الدرس في كتاب الطهارة 3، ألقاها
المقطع يشرح حديث النبي حول تأثير النجاسة على الماء القليل والكثير، ويتناول اختلاف العلماء في تحديد قدر القلتين. يبين أن الماء إذا كان قلتين لم ينجس.
اختلف العلماء في حكم الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة، فذهب الجمهور إلى نجاسته بينما ذهب الإمام مالك وابن تيمية إلى طهارته إذا لم تتغير أوصافه.
نهى النبي عن الاغتسال في الماء الدائم للجنب وعن البول فيه ثم الاغتسال، ويعتبر هذا النهي للتحريم أو الكراهة عند العلماء.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الحافظ بن حجر رحمه الله بكتابه «بلوغ المرام»: وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث»، وفي لفظ «لم ينجس». أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة والحاكم وابن حبان. هذا الحديث يرويه عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو ابن عمر بن الخطاب العدوي القرشي، من المكثرين عن النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث، وهو أيضًا ممن رووا فوق الألف عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة رضي الله عنه، شهد أول المشاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم الخندق. قال: عُرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. في هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الماء إذا كان قلتين لم يحمل الخبث، وفي لفظ «لم ينجس». وهذا الحديث أخرجه الأربعة، ومن هم الأربعة؟ نعم، أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، أصحاب السنن الأربعة. واختلف في صحة هذا الحديث، وأكثر الحفاظ على تصحيحه. فقط ضعفه الطحاوي والذهبي والنووي، وكذلك الشافعي وأحمد والدارقطني. وهكذا يظن شيخ الألباني رحمه الله. وفي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث»، وفي لفظ «لم ينجس». إذا كان الماء قلتين يعني قدره، وقدر القلتين اختلف في تحديدهما. منهم من قال: هي قِلال هجر، وقد جاء ذكرها في بعض الروايات بتحديدها بقِلال هجر، لكن لا تصح، فقد تفرد بذلك المغيرة عن ابن إسحاق، وهو منكر الحديث، فلا يصح. لكن أقرب الأقوال كما ذكر أهم العلماء أن قدر القلتين هي قدر خمسمائة رطل عراقي، يعني مقدارها باللترات نحو ثلاثمائة وسبعة لترات. يكون هذا قدر القلتين، والتقدير بالقلتين يعني أن يجعل هذا هو حد الكثير. هذا هو حد الكثير الذي لا تؤثر فيه النجاسة، هو قدر القلتين. هذا قول الإمام أحمد والشافعي. ذهب الإمام أحمد والشافعي إلى أن الماء إذا كان قلتين فوقعت فيه النجاسة فإنه لا تؤثر فيه. وذهب أبو حنيفة إلى أن الماء الكثير حده الذي إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الآخر. قال: هذا هو حد الكثير، وإذا تحرك فهو قليل. جعل هذا الحد في التفريق بين القليل والكثير. إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الآخر، وإذا تحرك فهو القليل. وهذا بالحقيقة ليس عليه دليل في التفريق بين القليل والكثير. ثم إن الناس يختلفون في القوة، فرب رجل قوي يحرك الماء بقوة فيتحرك الطرف الآخر، وآخر ضعيف يحرك الطرف ولا يتحرك الطرف الآخر. وذهب صاحبا أبي حنيفة، وهما أبو يوسف ومحمد الشيباني، إلى أن حد الكثير ما كان عشرة أذرع. إذا كان الماء عشرة أذرع من جميع جوانبه الأربعة، يعني عشرة في عشرة، فهذا هو الكثير. وإذا كان أقل من عشرة أذرع فهو القليل. هؤلاء قالوا: إن الماء إذا كان كثيرًا ووقعت فيه النجاسة فإنها لا تؤثر فيه، يعني إذا كانت النجاسة قليلة ولم تؤثر في الماء فهو طاهر. وأما إن كان الماء أقل من ذلك، أقل من هذا الكثير، فإذا كان الماء أقل من قلتين -على قول أحمد والشافعي- أو كان أقل من عشرة أذرع -على قول صاحبي أبي حنيفة- أو كان يتحرك أحد طرفيه -على قول أبي حنيفة- وإن لم تؤثر فيه فهو نجس. واضح؟ قالوا: الماء إذا كان قليلًا، ما هو حد القليل؟ في قول أحمد والشافعي ما كان دون القلتين هذا قليل. إذا وقعت فيه نجاسة ولم تؤثر فيه فهو نجس. مثلًا قطرات من البول وقعت فيه ما قد بلغ القلتين، مثلًا لم تؤثر فيه، هذا طاهر لا إشكال. نفس القطرات وقعت فيه ما دون القلتين، وقعت فيه ما دون القلتين، يعني مثلًا الآن على تحديد القلتين بأنهما ثلاثمائة وسبعة لترات، إذا وقعت فيه قطرات من البول لم تؤثر فهو طاهر إذا كان ثلاثمائة وسبعة لترات، ووقعت فيه قطرات نفسها ولم تؤثر، قالوا: هو نجس. لماذا؟ لأنه دون القلتين. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث»، يعني لم تضره النجاسة وتتلاشى هذه النجاسة في هذا الماء لكثرته. مفهوم الحديث، مفهوم المخالفة، أن الماء إذا كان دون القلتين فإنه يحمل الخبث. فهم عملوا بهذا المفهوم، أن الماء إذا كان قليلًا فوقعت فيه النجاسة فإنها تؤثر فيه، ويحكمون بنجاسة الماء وإن لم يكن لهذه النجاسة أثر. هذا قول أحمد والشافعي وأبي حنيفة. هؤلاء الثلاثة ذهبوا إلى أن الماء القليل إذا وقعت فيه النجاسة وإن لم تؤثر فيه فهو نجس. ذهب الإمام مالك رحمه الله، ورواية عن الإمام أحمد، وهو أيضًا قول الظاهرية، وترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، إلى أن العبرة بالتغير. فالماء الذي وقعت فيه النجاسة ولم تؤثر فيه فهو طاهر، سواء كان قليلًا أو كثيرًا. فهذا الماء القليل الذي هو دون القلتين أو أقل من ذلك، إذا وقعت فيه النجاسة ولم تؤثر فيه فهو باق على طهوريته. هذا هو القول الصحيح، أن العبرة بالتغير. والدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الماء طهور لا ينجسه شيء»، مع إجماع أهل العلم على أن النجاسة إذا وقعت في الماء فأثرت في الماء بأحد أوصافه الثلاثة: لونه أو طعمه أو ريحه، فهو نجس. فعلى هذا، إذا لم تؤثر فهو طاهر. لكن إذا أثرت في الماء الكثير فإنه ينجس. الأئمة الأربعة يتفقون جميعًا على أن النجاسة إذا وقعت في الماء وأثرت فيه، وهو مثلًا قلتين أو أكثر، فإنه ينجس. نأتي إلى مفهوم الحديث: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث». هذا منطوق الحديث، مفهومه أنه إذا كان دون القلتين فهو يحمل الخبث. كيف نوجه هذا المفهوم؟ نقول: هذا المفهوم عارضه ماذا؟ منطوق حديث أبي سعيد: «الماء طهور لا ينجسه شيء». منطوق حديث أبي سعيد أن الأصل في الماء الطهارة، وأنه لا ينجسه شيء وإن لاقته النجاسة إلا إذا تغير، كما هو في إجماع أهل العلم. فإذا حينئذ يكون منطوق حديث أبي سعيد مقدمًا على مفهوم حديث ابن عمر؛ لأن المنطوق أقوى من المفهوم. منطوق حديث أبي سعيد أقوى من مفهوم حديث ابن عمر. وإذا تعارض المنطوق والمفهوم، فيقدم المنطوق؛ لأن دلالته أقوى من دلالة المفهوم. فمفهوم حديث ابن عمر أن الماء إذا كان دون القلتين أنه يحمل الخبث، فهذا معارض بحديث أبي سعيد. منطوق حديث أبي سعيد: «الماء طهور لا ينجسه شيء». نعم، إذن الخلاصة أن العبرة بالتغير، متى يتأثر الماء بالنجاسة؟ نقول: إذا تغير، إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة: لونه أو ريحه أو طعمه، واضح، سواء كان كثيرًا أو قليلًا، فالعبرة هو بالتغير. هذا هو القول الصحيح. قالوا: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب». أخرجه مسلم. وللبخاري: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه». ولأبي داود: «ولا يغتسل فيه من الجنابة». هذا الحديث فيه نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن الاغتسال في الماء الدائم وهو جنب، أن يغتسل المرء في الماء الدائم وهو جنب. وهذا نهي، لا ناهية، ولهذا جزمت الفعل المضارع بعده. وقوله: «الماء الدائم»، أي الماء الذي لا يجري، الماء الساكن كمياه البرك ونحوها. وجاء تفسيره في الرواية الأخرى: «الذي لا يجري». قال: «وهو جنب»، يعني حال كونه جنبًا. والجنب من أصابته جنابة إما باحتلام أو جماع. نهى النبي عليه الصلاة والسلام من كان جنبًا أن يغتسل في الماء الدائم، أي الماء الذي لا يجري. وفي الرواية الأخرى التي للبخاري قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه». نهى أن يبول المرء في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه، يعني ينغمس في داخل هذا الماء بعد أن يبول فيه. ولأبي داود قال: «ولا يغتسل فيه من الجنابة». فهذه الروايات بمجموعها تدل على نهي الجنب أن يغتسل في الماء الدائم، وكذلك أيضًا تدل على النهي أن يبول المرء في الماء الدائم ثم يغتسل فيه، أي ينغمس فيه أو يغترف من هذا الماء ويغتسل. وفي رواية أبي داود تدل على الجمع بين الأمرين: أن يبول ويغتسل فيه وهو جنب. فهذا الحديث فيه النهي عن هذا الفعل، وهو الاغتسال في الماء الدائم وهو جنب، أو البول في الماء الدائم ثم يغتسل فيه أو يغتسل منه. وهذا النهي الأصل في النهي أنه للتحريم. وذهب إلى التحريم الإمام أحمد رحمه الله، وكذلك داود الظاهري. وذهب الجمهور إلى أن النهي للكراهة. والأصل في النهي أنه للتحريم، فيدل ذلك على النهي أو حرمة الاغتسال -اغتسال الجنب- في الماء الدائم، وكذلك أيضًا حرمة البول في الماء الدائم. لماذا؟ لأن هذا سبب لتلويث الماء، وإن لم يتنجس الماء، لكن هذا وسيلة إلى تنجيس الماء. فإذا بال هذا وبال ذاك وبال الثالث، ستؤثر هذه النجاسة في الماء فيتنجس الماء بعد ذلك. وإن لم يتنجس فهو تلويث وتقذير للماء، وكذلك أيضًا فيه أذية للآخرين، فربما يأتي غيرك يريد أن يتوضأ أو يغتسل بهذا الماء فيجد أن الماء قد تلوث. وأذية المسلم لأخيه لا تجوز. فلما كان الأمر كذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن هذا الفعل. ثم أيضًا أنه لا يصدر مثل هذا الفعل عن عاقل، إنسان يريد أن يستعمل الماء ليتطهر به فيبول فيه ثم ينغمس فيه ليغتسل ويرفع عن نفسه الجنابة أو يتنظف، هل هذا يفعله عاقل؟ الجواب: لا، هذا لا يصدر من عاقل يفعل مثل هذا الفعل. فلهذا نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. إذن لا يجوز للجنب أن يغتسل في الماء الدائم، ولا يجوز كذلك أن يبول المرء في ماء دائم، ولا يجوز أن يبول في ماء دائم ثم يغتسل فيه أو يكون جنبًا ويغتسل في الماء. كل هذا منهي عنه؛ لأن هذا كما سمعنا سبب لتلويث وتقذير الماء. طيب إذا بال خارج الماء، إذا بال خارج الماء، بال في قصعة ثم صب البول في الماء، هل يختلف الحكم؟ الجواب: لا، لا يختلف. خلافًا لبعض الظاهرية قالوا: إذا بال خارج الماء في قصعة ثم صبه لا بأس ما يضر. الحديث فيه النهي أن يبول مباشرة في الماء. والصواب أنه لا فرق بين أن يبول في داخل الماء أو يبول خارج الماء في قصعة أو يبول في موضع قريب من الماء ثم يسير البول إلى أن يقع في الماء، كل هذا منهي عنه. وهكذا أيضًا ما هو أشد من البول كالغائط، كذلك أيضًا لا يجوز أن يتغوط في الماء الدائم؛ لأن الغائط أشد أذى من البول. فإذا كان البول لا يجوز فالغائط من باب أولى أنه لا يجوز. ويستفاد من هذا أن الماء القليل مظنة لتأثره بالنجاسة، فلأجل هذا نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا الفعل، أن يبول الإنسان في ماء دائم. أما إذا كان الماء يجري، كما في الأنهار أو البحر، فهذا لا بأس، وإنما النهي عن الماء الراكد الساكن الذي لا يجري. نكتفي بهذا القدر، إن شاء الله، إلى هنا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.