الخطبة بعنوان يا أيها الذين آمنوا مسائل ودلالات، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 25 ربيع الآخر 1447هـ الموافق 17 أكتوبر 2025م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول أهمية نداء الله للمؤمنين في القرآن الكريم وتأثير هذا النداء في تنبيه المؤمنين للمسائل المهمة. يشير إلى تكرار هذا النداء في تسعين موضعًا في القرآن.
يُفهم من خطاب الله تعالى للمؤمنين مدحًا وثناءً لهم، وأن منزلتهم عند الله بقدر إيمانهم. هذا الخطاب خاص بأهل الإيمان ويخرج منه أهل الكفر والنفاق.
يدل النداء القرآني 'يا أيها الذين آمنوا' على أهمية الالتزام بشريعة الله وزيادة الإيمان بالأعمال الصالحة. الإيمان ليس مجرد دعوى بل هو مرتبط بالأعمال التي تصدقه.
يختم الدرس بدعوة المسلمين للاستفادة من الدلالات القرآنية، ويدعو الله للمصلين بالغفران والنفع بما قيل، ويختم بالصلاة على النبي ويأمر بالقيام للصلاة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من عظيم ما أمر الله به وأرشد إليه من الطاعات والعبادات، ومن الشرائع والقربات، ما أرشد إليه العباد من ضرورة تدبرهم لكتابه وكلامه، وتأملهم في نوره وتنزيله، قال سبحانه: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب﴾. وإن الله عز وجل رغب الناس وحث العباد على تدبر القرآن، وقال جل في علاه: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾. وإنني في هذا المقام لأحب أن أذكر ما جاء في القرآن من نداء الرحمن لأهل الإسلام، إذ وصفهم بالإيمان، فقال جل في علاه: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾. هذا النداء، والذي تكرر كثيرًا في كتاب الله، حتى أوصله جماعة من العلماء إلى تسعين موضعًا من القرآن، كان أوله في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم﴾، وكان آخر هذا النداء في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحًا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾. عباد الله، إن هذا التكرار، والذي صدر به هذا الكم الكبير من آي القرآن، لا يستلزم منا أن نقف عند معانيه، وأن نتأمل في ألفاظه ومبانيه، حتى نتعرف إلى حقيقة مراميه. ألا فاعلموا، عباد الله، أن مما يستفاد من قول ربنا المتعال جل في علاه: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فيه التنبيه والاهتمام، إذ أن هذه الجملة القرآنية ابتدئت بأسلوب النداء: ﴿يا أيها﴾، وهذا الأسلوب يقتضي وجوب التفات المخاطب إلى مناجيه، لكي يلتفت إليه ويقبل عليه، ويسمع ما عليه يمليه. وفي ذلك إشارة إلى أن النداء بـ ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ قد جاء بالمسائل المهمة، التي ينبغي على كل واحد منا أن يهتم بها، كقوله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، وكقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾. وهكذا قل في كل آية جاءت على هذا المنوال، فإن فيها الإشارة إلى عظيم الاهتمام. وأيضًا مما يستفاد من هذا الخطاب: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، أنه قد حمل مدحًا وثناءً لأهل الإيمان، فإن الله عز وجل حين أراد أن يخاطب عباده، ومن سار على دينه وشريعته، ما وصفهم إلا بهذا الوصف: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾. وبهذا يعلم المسلم أن منزلته وشرفه عند ربه لا يتحصل عليه بحسبه، ولا نسبه، ولا بصورته، ولا بشكله، ولا بعشيرته وقبيلته، ولا بماله ومكسبه، ولا بحظه ومنصبه، وإنما شرفك، يا عبد الله، عند ربك على قدر إيمانك، ومدى قربك به. فإن للمؤمن منزلة عند ربه لا يصلها أحد من خلقه. طاف نبينا صلى الله عليه وسلم حول الكعبة، ونظر إليها، فقال: «ما أعظمك وأعظم حرمتك، وما أطيبك وأطيب ريحك، فوالذي نفسي بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، إن الله حرم منك واحدة، وحرم على المؤمن ثلاث: دمه، وماله، وأن يساء به الظن السيئ». نعم، إنما شرفك، يا عبد الله، ومنزلتك يكون بإيمانك، فهذه الرابطة التي يرفع بها العبد رأسًا، لا برابطة أخرى، لا بعنصرية، ولا شعوبية، ولا بقبلية، ولا بنعرات جاهلية. وأيضًا مما يستفاد من هذا الخطاب أنه خطاب خاص بأهل الإيمان، فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، بمعنى: يا أيها المؤمنون، فخرج منهم من ليس منهم، فخرج أهل الكفر والنفاق، وخرج أهل الشرك والشقاق، إذ أن معنى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، هو كل من رضي بالله ربه، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا. فقوله جل في علاه، مثلًا: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام﴾، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾، إنما يخاطب بها، وبكل آية على هذا المنوال، من كان مؤمنًا مسلمًا، فخرج بذلك من كان كافرًا، كفرًا أصغر، كاليهود والنصارى والملاحدة، أو من كان كفره كفر رد، كمن ارتد بأقواله وأفعاله، أو بأفكاره واعتقاداته، فأصبح من أهل الكفر والردة، فخرج من الدين والملة. وذلك كمن يعتقد في السحرة والكهان، أو من ابتلي بسب الرب والدين، أو من اعتقد النفع والضر في الأموات من المقبورين، أو من طعن وقدح في شريعة رب العالمين، أو من استهزأ بالملة ورسولنا الكريم، أو من كان تاركًا للصلاة على قول جماعة من المحققين، فهؤلاء وأمثالهم ليس لهم حظ من هذا الخطاب الكريم: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إذ أنهم ليسوا من عداد المؤمنين، نسأل الله السلامة والعافية. أقول قولي هذا، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه. أما بعد، عباد الله، فلنزن في هذا المقام في ذكر أهم الدلالات والإشارات المستفادة من خطاب رب الأرض والسماوات لعامة المسلمين والمسلمات، إذ وصفهم بالإيمان، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾. وقد ذكرنا مما يستفاد أولًا: أن هذا الخطاب فيه التنبيه والاهتمام، وفيه ثانيًا أنه فيه معنى الثناء والمدح والإكرام، وفيه أيضًا ثالثًا: أنه يختص بمن ثبت على الدين والإيمان. وأيضًا يستفاد رابعًا: أن فيه القيام بما ينبغي به الالتزام، إذ أن هذا النداء: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، يأتي بعده ما يقتضي الإيمان من ضرورة الالتزام بشريعة الله، إما بفعل الأوامر، أو بترك النواهي. وقد صح عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: «إذا سمعت: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فأعرها سمعك، فوإما تؤمر بخير، أو تنهى عن شر». ولهذا ما يأتي هذا النداء في أي موطن من مواطن القرآن إلا جاء بعده أمر أو نهي. وفي ذلك إشارة، يا عبد الله، على أن نعلم أن الإيمان ليس الدعوى يدعيها أحدنا باللسان، لا، وإنما الإيمان دعوة مقرونة بالأعمال، كما قال ربنا: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾، وقال عليه الصلاة والسلام، كما في الحديث المشهور: «قل: آمنت بالله، ثم استقم، ثم استقم». مقطب الإيمان، ورحم الله الحسن حيث قال: «ليس الإيمان بالتمني، ولا بالتحلي، ولكنه ما وقر في القلب، وصدقه العمل». أي نعم، العمل هو المصداق للإيمان، ولهذا ما تجد هذا النداء: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا وتجده بعده الأحكام: ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾. وهكذا قل في كل آية جاءت على هذا المنوال، فإنه يأتي ما يقتضيها من ضرورة الامتثال. وأخيرًا وخامسًا مما يستفاد من هذا النداء: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، ما يكون من علاقته بما يكون من بعده، إذ أن التلازم بينهما، فكل طلب جاء بعد هذا النداء، فإنه يعد سببًا من أسباب زيادة الإيمان. ومن هنا كان الناس يتفاوتون في إيمانهم على قدر تفاوتهم في أعمالهم. فقوله، مثلًا: ﴿يا أيها الذين آمنوا أذكروا الله ذكرًا كثيرًا﴾، وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم﴾، يدلنا على أن ذكر الله، وأن الإنفاق في سبيل الله مما يزيد في الإيمان، وأن العبد كلما زاد ذكرًا، وزاد إنفاقًا، زاد ذلك في إيمانه. وهكذا العكس بالعكس، فمن لم ينتثل بما بعد هذا النداء: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، يدلنا على نقص إيمانه، كقوله مثلًا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة﴾، وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم﴾، يدل على أن المرابي، والمستهزئ بغيره، هو ناقص في إيمانه. وعلى هذا، يا عبد الله، تحكم على كل آية جرت على هذا المنوال، فأصبح هذا النداء معيارًا في تفاضل أهل الإيمان. عباد الله، إن هذه الدلالات والإشارات التي ذكرت في هذا المقام، حري بكل مسلم ومسلمة أن يكون على دراية بها ومعرفة، وأن يستحضرها دائمًا وأبدًا، متى ما تلا كتاب الله، وقرأ قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله جل في علاه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم، رعاكم الله.