التعليق على شرح الأصول الثلاثة للعلامة الجامي 4

التعليق على شرح الأصول الثلاثة للعلامة الجامي 4

الدرس في التعليق على شرح الأصول الثلاثة للعلامة الجامي 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف الإيمان وأقوال العلماء فيه

درس العلامة محمد أمان الجامي شرح رسالة ثلاثة الأصول، وناقش تعريف الإيمان وأقوال العلماء فيه، حيث عرض آراء الجهمية والمرجئة وأهل السنة والجماعة. الإيمان يشمل الأعمال الصالحة وأنه يزيد وينقص حسب الطاعة والمعصية.

تفاصيل الإيمان عند أهل السنة والجماعة

الإيمان عند أهل السنة هو تصديق القلب وعمل بالجوارح وقول باللسان، ويزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. يشمل شعبًا كثيرة، أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، ويتكون من أركان ستة محددة.

أهمية الإخلاص وتجريد المتابعة لرسول الله

يتحدث الدرس عن أهمية تجريد المتابعة لرسول الله وتحقيق الإخلاص لله، ويحذر من الالتفات إلى غير الله ورسوله. العبادة الحقة هي لله وحده، والإيمان يشمل أركانًا ستة يجب الإيمان بها.

التفريغ النصي الكامل

درسوا فضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله في التعليق على شرح رسالة ثلاثة أصول للعلامة محمد بن أمان الجامي رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنواصل إن شاء الله بالقراءة والتعليق بما تيسر برسالة شيخنا العلامة محمد أمان بن علي الجامي رحمه الله تعالى، وشرحه على كتاب ثلاثة الأصول. قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجد عليه رحمة الله: «المرتبة الثانية: الإيمان». قال الشيخ العلامة محمد أمان بن علي الجامي عليه رحمة الله في الشرح: قوله «المرتبة الثانية: الإيمان»، الإيمان كما تقدم أضيق من الإسلام، والذي بعده الإحسان أضيق بأكثر. يجب أن نقف عند الإيمان لنعرف اختلاف أهل العلم في حقيقة الإيمان؛ ليتبين لنا أننا بحاجة إلى تحقيق الإيمان نفسه. الإيمان الذي هو كل شيء عندنا لم يسلم من الاختلاف. ما هو الإيمان؟ الإيمان عند بعض علماء الكلام مجرد المعرفة، أي معرفة الله تعالى، والكفر عندهم الجهل. هذا ما ذهب إليه الجهم بن صفوان. وعلى هذا لا يوجد كافر إلا من هو جاهل، ولا يوجد أجهل بالله من الجهم بن صفوان. لذلك يقال: إنه حكم على نفسه بالكفر من حيث لا يشعر؛ حيث قال: «إن الإيمان هو المعرفة، وإن الكفر هو الجهل». إذا تتبعنا عقيدته، نجده أجهل الناس بالله؛ إذن هو كافر بشهادة نفسه على نفسه. الله سبحانه وتعالى في نظر الجهم بن صفوان والجهمية لا يوصف بصفة، ولا يسمى باسم. أي: ويُود الله عندهم وجود ذهني، ليس له وجود خارجي، الوجود المطلق؛ لأن الموجود في الخارج لا بد أن يوصف بصفة. أما الذي لا يوصف بصفة هو العدم. الموجود لا بد له من صفة، فإذا نفوا عنه جميع الصفات وجميع الأسماء شبهوه بالمعدوم الذي لا يوصف بأي صفة؛ لأنه معدوم. وعلى هذا: جهل بن صفوان هو من أكثر الكافرين بشهادة نفسه على نفسه؛ إذ الإيمان عندهم المعرفة، والكفر الجهل. القول الثاني لأهل الكلام في الإيمان: الإيمان هو التصديق فقط، مجرد التصديق بالقلب بصحة ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو لم ينطق باللسان، ولو لم يقر بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. ظالم ادعى أنه صدق رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم جاء به، فهو مؤمن. القول الثالث: الإيمان هو التصديق والإقرار معًا، أن يصدق بقلبه ويقر بلسانه. هؤلاء جميعًا يقال لهم: المرجئة. ومرجئة الفقهاء أصل منبتهم من الكوفة؛ لأن هذا القول بأن الإيمان هو التصديق أو التصديق والإقرار معًا قول أبي حنيفة، وتبعه في ذلك جميع الكوفيين، ثم انتقل هذا المذهب من الماتريدية للأشاعرة، فصار الإيمان عند جمهور الأشاعرة والماتريدية هو التصديق، وإن توسعوا إلى التصديق والإقرار. الإقرار محل خلاف عندهم. القول الصحيح أن الإيمان عندهم التصديق. وعلى هذا: جميع الأعمال الإسلامية التي في الكتاب والسنة ليست من الإيمان في شيء عند هؤلاء. أخرجوا الأعمال كلها من الإيمان. هذا هو معنى الإرجاء. الإرجاء معناه التأخير. أخروا الأعمال عن اسم الإيمان. لم يدخلوا الأعمال كلها في الإيمان، بل الإيمان إما مجرد التصديق أو التصديق والإقرار. هذا الذي عليه جمهور الأشاعرة، وما عليه أكثرهم، وهو في الأصل عقيدة الماتريدية التابعين للإمام أبي حنيفة في هذه المسألة. خالف الإمام أبو حنيفة الجمهور، جمهور أهل السنة والجماعة، بما فيهم الأئمة الثلاثة وغيرهم. ولكن الذي ينبغي أن يفهمه طلاب العلم أن الإرجاء الذي هو عقيدة أبي حنيفة ومن تبعه غير إرجاء علماء الكلام. لذلك يسمون هؤلاء مرجئة الفقهاء. مرجئتهم للكلام. يرون أنه لا يضر مع الإيمان ذنب، ويرون أن الناس لا يتفاوتون في الإيمان، وأن إيمان الأنبياء ومن بعدهم واحد؛ لأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص عندهم، حقيقة واحدة. هؤلاء مرجئة أهل الكلام. ولكن مرجئة الإمام أبي حنيفة ومن تبعه لا يصلون إلى هذه الدرجة، وإن أخروا الأعمال عن اسم الإيمان. وعلى كل: هذا المذهب خطأ، والصواب هو ما عليه الجمهور، لا لجمهرتهم وكثرتهم، ولكن لكون الدليل معه من الكتاب والسنة. كتاب الله ينطق ويدخل ويعد الأعمال من الإيمان. كذلك السنة. إذا قرأنا قوله تعالى في أول سورة الأنفال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]، ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الأنفال: ٣]، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤]. عدى الله في هذه الآية أعمال القلوب وأعمال الجوارح من الإيمان. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] هذا من أعمال القلوب، ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] من أعمال القلوب، ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الأنفال: ٣] من أعمال الجوارح. إذا أعمال القلوب وأعمال الجوارح داخلتهم يسمى الإيمان. وعلى هذا: يكون التصديق تصديقًا خاصًا. وأخذ المرجئة الإيمان اللغوي الذي هو مجرد التصديق، وأخطأوا في ذلك؛ لأن المراد بالتصديق هنا هو التصديق الشرعي، لا التصديق اللغوي. المعنى اللغوي دائمًا أعم وأشمل من المعنى الشرعي والإصلاحي. الإيمان في اللغة مجرد التصديق. أي شيء صدقته يسمى إيمانًا. وفي الشرع تصديق خاص بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، تصديقًا تصديقه الأعمال؛ لأن تصديق القلب وإن لم يوجد دليل على صحته يعتبر دعوى. ومن ادعى أنه صدق رسول الله عليه الصلاة والسلام في كل ما جاء به، ثم ترك العمل، لا يعمل شيئًا من أعمال الإسلام من صلاة وصيام وزكاة وحج وغير ذلك، لا يعمل ويقول: «أنا مؤمن؛ لأني مصدق»، نقول له: «ائت بالدليل على تصديقك القلبي». ما الذي يصدقه؟ أعمال الجوارح هي التي تصدق ذلك التصديق وتشهد بصحة ذلك التصديق. ومن ادعى بأنه مصدق بقلبه بكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لا يعمل، يقال له: «هذه دعوى، والدعوى لا بد لها من بينة». فأين البينة؟ البينة الأعمال. لذلك يقول بعضهم: «وإذا خلت الهداية قلما نشطت في العبادة الأعضاء». فإذا كانت الأعضاء لا تعمل، لا يصلي ولا يصوم ولا يأمر ولا ينهى ولا يجاهد ولا يطلب العلم، هكذا مصدق، لا يقبل مثل هذا التصديق. وإذا انتشر بين المسلمين -وهذا هو الإيمان الإرجائي- لذلك لو أمرت إنسانًا أو نصحته أو نبهته على ما فعل، فإنه يقول لك: «الإيمان في القلب». هنا الإيمان، ويشير إلى قلبه. والإيمان الذي هنا لو صح ظهر أثره في أعضائك وجوارحك. ولست بصادق تترك الصلاة، فيقال لك: «صل»، فتقول: «لا، الإيمان هنا في القلب»، ليس بصحيح. وعلى هذا: كيف تحاجون الذين يريدون أن يتنازعوا، والذين يحكمون بغير ما أنزل الله؟ تقولون لهم: «أنتم حكام غير مسلمين»، فيقول لك: «أنا مسلم؛ لأني أقول لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأنا مصدق». وأنت معي في هذا التعريف، يحاجك. لكن متى تستطيع أن تقنعه أنه ليس على الإسلام؟ إذا عرفت الإيمان بالتعريف الصحيح. فما هو الإيمان؟ الإيمان عند أهل السنة والجماعة: تصديق القلب، وعمل بالجوارح، وقول باللسان. والتصديق الذي في القلب يشهد بصحته النطق باللسان بقولك: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله». وتصدق كل ذلك الأعمال. الأعمال الجارية على وفق ما جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام. إذن: الإيمان مركب يتألف من أجزاء، من تصديق بالقلب، وعمل بالجوارح، وقول باللسان. ولهذا يشهد الكتاب والسنة. وقد سمعنا من الكتاب الآية، آية الأنفال. واسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وستون شعبة»، رواية البخاري، «أعلاها قول لا إله إلا الله». جعل النطق باللسان من الإيمان، وأعلى درجات الإيمان. هذا مما يذكر في فضل لا إله إلا الله، هذه الكلمة ركن في الإيمان، وركن في الإسلام، وأفضل الذكر. كلمة عظيمة إذا جئت تعدد الإسلام فهي في الطليعة، وإذا جئت تعدد شعب الإيمان فهي في المقدمة، وإذا جئت تعرف أفضل الذكر بعد القرآن فهي لا إله إلا الله. قال المؤلف عليه رحمة الله: «وهو بضع وسبعون شعبة». هذا الذي ذكره المؤلف ورحمه الله تعالى في مبحث الإيمان، وما وقع من الخلاف فيه. الإيمان المرتبة الثانية. وقد جاءت أدلة الكتاب والسنة توضح هذا الإيمان. وأهل السنة والجماعة أخذوا هذا الإيمان وتعريفه من أدلة الكتاب والسنة. فثبتوا بالحق الوسط الذي هو بين الوعيدية والمرجئة، وبين القدرية والجبرية. وضلال من ضل -كما سمعنا في هذه الأقوال المذكورة- هو بسبب ثلاثة أمور: أولها الجهل، ثانيها التقليد، وثالثها الشبه. فهؤلاء لما كان عندهم جهل بأدلة الكتاب والسنة، وما أثر عن سلف الأمة، دخلت عليهم هذه المقولات الضالة. ولما كذلك قلدوا من أخذوا عنهم، تتابعوا في الضلال. فأصل مقولة الجهمية جاءت من بعض الفلاسفة من أهل الهند، ومن ضل من أهل الكتاب، ثم كما نرى تتابعت هذه البدعة حتى دخلت على الكلابية والماتريدية والأشاعرة، وقبلهم المعتزلة. فأقوالهم متقاربة تدور حول المعرفة والتصديق. فأخذوا المعنى اللغوي، وانصرفوا وحرموا المعنى الشرعي. ثم جاءت الشبه حين اعتقدوا أولًا، ذهبوا يستدلون لهذا الاعتقاد، فدخلت عليهم الضلالات التي زادت في انحرافهم وخلافهم. كما ذكر الشيخ رحمه الله في خلاف الأشاعرة والماتريدية في معرفة الإيمان. والخلاصة: أن الإيمان الشرعي اعتقاد بالجنان، وتصديق باللسان، وعمل بالجوارح والأركان. يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان. وينقص بالعصيان. أدلة الكتاب والسنة تدل على ذلك. كما ذكر الشيخ رحمه الله عددًا من الأدلة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]، فالأعمال الصالحة ومنها تلاوة القرآن تزيد في الإيمان، وتركها ينقص في الإيمان. والمعاصي والسيئات تنقص في الإيمان، وتركها يحافظ على ما هو موجود من الإيمان. وهكذا قل: «ثم العمل هو برهان الإيمان». العمل برهان الإيمان. كما يروى عن الحسن بن أبي الحسن البصري: «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل». ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، أي: برهنه. فلا بد من برهان، وتصديق. وأشار الشيخ -وهذه من اللفتة الواقعية التي ينبغي أن نستفيدها من مشايخنا وعلمائنا- إلى حال بعض الناس ومقولاتهم التي منبعها البدع والضلالات. كثير من الناس -كما ذكر رحمه الله- إذا قلت له: «صل»، يقول: «الإيمان ها هنا»، ويشير إلى قلبه. وإذا نصحت أحدًا: «اترك الدخان»، بل ربما حتى المسكرات والمخدرات، ويقول لك: «الإيمان ها هنا». من أين جاء هذا؟ جاء من عقيدة فاسدة أنه يكفي الإنسان التصديق. وهذا خطأ كبير. لا يكفي الإيمان تصديقًا. ما فائدة ما أمر الله عز وجل به من أركان الإسلام والإيمان ومراتب الدين الثلاثة إلا برهان هذا الإيمان؟ أن نبرهن أن الإيمان موجود بتصديقه بالعمل الصالح والاستزادة والمنافسة فيه. فننتبه لمثل هذه الأشياء التي تدخل على بعض العامة، وتحتاج إلى معالجة وتوضيح. والموحد صاحب العلم هو الذي يستطيع أن يعلم الناس وينصحهم ويحذرهم بالحكمة والموعظة الحسنة. قال المؤلف عليه رحمة الله: «وهو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». قال الشارح عليه رحمة الله: قوله «وهو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله». قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق». وهنا يريد سؤال. قال عليه الصلاة والسلام: «أعلاها لا إله إلا الله»، ولم يقل: «محمد رسول الله». فهل يكفي أن نقول: «أشهد أن لا إله إلا الله» وكفى؟ لا. ولو لم يذكر الجزء الثاني، فكأنه مذكور؛ لأن لا إله إلا الله، محمد رسول الله كالجسم والروح، لا يفترقان. لا ينفع قول لا إله إلا الله بدون محمد رسول الله. أي: الشهادة بالوحدانية لا تغني ولا تنفع حتى تشهد برسالة محمد رسول الله، ولو شهدت برسالة محمد رسول الله، لا تنفع الشهادة حتى تشهد قبل ذلك بالوحدانية. هما شيئان في الظاهر، ولكنهما شيء واحد في الحقيقة؛ إذ بينهما تلازم لا يفترقان. لذلك إذا جاء في بعض الأحاديث ذكر لا إله إلا الله ولم يذكر شهادة أن محمدًا رسول الله، كما في هذا الحديث، فليعلم أن ذلك اكتفاء بالمعلوم؛ لأنه من المعلوم أن لا إله إلا الله وحدها لا تغني إلا بإضافة محمد رسول الله. وهي تسمى بجملتها كلمة التوحيد، وكلمة الإسلام، وكلمة الإيمان. مفتاح الجنة. قوله: «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. إماطة الأذى عن الطريق عمل من أعمال الجوارح. جعل النبي عليه الصلاة والسلام ذلك من الإيمان، ومن تمام إيمانك أن تحب لأخيك المسلم ما تحب لنفسك، وأن تكره له ما تكره لنفسك. أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان. وبين أعلاها وأدناها شعب تتفاوت. الصلاة شعبة من الإيمان، الجهاد شعبة من الإيمان، الزكاة شعبة من الإيمان، وطلب العلم شعبة من الإيمان. إذن: الإيمان يتألف من شعب كثيرة، وليس مجرد التصديق، وليس مجرد الإقرار. لذلك فلنسمع هذا التعريف الذي شرح الإيمان من كلام ابن القيم، قال رحمه الله: «الإيمان هو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم علما، وتصديقه عقدا، والإقرار به نطقا، والانقياد له محبة وخضوعا، والعمل به ظاهرا وباطنا، وتمثله والدعوة إليه بحسب الإمكان، وكماله في الحب في الله والبغض في الله والعطاء لله والمنع لله، وأن يكون الله وحده إلهه ومعبوده، والطريق إليه تجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا، وتغميض عين القلب عن الالتفات إلى سوى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم». وهذا هو الإيمان. الإيمان مركب. ومما ينتقده علماء الكلام على أهل السنة: يقولون: «كيف يكون الإيمان مركبًا؛ لأن المركب إذا أزيل بعض أجزائه زال كله؟». وهذا غير صحيح. ما الذي يرد على هذا؟ يرد عليه الحديث السابق الذكر: «الإيمان بضع وستون شعبة». لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الشعب متفاوتة. الشعبة الأولى هي التي يزول الإيمان بزوالها، إذا زالت الشعبة الأولى -شعبة لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله- زال الإيمان كله، لا يبقى شيء. وهل إذا ترك الشعبة الأخيرة -وهل إذا ترك الشعبة الأخيرة، كأن مر الإنسان في الطريق على أذى فلم يزله- هل يزول إيمانه؟ لا. الشعب الأخرى غير الشعبة الأولى، بزوالها ينقص الإيمان بقدر ما يترك الإنسان شعبة من الشعب، وبقدر ما يرتكب من المحرمات والمعاصي ينقص إيمانه، ولا يزول. وإنما يزول بزوال كلمة التوحيد، والكفر بها، والإتيان بما يناقضها. ليس معنى زوالها أنك تقول: «أنا لا أعترف أنه لا إله إلا الله». لا. قد تقول بلسانك لا إله إلا الله، وتأتي بما يناقضها؛ لأن للإسلام نواقض، كما أن للوضوء نواقض. فلو قال رجل مئة مرة: «لا إله إلا الله»، ثم إذا اشتدت به الأمور قال: «أغثني يا فلان، ما لي سواك يا فلان»، انتقض توحيده تمامًا، ولا يبقى عنده شيء، وهو كافر. نفى الله الذي كان يقره بلسانه. هنا يزول الإيمان. لكن إذا ترك شعبة من الشعب -كأن قل حياؤه، فارتكب معصية- فإنه ينقص إيمانه، ولا يزول كليًا. فليفهم هذا جيدًا. وقد يستدل عليك من يرى بأن الأعمال ليست من الإيمان، يستدل بالعطف الذي جاء في القرآن: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التي: ٧]، فيقول: «عطف الأعمال الصالحات على الإيمان يقتضي المغايرة؛ إذن الأعمال الصالحة غير الإيمان؛ لأن الله عطف الأعمال الصالحة على الإيمان». والأعمال الصالحة هي الإسلام. فالعطف يقتضي المغايرة. كأن تقول: «يا زيد وعمر»، فهناك مغايرة. أو تقول: «يا زيد وذهب عمر»، فجاء غير ذهب، وزيد غير عمر، فصح العطف هنا، فاقتضى المغايرة. فإذا قال لك: «﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التي: ٧] يدل على أن الأعمال الصالحة غير الإيمان»، تقول: «المغايرة درجات». صحيح أن العطف يدل على المغايرة، ولكن المغايرة درجات. حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى. أليست الصلاة الوسطى من الصلوات؟ كيف صح هنا؟ ما معنى المغايرة؟ الجواب: من باب عطف الخاص على العام. كذلك العطف هنا -أي في قوله: «وعمل الصالحات»- من باب عطف الخاص على العام؛ لأن الأعمال الصالحة جزء من الإيمان. كما أن الصلاة الوسطى جزء من الصلوات التي أمرنا بالمحافظة عليها. والأمثلة كثيرة في القرآن. ذكر الشيخ رحمه الله هنا فوائد عظيمة يرغب إليها. جهلها الكثير ممن انتسب إلى هذا الدين، بل رؤوس ينتسبون إلى العلم، وهم جهلوا حقيقة العلم. فالإيمان -كما تقدم- قول وعمل. قول وعمل القلب، وقول وعمل الجوارح. فهو قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان. يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان. ومن أدلته هذا الحديث: «الإيمان بضع وستون شعبة». وهي رواية الصحيحين. وجاء عند مسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة». انفرد بها مسلم. حكم عليها بعض أهل العلم بالشذوذ. ومعناها صحيح. ومعنى «بضع وستون»، و«بضع وسبعين»: الصحيح من أقوال أهل العلم ليس عين العدد، وإنما المراد الكثرة. إنما المراد الكثرة. أي: أن شعب الإيمان كثيرة. ولفظ السبعين يرد كثيرًا عند العرب ليعبر به على الكثرة. كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]. ومعناه: إن تستغفر لهم استغفارًا كثيرًا، كثيرًا، كثيرًا، فلن يغفر الله لهم. ومثل: «افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، افترقت النصارى إلى ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمة محمد إلى ثلاث وسبعين فرقة». ومعناه: افترقت اليهود إلى فرق كثيرة، وافترقت النصارى إلى فرق أكثر من اليهود، وستفترق هذه الأمة إلى فرق أكثر من اليهود والنصارى؛ لأنه قال: «٧١، ٧٢، ٧٣». ومعناه: زيادة في الكثرة. وهكذا أيضًا هاهنا: على الصحيح «الإيمان بضع وستون»، وفي رواية: «بضع وسبعون شعبة». فالصحيح أنها ليست معدودة بهذا العدد، ولكن أنها كثيرة. ومن هذا الكثير ما هو أصل زواله يزيل الإيمان -كما أشار الشيخ رحمه الله- مثل كلمة التوحيد: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله». إذا زالت كلمة التوحيد زال الإيمان. ومنها ما هو من مكارم الأخلاق الذي إذا ذهبت لا يذهب أصل الإيمان، ولكن يذهب كمال الإيمان -مثل إماطة الأذى عن الطريق-. ومنها ما هو قلبي، ومنها ما هو عمل جوارح، ومنها ما يكون بالقلب والجوارح. فالإيمان إذن قول وفعل ظاهر وباطن. وكل هذا دل عليه بهذا الحديث المختصر. وهذا من فصاحة وبيان النبي صلى الله عليه وسلم، وما تضمنته اللغة العربية من هذه الفصاحة والبيان. ونبه شيخنا رحمه الله هنا إلى تنبيه مهم، وهو أنه متى ما ذكرت كلمة لا إله إلا الله فإنها تتضمن الشهادة بأن محمدًا رسول الله. تدخل فيها قرينتها التي لا تنفك عنها. فلا يمكن أن تنفك شهادة أن لا إله إلا الله عن شهادة أن محمدًا رسول الله. فمن آمن بالله ولم يؤمن برسالة النبي صلى الله عليه وسلم فهو كافر. ومن شهد أن لا إله إلا الله ولم يشهد أن محمدًا رسول الله فهو كافر. فلا بد من الاتيان بالشهادة كاملة. والتنبيه الثاني: نبه رحمه الله تعالى على تعريف لطيف دقيق للإمام ابن القيم رحمه الله للإيمان وحقيقته. فالإيمان -كما قال رحمه الله- حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم علما، وتصديقه عقدا -أي بالقلب- والإقرار به نطقا، والانقياد له محبة وخضوعا -المحبة الحقيقية تكون بالانقياد-: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. والعمل به ظاهرا وباطنا. فهناك عمل ظاهر، وهناك عمل باطن. وتمثله والدعوة إليه بحسب الإمكان -أي أن يتلبس بهذا العمل قدر المستطاع على وجه الدوام-. وكماله في الحب في الله والبغض في الله -من ليس عنده حب في الله فيوالي أهل الإيمان، وبغض في الله فيجافي أهل الكفر والعصيان، فإن إيمانه فيه نقص- والعطاء لله والمنع لله -كذلك إذا لم يعط لله إيمانه ناقص، ولم يمنع لله إيمانه ناقص- فيعطي ما أمر بالإعطاء -مثل العلم والعمل والدعوة والصبر على ذلك كله- ومنه الصدقة. ليس العطاء فقط في الصدقة، بل الصدقة يدخل فيها العلم التعليم، والعمل الصالح، والاقتداء، والدعوة إلى الله. من أعظم الصدقات. والصبر على ذلك كله. وهكذا أيضًا المنع: أن يمنع مما يجب منعه -الشرك والكفر والبدعة والمعصية- وهكذا أيضًا: شر نفسه عن الناس. وأن يكون الله وحده إلهه ومعبوده -يعني ليس له معبود سواه سبحانه وتعالى- والمعبود والمعبود هو المتوجه إليه محبة وتعظيمًا وخضوعًا وذلًا. فإذا توجه لغيره محبة وتعظيمًا وخضوعًا وذلًا، فقد عبد غيره، ولو زعم أنه لم يعبد. انتبهوا لهذا: من الناس من يعبد غير الله وهو لا يدري. كما قال الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]. كيف اتخذ إلهه هواه؟ بالحب والتعظيم. الحب والتعظيم قدم هوى نفسه على أمر خالقه وربه. إذن: أيهما أحب إليه؟ ها هو النفس. وهكذا أيضًا الذي يقدم ما للولي فيجعل أفضل ما يملك للولي. وماذا يقدم لله؟ لا شيء. التعظيم الحقيقي أين وقع؟ لله ولغير الله؟ لغير الله. تعظيم الحقيقي وقع لغير الله. وهكذا قل: «والطريق إليه تجريد المتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا». التجريد هو الذي يوضح لك الطريق الصحيح. ولهذا: من لم يعرف السنة علمًا وعملًا، لا يمكن أن يسلم له الإسلام الصافي النقي. وأكثر ضلال من ضل من أهل البدع: أنهم لم يحققوا هذا التجريد. تجريد التوحيد باتباع النبي صلى الله عليه وسلم. تجريد الصفاء والنقاء بهذا الدين باتباع النبي صلى الله عليه وسلم. تجريد الطاعة بالتقوى باتباع النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا قل: «وتغميض عين القلب عن الالتفات إلى سوى الله ورسوله». القلب له بصر يسمى بصيرة. كما أن العين لها رؤية تسمى بصر. فكذلك للقلب رؤية تسمى بصيرة. فبصيرة القلب إذا التفتت إلى غير الله كان هذا مزاحمًا ومنافيًا للإخلاص لله عز وجل، فينقص الإيمان. ولذلك الإنسان في الصلاة إذا التفت قلبه إلى غير الله في الصلاة نقص أجره في الصلاة. وهكذا أيضًا إذا رجى العبد غير الله في سؤاله، قل توحيده، وقلت عبوديته لربه وخالقه. إذا أنت تعتقد حقًا وصدقًا أن الله عز وجل وحده المتفرد في الصفات الجلال ونعوث الكمال، وأنه المتفرد بمعاني الربوبية وحقوق الألوهية، فتوجه إليه بقلبك وحده، ولا تلتفت إلى غيره؛ لعلمك أنه بيده كل شيء. فمن ترجوه من المخلوقين إنما هم مربوبون لله. إذا شاء سيّرهم، وقيدهم لك، وسخرهم خدمة لك سبحانه وتعالى. فإذا حتى لو جعلوا أسبابًا، فتوجه إلى مسبب الأسباب وربها، ليس إلى الأسباب. ثم نبه الشيخ رحمه الله تعالى إلى تنبيه لطيف فيما يتعلق بالشبه التي يثيرها أهل الباطل. ومنها الاستدلال بعطف العمل الصالح على الإيمان أنه على المغايرة؛ ليريدوا بذلك أن يحصروا الإيمان بالتصديق والمعرفة، ويخرجوا العمل الصالح من الإيمان. ولكن كما بين الشيخ بكل يسر وكل سهولة لمن عنده معرفة بالعلم الصحيح: أن العطف المغاير أنواع. ومنها عطف الخاص على العام. حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى. أليست الصلاة الوسطى من الصلوات؟ كيف صح هنا؟ ما معنى المغايرة؟ الجواب: من باب عطف الخاص على العام. كذلك العطف هنا -أي في قوله: «وعمل الصالحات»- من باب عطف الخاص على العام؛ لأن الأعمال الصالحة جزء من الإيمان. كما أن الصلاة الوسطى جزء من الصلوات التي أمرنا بالمحافظة عليها. قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجد عليه رحمة الله: «وأركانه ستة: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره». والدليل على هذه الأركان الستة: قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. قال الشارح عليه رحمة الله: قوله «أركانه ستة: أن تؤمن بالله وملائكته». أن تؤمن وتصدق وتسلم لله. تؤمن لله بوجوده، بربوبيته، بألوهيته، وبأسمائه وصفاته. وتؤمن بالملائكة بأنهم موجودون، جند من جنود الله تعالى. من سمعت وعلمت أسماءهم آمنت بهم بالتفصيل، وما لا فبالجملة. قوله: «وكتبه». والكتب المنزلة بما في ذلك القرآن. وتؤمن بأن الكتب المنزلة كلها كلام الله، وليست مخلوقة -كما يقول علماء الكلام، كما يقول علماء الكلام بما فيهم الأشاعرة-: القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور. هذه الكتب من كلام الله؛ لأن كلام الله لا نفاد له. ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]. كلام الله لا نهاية له. الله خاطب نوحًا، وكلم موسى، وكلم محمدًا