروا. بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا يفروا في الحرب، كما قال جابر: «لم نبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الموت، لكن بايعناه على أن لا نفر». وقال سلمة بن الأكوع: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيعة الرضوان على الموت». وليس هذا تعارض؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام بايعهم على أن لا يفروا، حتى لو قُتلوا، على أن لا يفروا حتى لو قُتلوا. فلهذا فرارهم هذا في يوم حنين استنكره النبي عليه الصلاة والسلام: كيف يبايعون على أن لا يفروا ثم فروا؟ فناداهم من باب التذكير. فنادى، وكان العباس له صوت جهوري، صوت قوي، فنادى: «أين أنتم يا أصحاب الشجرة؟». قال: فلما سمعوا هذا النداء، عطفت رحالهم كعطف الناقة العشراء على ابنها. الناقة لما يصيح ابنها، سرعة ترجع، وأيضًا تجري لأجل أن تلحق ابنها. وهكذا وصفهم الصحابي رضي الله عنه، وهو جابر، أنهم عطفتهم كعطفة حنين الناقة، كأنها ناقة عطفت إلى أولادها، فعطفوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا يقولون: «لبيك، لبيك»، حتى اجتمعوا رضي الله عنهم. بعد ذلك هزم الله هوازن وثقيف. أما ثقيف، فقد فروا وتركوا صبيانهم وذراريهم، لأن مالك بن عوف النصري الهوازني اشترط عليهم أن يأتوا بأموالهم وأنفسهم، أنهم يأتون ويأتون بأموالهم وذراريهم من النساء والأطفال، يعني لا يتركون أحدًا، لا يتركون أحدًا إلا ويأتون به. وفعل ذلك حتى لا يفروا، فعل ذلك حتى لا يفروا ويتركوا... معنى: الواحد سيحمي حتى أولاده. هذا لم يستطع أن يحمي نفسه، وأراد أن يفر، ما سيستطيع أن يفر وأولاده وزوجاتهم موجودون. فلهذا جاءوا بأموالهم وأزواجهم وذراريهم وأنفسهم، وانتدبوا للكفر والعياذ بالله، ولحرب المسلمين. لكن صارت هذه عليهم. فلما هجم المسلمون بعد رجوعهم، تفرق جيش الكفار. فعما ثقيف لم تلبث أن تستمر في القتال، فرأوا أن القتل فيهم، فرجعوا إلى حصونهم، وتركوا نساءهم وذراريهم. وكذلك هوازن وغطفان وغيرهم، قتلوا أو قتل كثير منهم، ثم فروا، وتركوا أيضًا النساء. فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الأموال والنساء والذراري، ثم قسمهم في الجعرانة. لما رجعوا إلى الجعرانة، قسمهم النبي عليه الصلاة والسلام، قسم تلك الغنائم التي غنمها من حنين. فأشار إليه بعض الصحابة أن يحاصروا ثقيف، لأن ثقيف قريبة، أن بدل أن يدخل مكة يحاصر ثقيف. فوافق النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك، فحاصروهم. وكان ثقيف محصنين تحصينًا جيدًا. فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا فائدة، قال لهم: «ارجعوا» أو «نرجع». فقالوا: «يا رسول الله، لو أمهلتنا». فأمهلهم. فرأى أنهم تضرروا جدًا، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أي بعض الصحابة، وقالوا: «لنرحل يا رسول الله». فرحل النبي صلى الله عليه وسلم. ثم جاء ثقيف وأسلموا، وقالوا: «يا رسول الله، نريد أن ترد لنا أموالنا وذرارينا». فقال: «اختروا أحد الأمرين: إما الأموال وإما الذراري». فقالوا: «نختار الذراري». الذراري: معناه الأطفال والنساء. فقال: «ما كان لي ولبني هاشم فهو لكم، تنازلت عنه، وليأتِ لي كل عريف من عرفاء الناس، يأتي بقوم قبيلته». فالناس تنازلوا مثل ما تنازل النبي صلى الله عليه وسلم، إلا بنو فزارة، فرفض الأقرع بن حابس -أو أقصد عيينة بن حصن- أن يرجع النساء والذراري والأطفال. فقال: «والله لا نرجع بعد أن أخذناهم». خالفه أصحابه، قالوا: «والله لا نسمع كلامه، بل نفعل كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام». فردوهم إليهم. فهذا الذي حصل في حنين. فقلنا: أن الصحابة رضي الله عنهم ما ولوا إلا لشدة السهام. ولما سمعوا الداعي في بيعة الرضوان، لبوا النداء، وقالوا: «لبيك، لبيك». وحزم الله عز وجل المشركين، وأنزل الله عز وجل السكينة على رسوله. النبي عليه الصلاة والسلام كان مطمئنًا، حتى أنه كان صلوات الله وسلام عليه يتقدم بالناقة إلى الكفار، فجعل الله عز وجل الطمأنينة في قلبه. ثم أخذ كفا من تراب، وقال: «شاهت الوجوه»، فأصابهم من هذا التراب. فبعد ذلك اشتد عليهم الصحابة، وهزموهم. فهذا كان ملخص لهذه المعركة، والسبب الذي جعل الصحابة يولون، وإلا الصحابة من أشجع الناس ممن عرف في التاريخ بالشجاعة، هم أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. لكن لأجل هذا السبب ولوا، ثم رجعوا، فنصرهم الله جل وعلا. فهذا خلاصة ما يذكر، والله تعالى أعلم.