شرح تطهير الإعتقاد 9

الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 9، ألقاها

إقرار المشركين بتوحيد الربوبية

المشركون كانوا يقرون بأن الله هو الخالق والرازق والمدبر، ويعترفون بتوحيد الربوبية. هذا الإقرار كان يستخدمه الرسل كدليل لإثبات توحيد الألوهية.

شرك المشركين في توحيد الألوهية

على الرغم من إقرار المشركين بتوحيد الربوبية، إلا أنهم أشركوا مع الله غيره في العبادة باتخاذهم آلهة أخرى وشفعاء. هذا الشرك وقع في توحيد الألوهية.

دعوة الرسل إلى توحيد الألوهية واستدلالهم بتوحيد الربوبية

الرسل كانت تدعو الناس إلى توحيد الألوهية وتستدل على ذلك بتوحيد الربوبية الذي كان مقرًا به لدى المشركين. التوحيد ينقسم إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية.

عجز المخلوقات وعدم استحقاقها للعبادة

المخلوقات لا تستحق العبادة بسبب عجزها وعدم قدرتها على الخلق أو التدبير. المشركون كانوا يعترفون بعجز آلهتهم عن التصرف.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، توقفنا في درسنا الماضي عند قول الإمام الصنعاني رحمه الله: «وبهذا يعرف أن المشركين لم يتخذوا الأصنام والأوثان، ولم يعبدوها، ولم يتخذوا المسيح وأمه، ولم يتخذوا الملائكة شركاء لله تعالى؛ لأجل أنهم أشركوا في خلق السماوات والأرض -يعني في نسختنا: أشركوه- وفي النسخة الأخرى: الذي قلنا على الصواب؛ لأجل أنهم أشركوهم في خلق السماوات والأرض، وفي خلق أنفسهم، بل اتخذوهم لأنهم يقربون إلى الله زلفا، كما قالوه، أي في قول الله جل وعلا، مخبرًا عن المشركين: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفا﴾، فهذا خبر إخبار من المشركين أنهم إنما يعبدون من يعبدون من المعبودات؛ لا لأنها تخلق، ولا لأنها ترزق، ولا لأنها بيدها النافع المطلق والضر المطلق، ولكن عبدوها لأجل أن تقربهم إلى الله جل وعلا زلفا». قال: «كما قالوا، فهم مقرون بالله في نفس كلمات كفرهم، أي: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله﴾، فهم معترفون بالله، مقرون بالله، يريدون أن نفع من الله أو دفع الضر من الله، لكن اتخذوا من اتخذوا من الآلهة وصائط فيما بينهم وبين الله جل وعلا، فأشركوا بالله جل وعلا بهذا الاعتبار». قال رحمه الله تعالى: «وأنهم شفعا عند الله». قال الله تعالى: ﴿قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون﴾. قال ربنا جل وعلا هذا بعد أن أخبر عنهم بأنهم كما قال الله جل وعلا: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾، ما الله جل وعلا؟ ﴿قل أتنبئونه بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون﴾. إذن، شرك المشركين بالله جل وعلا لم يكن من جهة توحيد الربوبية؛ لأنهم مقرون بأن الله جل وعلا الخالق الرازق المدبر، ولكن شركهم وقع من جهة توحيد الألوهية؛ إذ أنهم جعلوا مع الله جل وعلا آلهة يتقربون إليها بأنواع من القربات؛ لأجل أن ترضى عنهم تلك الآلهة، فإذا رضيت عنهم تلك الآلهة كانت لهم شفعاء عند الله جل وعلا، وكانت لهم كذلك وصائط تقربهم إلى الله جل وعلا. فشرك المشركين كان سببه اتخاذ هؤلاء الوسائط التي تقربوا إليها وعبدوها؛ لأجل أن ترضى عنهم فتكون واسطة بينهم وبين الله جل وعلا؛ لا أن المشركين أشركوا في أن غير الله جل وعلا يخلق كخلق الله، أو يرزق كرزق الله، أو ينفع ويضر كنفع الله جل وعلا أو ضره. قال رحمه الله: «قال: فجعل الله تعالى اتخاذهم لشفعاء شركا»، أي في قول الله جل وعلا: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾، قال الله جل وعلا: ﴿قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون﴾، فسمى الله جل وعلا اتخاذهم الشفعاء -الذي يظنون أنهم ينفعونهم عند الله جل وعلا، وأن شفاعتهم واجبة على الله جل وعلا لمكانتهم ولجاههم إلى غير ذلك من المعاني- شركًا. ونزه نفسه عنهم، أي عن الشركاء، أن يكون له سبحانه وتعالى شريك؛ لأنه لا يشفع عندهم أحد إلا بإذنه، فكيف يثبتون شفعاء لهم لم يأذن الله لهم في شفاعة، ولا هم أهل لها، ولا يغنون عنهم من الله شيئًا. قال: «ولا هم أهل لها باعتبار أن هؤلاء الذين اتخذوا من اتخذوا شفعاء، هؤلاء لا يملكون الشفاعة؛ لأن الشفاعة إنما هي ملك لله رب العالمين جل وعلا، كما قال الله جل وعلا: ﴿قل لله الشفاعة جميعا﴾، فالشفاعة ملك لله جل وعلا، فلا تسأل من غير الله جل وعلا، ولا يعطاها أحد إلا بإذن الله جل وعلا». فكون هؤلاء المشركين اتخذوا مخلوقات فجعلوها شفعاء، كأنهم جعلوا تنصيب الشفعاء عائدًا إليهم وملكًا لهم من دون الله جل وعلا، كما هو حال من كما هو حال أهل الأرض فيما بينهم البين. وهذا فيه تنقص لجناب الرب جل وعلا. وأمر آخر: أنهم كذلك أشركوا في تقربهم وعبادتهم لأولئك شفعاء، تقربوا إليهم. ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفا﴾، فهم أخبروا بأنهم يعبدونهم، أي صرفوا لهم العبادة؛ لأجل ماذا؟ هل لأنهم ينفعون أو يضرون بذواتهم، أو أنهم يملكون الخلق أو الرزق أو غير ذلك؟ الجواب: لا؛ لأجل أن تقربهم تلك الآلهة إلى الله رب العالمين جل وعلا، فكان ذلك من جملة الشرك، فكان ذلك من جملة الشرك بالله جل وعلا. وخلاصة هذا الأصل: أن التوحيد على قسمين كما تقدم: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وأن توحيدًا، وأن ربنا تبارك وتعالى أرسل رسله بتقرير توحيد الربوبية وبالدعوة إلى توحيد الإلهية؛ لأنه هو الذي وقع فيه الشرك بالله جل وعلا، أشرك من أشرك من المشركين بالله جل وعلا في عبادة الله جل وعلا. أما في باب الربوبية فإنهم يقرون بأن الله جل وعلا هو الخالق الرازق المدبر. قال رحمه الله تعالى: «الأصل الرابع: أن المشركين الذين بعث الله الرسل إليهم مقرون أن الله تعالى خلقهم». قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾، وهذا دليل واضح على أن المشركين يقرون بأن الله جل وعلا خالقهم. قال: «وأنه الذي خلق السماوات والأرض». قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم﴾، فهم يقرون كذلك بأن خلق السماوات والأرض من الله جل وعلا، فالله جل وعلا هو الذي خلقها. قال: «وبأنه الرازق الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، وأنه الذي يدبر الأرض، وأنه الذي يملك السمع والأبصار والأفئدة». قال سبحانه: ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون﴾، وهذا تقرير لما عليه المشركون، فهم يقرون بهذه الأمور كلها من أمور الربوبية: بأن الله جل وعلا الخالق، بأن الله جل وعلا الرازق، بأن الله جل وعلا المدبر، بأن الله جل وعلا المحيي المميت. ولكنهم أشركوا مع الله جل وعلا غيره في باب عبادة الله جل وعلا، أما في ربوبية الله جل وعلا فهم مقرون بذلك، كما هو صريح القرآن، أي يدل على هذا. قال: «وقوله تعالى: ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون﴾». وهذه تقريرات من الله رب العالمين جل وعلا لما عليه أهل الإشراك، لما عليه أهل الإشراك من الإقرار بتوحيد الربوبية. لذا كما ترون، ومر معنا: أن الله جل وعلا يحتج عليهم بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية. قال رحمه الله تعالى: «وفرعون مع غلوه في كفره ودعواه أقبح دعوة، ونطقهم بالكلمة الشنعاء: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾، وقوله: ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾، كلمات شنعاء تفوه بها ذلك المجرم الأثيم». ومع هذا قال: «يقول الله في حقه، حاكيًا عن موسى عليه السلام: ﴿لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر﴾»، فهذا تقرير من موسى عليه السلام لفرعون من أن رب موسى عليه السلام هو رب السماوات والأرض، وبدأ المحاجة لفرعون بقوله: ﴿لقد علمت﴾، أي تيقنت ذلك وإن أظهرت خلاف ذلك: ﴿لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر﴾. قال: «وقال إبليس: ﴿إني أخاف الله رب العالمين﴾، فإبليس وهو رأس الشر يقر بتوحيد الربوبية. وقال: ﴿رب بما أغويتني﴾، يقر كذلك بتوحيد الربوبية. وقال: ﴿رب فأنظرني﴾، فهو يقر بتوحيد الربوبية، ومع هذا هو رأس الكفر ورأس الشر؛ لأنه نقض ما أقر به بأن أشرك بالله جل وعلا، وأن استكبر عن أمر الله جل وعلا». قال: «وكل مشرك مقر بأن الله خالقه وخالق السماوات والأرض وربهن وربما فيهن ورازقهم». ولذا تحتج عليهم الرسل بقولهم -أي الرسل تحتج على المشركين بقولهم-: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾، أي: أنتم تعبدون آلهة مع الله جل وعلا، وأنتم تعلمون بأن الله جل وعلا وحده الخالق، أفمن يخلق كمن لا يخلق؟ فإذا كان الأمر ليس كذلك، فمن المستحق العبادة؟ من يخلق أم من لا يخلق؟ قالوا بقولهم: ﴿إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له﴾. ففيه أن الرسل كانت تحتج عليهم بتوحيد ربوبية على توحيد الإلهية، وأن من عبدوه سوى الله جل وعلا، أو ما عبدوه سوى الله جل وعلا، لا يخلق، لا يرزق، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلًا عن أن يملك لغيره نفعًا أو ضرًا. ومن كان كذلك، أو وما كان كذلك، فإنه لا يستحق أن يعبد، ولا يستحق كذلك أن يشرك به مع الله رب العالمين جل وعلا. قال: «والمشركون مقرون بذلك لا ينكرونه»، أي: بأن الله يخلق، وما سواه لا يخلق، بأن الله جل وعلا يملك، يدبر بيده كل شيء، وما سواه لا يستطيع كشف الضر عن نفسه، ولا تحويلًا. والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على