الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 780، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي ابن عمر رضي الله عنهما طواف النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح على راحلته واستلامه الركن بمحجن، ثم خطبته مبيناً إبطال عبية الجاهلية وتفاخرها بالأنساب. ويستفيد العلماء من الحديث جواز الطواف التطوع راكباً دون إحرام مع النهي عن المزاحمة فيه.
يوضح المقطع جواز الطواف راكباً اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم على ناقته القصوى، مستعرضاً قصة بروكها عند الحديبية وتفسير النبي لذلك. كما يبين كيفيات استلام الحجر الأسود الأربع مرتبة من الأفضل للأقل، وافتتاح الخطبة بالحمد وقول «أما بعد».
يستحب للخطيب الإقتداء بخطبة الحاجة النبوية متضمنة حمد الله وآيات التقوى، مع إبطال الإسلام لعبية الجاهلية من الفخر بالأنساب والطعن فيها. ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس رجلان: بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين عليه، وأن الكرامة بالتقوى لا بالنسب، مختتماً بالاستغفار.
يختتم المتحدث شرح الحديث بذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أقول هذا وأستغفر الله لي ولكم»، مكتفياً بما ورد في الحديث. وتذكر الترجمة أن النص مترجم بواسطة نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام محمد بن حبان رحمه الله، وهو أبو حاتم محمد بن حبان البستي، إمام من أئمة المسلمين وأهل الحديث. قال كما في «الإحسان» - وهذا لـ شعيب الأرنوط، رتب فيه صحيح ابن حبان؛ لأن صحيح ابن حبان سماه «الأنواع والتقاسيم»، وقد سمه بطريقة مبتكرة لا يهتدي إليها الإنسان للحديث بسرعة، فلهذا ألف شعيب الأرنوط «الإحسان» بترتيب صحيح ابن حبان، ورتبه على الأبواب والكتب. قال: «أخبرنا مكحول ببيروت». ومكحول هذا حافظ من حفاظ أهل بيروت، يقال له: محمد بن عبد الله بن عبد السلام بن أبي أيوب البيروتي، سيذكر ترجمته فيما بعد. قال الشيخ: «حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد» - محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، ابن الإمام أبي عبد الرحمن، ابن الإمام أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، من مشايخ البخاري ومسلم. قال: «حدثنا عبد الله بن رجاء» - وهو المكي. قال: «حدثنا موسى بن عقبة» - وهو صاحب السيرة، وسيرته من أصح السير، وكان مالك يقول: «من أراد المغازي فعليه بمغازي العبد الصالح موسى بن عقبة». قال: «عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما». فعبد الله بن دينار مولى ابن عمر. قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: «طاف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على راحلته القصوى يوم الفتح، واستلم الركن بمحجنه، وما وجد لها مناخًا في المسجد حتى أخرجت إلى بطن الوادي فأنيخت، ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، أيها الناس، فإن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، وما فيها من الكبر والفخر. يا أيها الناس، يا أيها الناس، إنما الناس رجلان: بر تقي كريم على ربه، وفاجر شقي هين على ربه». ثم تلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ حتى قرأ الآية، ثم قال: «أقول هذا وأستغفر الله لي ولكم». قال: «هذا حديث صحيح». ومكحول مترجم في «سير أعلام النبلاء»، فقال الإمام الذهبي رحمه الله: «مكحول الحافظ الإمام المحدث الرحال أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله بن عبد السلام بن أبي أيوب البيروتي، ولقبه مكحول»... إلى أن قال: «وكان ثقة من أئمة الحديث». قال: «انتهى المراد منه». ومحمد بن عبد الله بن يزيد هو المقرئ، وعبد الله بن رجاء المكي كما في «تهذيب التهذيب». طيب، هذا الحديث يحكي ابن عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام لما دخل يوم الفتح، والظاهر أنه أراد في يوم حنين، أو قد يكون كما قال بعض العلماء: أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف ولم يعتمر، طاف ولم يعتمر؛ لأن في الفتح لم يعتمر النبي صلى الله عليه وسلم، لما دخل مكة دخلها فاتحًا ولم يدخلها معتمرًا، فلهذا لم يحرم من شيء من المواقيت، وجلس أربعة أيام أو نحوها، ثم خرج إلى حنين، وهو راجع من حنين اعتمر وأحرم بالجعرانة، أحرم بالجعرانة ثم دخل واعتمر عليه الصلاة والسلام في تلك السنة، في السنة التاسعة في ذي القعدة. وأما في الفتح، فكان الفتح في رمضان، فتح مكة كان في رمضان، ولم يعتمر النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت، لكن لعله طاف. ولهذا أخذ العلماء من هذا الحديث أنه يستحب الطواف في أي وقت كان، وبدون أن يعتمر، يطوف فقط. لكن الآن يتعذر الطواف لزحمة الناس، فإذا وجد الإنسان فرصة في الطواف، بمعنى قلة الناس وكذا، فيطوف ولا يزاحم الناس. مع المزاحمة، المزاحمة على كثير من الطائفين قد يكون ممن يتطوعون، فيزاحمون، فيزاحمون الناس على الطواف، وهذا ليس صحيحًا. ففي هذا الحديث عدة فوائد، من هذه الفوائد: كما ذكرنا، الطواف في البيت، وأنه سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وقد جاء في حديث العباس عند أبي داود وأحمد والنسائي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يا بني عبد مناف، لا تمنع أحدًا صلى أو طاف بالبيت ساعة من ليل أو نهار». لا تمنع أحدًا يطوف في أي وقت شاء، سوى كان في الليل أو في النهار. وكان بنو عبد مناف، ومنهم بنو شيبة، هم حجاب الكعبة أيضًا. وفي هذا الحديث من الفوائد: أنه يجوز أن يطوف الرجل وهو راكب، أن يطوف الرجل وهو راكب. وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث، وفي الصحيحين أنه طاف وهو راكب. كذلك في الصحيحين عن أم سلمة، فثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه طاف وهو راكب، أن راكب بغلته وتسمى القصوى. هذه تسميات كانت العرب تسمون الحيوانات، وغالبًا تسمى على شيء فيها، والقصوى هذه من خيرة رواحل النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه القصوى هي التي دخل بها في مكة، وكانت لا تسبق، وكانت لا تسبق. فلما تسابقت مع جمل سبقها الجمل، فقالوا: «خلعت القصوى». قال الصحابة: «خلعت القصوى»، فشلت. فقال النبي عليه الصلاة والسلام - وهذا أقصد ليس في السباق، وإنما لما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يدخل في الحديبية، أراد أن يدخل إلى مكة، فلما قرب من مكة خلعت القصوى، بمعنى جلست على أنها متعبة، فجلست القصوى وأناخت. فأرادوا أن تقوم فلم تقوم، ثم جاء أمر الله جل وعلا. فلما قالوا: «خلعت القصوى»، قال: ما قال؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما خلعت القصوى، وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل». ولكن حبسها حابس الفيل. والقصوى كما قلنا هذه كانت لا تسبق، فسبقت بجمل، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما رفع الله عز وجل شيئًا في الدنيا إلا وضعه». إن يرفعه فترة ثم يضعه عليه جل وعلا. إن ليس هناك شيء يرتفع في الدنيا على غيره إلا الرفعة التي هي شرعية، الرفعة شرعية، كما سيأتي في كلام النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «واستلم الركن بمحجنه». والمحجن هو عصا فيها حديدة في طرفها. وهذا المحجن استلم النبي صلى الله عليه وسلم الركن به، دل على أن هذه سنة أيضًا، دل على أن هذه سنة الراكب، أنه إذا ما يستطيع من بركوبه فإنه يستلم الركن بمحجنه. وهذا كان في ذلك الزمن، أما الآن فالمركوبات المعروفة هذه ما ستطوف، لكن قد هي بمعنى قدام الحرمين، هي سيارات تمشي في الطواف، وكذلك في السعي، بمعنى تريح من كان متعبًا، يطلع في هذه السيارة، منها ما هو مجاني ومنها ما هو بمال. فقال: «واستلم الركن بمحجنه». وفيه كما قلنا سنة أن الراكب يكتفي بالمحجن. وأقذ من هذا، العلماء أن استلام الركن له أربع مرات: إما أنه يستلمه ويقبله، فهذا الأفضل، أنه يستلمه ويقبله. والمراد بالركن هنا هو الحجر الأسود. وإما أن يستلمه، وإما أن يستلمه بشيء معه ويقبل ذلك الشيء. ومثل هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم معه المحجن، فاستلم الركن بمحجن وقبل المحجن. وأيضًا، وأيضًا كذلك الأمر الرابع: أنه إذا لم يجد ذلك كله فإنه يشير، يقول: «الله أكبر»، ويشير إلى الركن. وهذا كله سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن بالترتيب. قالوا: «ما وجد لها مناخًا في المسجد». ما وجد لهذه القصوى لم يجد مناخًا، مناخًا بمعنى مكان تنيخ فيه، تربط فيه؛ لأن المسجد ليس مكانًا لهذه الأمور. قال: «حتى أخرجت إلى بطن الوادي». وادي مكة الذي قرب الحرم، لأن مكة هي وادي أصلًا. ماذا جاء في سورة إبراهيم؟ لما ترك إبراهيم زوجته في ذلك الوادي، قال الله عز وجل على لسان إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾. فمكة هي وادي، ولهذا وادي بين جبال، ولهذا مكة أكثرها جبال. فأناخت هذه الراحلة في بطن الوادي. قال: «فأنيخت، ثم حمد الله وأثنى عليه». أي: النبي عليه الصلاة والسلام خطب الناس في ذلك اليوم. ثم قال: «أما بعد». وهذا فيها أنه من السنة إذا أثنى الخطيب وحمد الله وصلى على النبي عليه الصلاة والسلام أن يقول: «أما بعد»، تهيئة للكلام، تهيئة للكلام. واختلفوا في معنى هذه الكلمة، والمشهور أنه «أما بعد»، أي: فإن كان شيء فبعد هذا، أي: أني سأتكلم على شيء بعد هذا الكلام، بعد الحمد. وأيضًا يستحب في الخطب أن يأتي بخطبة الحاجة، كما كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام، يخطب خطبة الحاجة. خطبة الحاجة سميت خطبة الحاجة لأن عبد الله بن مسعود كان يقول: «كان النبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا خطبة الحاجة في النكاح وفي غيره، في النكاح وفي غيره». وجاء في حديث جابر أنه كان يأتي بها في الخطبة، في خطبة الجمعة، ويأتي بالآيات الثلاث، وجاء في رواية بآيتين، في تقوى الله جل وعلا، ثم يقول بعد ذلك: «إن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم». وكان عمر أيضًا إذا خطب كان يقول: «قيل: قيل الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها». فيستحب أن يأتي بهذه الكلمات في الخطب، ولا يلزم أن يأتي بها في كل خطبة، لكن هذا الأفضل. قال: «أما بعد، أيها الناس، فإن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية». وعبية الجاهلية أي: فخرها بالأحساب، وكبرها، أن يتكبر المتكبر ويفخر المتفاخر، ويعيب المعيب. أن أهل الجاهلية كانوا يفتخرون ويعيبون، يفتخر الإنسان بقبيلته ويعيب القبيلة الأخرى، ويعيب القبيلة الأخرى. وهذا ليس من الإسلام. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما وجدت هذه الصفات قال عليه الصلاة والسلام: «ثنتان في أمتي هما بهم كفر: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب». أن هذه سبحان الله ضلت إلى يومنا هذا عند كثير من الناس، يفخر أنه من قبيلة كذا، وأن هذه القبيلة لها شأن ولها صولات وجولات ولها قتال، وغالبًا تجد القتال الذي قاتلوه بينهم وبين مسلمين مثلهم، فقط يريدون أن يترفعوا على بعضهم البعض، فهذا يفخر بهم. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم، أو في البخاري: «أن رجلين ممن كان قبلنا جاء في روايتهم: بنو إسرائيل، تفاخر، فقال أحدهما: أنا ابن فلان ابن فلان ابن فلان، حتى عدى تسعة من أبائي، وقال الآخر: أنا ابن فلان ابن الإسلام». فأوحى الله عز وجل إلى ذلك النبي ذلك الزمان: «أن قل لهذا المفتخر بأبائه: هو عاشرهم في النار». إن يفتخر بأناس كفار، قال: «قل لهذا المفتخر بأبائه: هو عاشرهم في النار». فلهذا فالفخر ليس من أخلاق أهل الإسلام، يفخر بقبيلته، يفخر بكذا، ويريد أن يعيب الآخرين، ويتكبر بهذا. كذلك أيضًا عيب الناس، عيب القبائل: هذه قبيلة فاشلة، هذه قبيلة كذا، هذه قبيلة يلومها أو ضعيفة، قبيلة كذا، لأجل أن يفخر عليهم، فهذا ليس من أخلاق أهل الإسلام. المسلم يفخر بإسلامه، ويذم الكفار، يذم أهل البدع الذين خالفوا أمر الشريعة. قال: «يا أيها الناس، إنما الناس رجلان». وقد حذر النبي عليه الصلاة والسلام أشد التحذير من دعوة الجاهلية، من دعوة الجاهلية. فإن الله قال، قال الله، النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: «إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، إنما الناس...» معنى: مؤمن تقي، أو فاجر شقي. فقال: «يا أيها الناس، إنما الناس رجلان: بر تقي كريم على ربه». أن هذا الذي هو أكرم الناس، إن أكرمكم عند الله أتقاكم. «وفاجر شقي هين على ربه». أن المكرم هو الكريم على الله، والمهين هو المهين على الله، ليس أنه من قبيلة فلان ولا من قبيلة فلان، وليس هو أيضًا كذلك صاحب المال أو غني أو فقير أو غير ذلك، وكل ذلك ليس قياسًا في أهل الإسلام، وإنما القياس بتقوى الله جل وعلا. فالرفع في الدنيا والآخرة بتقوى الله، والكرم إنما يكون برفعة بتقوى الله سبحانه وتعالى. وأما إذا كان الرجل فاجرًا لئيمًا كافرًا فليس له رفعة، وليست له كرامة. فلهذا قال: «إنما الناس رجلان: بر تقي كريم على ربه، وفاجر شقي هين على ربه». ثم تلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. هذا وجه الشاهد من الآية: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. قال: «ثم قال: أقول هذا وأستغفر الله لي ولكم». ومن هذا الحديث أخذ العلماء بهذه المقالة، فلا بأس أن يقولها الإنسان في آخر كلامه، يقولها الإنسان أو الخطيب في آخر كلامه، سوى كان في الخطبة الأولى أو الثانية إذا كان في الجمعة. فإذا انتهى كلامه قال: «أقول هذا وأستغفر الله لي ولكم». هذا ما يذكر في هذا الحديث، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر