الدرس في كتاب الطهارة 18، ألقاها
يشرح هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الاقتصاد في استعمال الماء للوضوء والغسل، ويبين أن الاقتصاد في الماء مستحب وليس بخلا. يحذر من الإسراف في الماء مستندا إلى حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
يشرح استحباب قول ذكر معين بعد الوضوء، وهو "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله". يبين فضل هذا الذكر حيث تفتح له أبواب الجنة الثمانية.
يناقش صحة أدعية الوضوء، ويشير إلى أن بعض الأذكار تفتح له أبواب الجنة الثمانية. كما يشير إلى الدرس القادم الذي سيتناول موضوع المسح على الخفين.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه «بلوغ المرام»، في كتاب الطهارة، في باب الوضوء: قال وعنه -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، متفق عليه. وعنه، أي عن أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- قال، مخبرا عن هدي النبي عليه الصلاة والسلام في وضوئه واغتساله في استعمال الماء: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد. المد كما نعلم: من كفي الرجل المعتدل، والصاع أربعة أمداد. الصاع أربعة أمداد. في هذا الحديث بيان اقتصاد النبي عليه الصلاة والسلام في استعمال الماء في الوضوء، فكان يتوضأ عليه الصلاة والسلام بالمد، من كفي الرجل المعتدل، فيتوضأ به. وهذا فيه استحباب الاقتصاد في استعمال الماء في الوضوء، استحباب الاقتصاد في استعمال الماء في الوضوء. وهكذا أيضا في الغسل، فكان يغتسل بالصاع، كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، يعني نحو أربعة أمداد إلى خمسة أمداد، كان يغتسل بها عليه الصلاة والسلام. فهذا الحديث يعتبر أصلا في الدلالة على الاقتصاد، فاقتصاد في استعمال الماء مستحب، وهو من هدي النبي عليه الصلاة والسلام. ولا يكون ذلك بخلا، بعض الناس ربما إذا رأى رجلا يقتصد في استعمال الماء في الوضوء يقول: الله، هذا بخيل، أو نحو ذلك من العبارات. لا، هذا هو السنة، السنة الاقتصاد في استعمال الماء والتقليل منه قدر المستطاع، بما يحصل به المقصود من إسباغ الوضوء وإتمامه، من غير إسراف ولا تبذير، هذا هو هدي النبي عليه الصلاة والسلام. فالإسراف في استعمال الماء لا يجوز، ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. وأما الحديث المشهور في النهي عن الإسراف في الماء ولو كنت على نهر جار، فهو ضعيف، لكن معناه في الجملة صحيح، أن ترك الإسراف والتبذير مطلوب. وهكذا أيضا فيما يتعلق بالوضوء والغسل، فإن اغتسل الإنسان بالرشاش -الرشاشات الحديثة الآن- يفتح الحنفية وينزل الماء ويصب على رأسه، كيف يقتصد في هذا؟ يقلل، يقلل من فتح الرشاش، بحيث أن الماء يخرج بشيء من القلة، فلا يكون فيه إسراف، بما يحصل به المقصود من تعميم البدن بالغسل، وبهذا يكون اقتصد في استعمال الماء. وهل معنى هذا الحديث أنه لا يزيد على هذا القدر؟ لا يجوز الزيادة، يحتاج أن يزيد، لا بأس، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه زاد على هذا القدر في بعض الأحيان. ففي بعض الأحيان قد يحتاج أن يزيد بإزالة شيء علق في بدنه أو في ذراعه أو في قدمه، فيحتاج إلى زيادة في استعمال الماء حتى يزول، فلا بأس، لكن في الأغلب والأكثر يكون نحو هذا القدر. قال رحمه الله: عن عمر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء»، أخرجه مسلم والترمذي. وَزَادَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ». هذا الحديث حديث عمر -رضي الله عنه- في استحباب الاتيان بهذا الذكر والدعاء بعد الفراغ من الوضوء. «ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء»، إسباغ الوضوء بمعنى إتمامه وإكماله، بأن يعطى كل عضو حقه في الغسل. فإذا فرغ من وضوئه قال: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، أشهد أي أقول معترفا بلساني، أو ناطقا بلساني، مقرا بقلبي، أنه لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله، وحده تأكيد للإثبات، إثبات الألوهية لله جل وعلا، ولا شريك له تأكيد للنفي. «وأشهد أن محمدا عبده ورسوله»، كذلك أقول ناطقا بلساني، مؤتقدا أو مقرا بقلبي، أن محمدا -أي محمدا- عبد الله الذي بعثه الله عز وجل بالنبوة والرسالة، عبده ورسوله، هو عبد الله جل وعلا فلا يعبد، وهو رسوله فلا يكذب، فتعتقد ذلك ناطقا بلسانك، مؤتقدا بقلبك. فإذا قال ذلك، قال: «إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية»، يعني إذا قال هذا الدعاء: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله»، قال: «إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء». فهذا الحديث فيه استحباب هذا الذكر بعد الفراغ من الوضوء، استحباب هذا الذكر بعد الفراغ من الوضوء. ولعظم هذا الذكر وما اجتمع عليه من كلمات عظيمة، إذ فيه أفضل الذكر، وهو شهادة التوحيد: لا إله إلا الله. فإذا قالها العبد بعد فراغه من وضوئه، كان له من الأجر والثواب أن تفتح له أبواب الجنة. وهذا فيه دليل أن الجنة مخلوقة موجودة الآن، كما هو اعتقاد أهل السنة والجماعة، خلافا للمعتزلة ومن نحا نحوهم من إنكار ذلك. فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن من قال هذا الدعاء فتحت له أبواب الجنة الثمانية، إذن هي موجودة، وقد خلقها الله عز وجل، وتفتح أبوابها لمن قال هذا الدعاء. وفيه أيضا أن أبواب الجنة ثمانية، أن أبواب الجنة ثمانية، قال: «يدخل من أيها شاء». ورواية الترمذي: «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين»، اختلف أهل العلم في هذه الزيادة، هل هي ثابتة أم لا؟ والأرجح من أقوال أهل العلم أن هذه الزيادة غير ثابتة، قد حكم عليها الحافظ ابن حجر رحمه الله بالاضطراب. فشيخ الترمذي، وهو محمد بن جعفر، لم يضبط الإسناد، إسناد هذه الرواية. وأخرج الحديث غير الإمام الترمذي رحمه الله، ولم تذكر هذه الزيادة إلا عند الترمذي، لم تذكر هذه الزيادة إلا عند الترمذي، فهي زيادة لا تصح. وهل صح دعاء آخر غير هذا الدعاء؟ الجواب: نعم، جاء عند الحاكم من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من توضأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك»، قال: «إلا كتب في رق ثم طبع بطابع، فلم يكسر إلى يوم القيامة». وهذا الحديث رواه كذلك الإمام النسائي في «عمل اليوم والليلة»، وكذلك أيضا رواه ابن ماجه. والصواب فيه الوقف، أنه موقوف على أبي سعيد من قوله، لكن له حكم الرفع، له حكم الرفع، كما قال العلامة الألباني رحمه الله، لأن مثل هذا لا يقال بالرأي، مثل هذا القول لا يقال بالرأي. وأبو سعيد غير معروف بالرواية عن الإسرائيليات، إذن فيكون له حكم الرفع، فيكون هذا الدعاء أيضا مما يستحب قوله بعد الفراغ من الوضوء: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». وأما في أثناء غسل الأعضاء في الوضوء، لم يثبت شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام، ليس هناك دعاء يستحب قوله عند الوضوء، ليس هناك حديث ثابت فيه ذكر دعاء يقال في أثناء الوضوء. وما ورد من ذلك فهو ضعيف لا يصح. وهذا الحديث آخر حديث ذكره المؤلف رحمه الله في هذا الباب، في باب الوضوء. ومن فقه رحمه الله أنه ختم هذا الباب بهذا الحديث الذي فيه الاتيان بهذا الذكر بعد الفراغ من الوضوء، فبعد أن ذكر الأحاديث المتعلقة بالوضوء ختمه بذكر هذا الحديث الذي فيه الاتيان بهذا الذكر بعد الانتهاء والفراغ من الوضوء. ثم ذكر رحمه الله بعده باب المسح على الخفين، فنجعله -إن شاء الله- في الدرس القادم بإذن الله. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.