كتاب الطهارة 2

الدرس في كتاب الطهارة 2، ألقاها

شرح حديث أبي هريرة في طهورية ماء البحر

شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن طهورية ماء البحر وحل ميتته، مبينا أن الأصل في المياه الطهارة. يبين أن ماء البحر طهور ويمكن استخدامه للوضوء وميتته حلال.

تفاصيل حول طهورية ماء البحر وميتته

المقطع يشرح طهورية ماء البحر وحل ميتته استنادا إلى الأحاديث النبوية، ويبين أن ماء البحر طاهر ويمكن التطهر به، كما أن ميتة البحر حلال. يشرح مفهوم 'جواب الحكيم'.

أقسام الماء وحكم طهارته

الماء الأصل فيه الطهارة، وينقسم إلى طاهر مطهر ونجس، وهناك خلاف حول الماء الطاهر غير المطهر. الأصل أن الماء يبقى طهورا ما لم تتغير أوصافه الثلاثة بنجاسة.

التمهيد للحديث عن الماء الكثير والقليل

المقطع يشير إلى أنه سيتم ذكر التفريق بين الماء الكثير والقليل عند الحديث عن حديث أبي أمامة رضي الله عنه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه "بلوغ المرام"، كتاب الطهارة، باب المياه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في البحر: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته". أخرجه الأربعة، وابن أبي شيبة، واللفظ له، وصححه ابن خزيمة، والترمذي. ابتدأ رحمه الله هذا الكتاب بكتاب الطهارة، وذلك لأن الطهارة من أعظم شروط الصلاة. ولأجل ذلك ابتدأ بكتاب الطهارة لذكر ما يتعلق بشروط الصلاة. ولما كان الأصل في الطهارة هو الطهارة بالماء، ابتدأ بذكر باب المياه. "كتاب" على وزن "فعال" بمعنى "مفعول"، فـ"كتاب" بمعنى "مكتوب". أي هذا مكتوب في ذكر أحاديث الطهارة. والطهارة في اللغة: النظافة والنزاهة. وفي الاصطلاح أو الشرع: رفع الحدث وإزالة النجس. والحدث هو وصف يقوم بالإنسان يمنعه من الصلاة ونحوها مما يشترط له الطهارة. وهو نوعان: حدث أكبر، وحدث أصغر. فالحدث الأكبر ما يوجب الغسل، كالجنابة ونحوها. والحدث الأصغر ما يوجب الوضوء، كالبول ونحوه. ثم ذكر باب المياه، لأن الطهارة قد تكون بالماء، وقد تكون بالتراب، لكن الأصل هو الماء. فلهذا ابتدأ بذكر باب المياه. والباب في اللغة: ما يدخل ويخرج منه. وفي الاصطلاح: ما يجتمع فيه بعض مسائل العلم. والمياه جمع "ماء"، والماء اسمه جنس يطلق على القليل والكثير، فيشمل ذلك جميع أنواع المياه: مياه البحار، والأمطار، والأنهار، وغيرها. وأيضا المياه الطاهرة والمياه النجسة. ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، في قول النبي صلى الله عليه وسلم في البحر: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته". قال: أخرجه الأربعة. من هؤلاء الأربعة أصحاب السنن: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة. وابن أبي شيبة صاحب المصنف، وصححه ابن خزيمة، والإمام محمد بن خزيمة، والترمذي صاحب السنن. هذا الحديث عن الصحابي أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، مشهور بكنيته، ومختلف في اسمه إلى نحو ثلاثين قولا، أشهرها أنه عبد الرحمن بن صخر الدوسي. وهو رضي الله تعالى عنه الملقب بحافظ الصحابة، لقب بحافظ الصحابة، فهو أكثر الصحابة حديثا، روى عن النبي عليه الصلاة والسلام أكثر من خمسة آلاف حديث، لا يساويه غيره من الصحابة في ذلك. وفي هذا الحديث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر، فقال: "هو الطهور ماءه، الحل ميتته". وأصل هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل، سأله رجل قال: يا رسول الله، إننا نركب البحر، ونأخذ معنا القليل من الماء، فإذا توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته". فهذا الحديث فيه بيان طهورية ماء البحر. فقال عليه الصلاة والسلام: "هو الطهور ماؤه"، أي الذي تطهر به، ويجوز استعماله في سائر الأوقات. فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن ماء البحر طاهر، وهذا هو الأصل في المياه، كما سيأتي: أن الأصل فيها هو الطهارة. قال الله جل وعلا: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾. فالأصل في جميع المياه الطهارة: ماء البحر، وماء الأمطار، وماء البحار، وماء الأنهار، والآبار، والعيون. فكل ماء فالأصل فيه الطهارة. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الحل ميتته". لما سألوا عن طهارة ماء البحر، أو توضأ بماء البحر، أجابه النبي عليه الصلاة والسلام بطهورية ماءه، ثم أفادهم شيئا زائدا عما سألوا عنه، وهو حل ميتته. يعني أن ميتة البحر حلال، والمراد ما يعيش في البحر من حيوانات وأسماك، فإذا ماتت في البحر، فإنها حلال، يحل للإنسان أن يأكلها، وهو مستثنى من الميتات المحرمة. فالأصل في الميتة التحريم والنجاسة، قال الله جل وعلا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾. فاستثنى من هذه الميتات ميتة البحر، وميتة الجراد، كما في حديث ابن عمر. فميتة البحر حلال، سواء مات في داخل البحر، وقذفه البحر إلى الساحل، أو طاف فوق الماء، فكله حلال لعموم هذا الحديث: "الحل ميتته". وهكذا أيضا ما كان من أسماك البحر مما لها أسماك شابهة في البر مما يحرم أكلها، كالكلب والخنزير، فإنه كذلك على الصحيح يحل أكل ما شابه ذلك أو وافق اسمها اسم هذه الحيوانات المحرمة في البر، فإنه يحل أكلها من ميتة البحر وسمك البحر. فكلب البحر حلال، وخنزير البحر حلال، لعموم قول الله جل وعلا: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾. وصيد البحر كما قال ابن عباس: ما صيد منه حيا، وطعامه ما قذفه البحر ميتا. وفي هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن الوضوء بماء البحر، وخفي عليهم هذا الحكم، أجاب النبي عليه الصلاة والسلام بطهورية ماءه، ثم زادهم هذا الحكم وهو حل ميتته، لأنهم قد يحتاجون إلى معرفة حكم ميتة البحر. وإذا كان قد خفي عليهم حكم الوضوء منه، فمن باب أولى أن يخفي عليهم حكم ميتة البحر، وقد علموا بأن الميتة محرمة، فبين لهم النبي عليه الصلاة والسلام حل ميتته. وهذا كما يسميه أهل العلم "بجواب الحكيم"، أن يجيب السائل بما سأل، ثم يزيده شيئا زائدا عما سأل، إذا علم أنه يحتاج إلى ذلك. وكذلك أيضا فيه بيان طهورية ماء البحر، وأن ماء البحر طاهر. وكذلك أيضا فيه أن الماء وإن كان مالحا أو متغير الطعم بشيء طاهر، فهو طاهر. فماء البحر ماء مالح، ربما له رائحة نتنة، لكنها ليست بنجسة، فهو طاهر. وهذا أيضا مما جعل الصحابة رضي الله عنهم يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم الوضوء منه، لأن ماء البحر مالح وله رائحة نتنة، فظنوا أن مثله لا يجوز الوضوء منه، وأن المراد بالماء الذي يتطهر به ما كان ماء نقيا حلوا. فبين لهم النبي عليه الصلاة والسلام أنه يجوز التطهر به. وكذلك أيضا فيه جواز ركوب البحر في غير الحج والعمرة. قد ورد حديث أنه لا يجوز ركوب البحر إلا لمن كان حاجا أو معتمرا، والحديث ضعيف لا يصح. وفي هذا الحديث أنهم كانوا يركبون البحر للاصطياد. قال رحمه الله: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء". أخرجه الثلاثة، وصححه أحمد. هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وهو سعد بن مالك بن سنان رضي الله تعالى عنه، وأيضا من المكثرين في رواية الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، ومن روى عن النبي عليه الصلاة والسلام فوق الألف من الحديث. قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء". قال: أخرجه الثلاثة. والمراد بهم: أبو داود، والترمذي، والنسائي. قال: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء". هذا الحديث هو حديث صحيح، صححه جمع من الأئمة. وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل، فقيل له: أن توضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض، والكلاب، والنتن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هو الماء طهور لا ينجسه شيء". والمراد أنه يوضع فيها أو يلقى فيها الحيض، المراد بذلك أي خرق التي فيها الحيض، ولحوم الكلاب، والنتن. ليس المراد أن الصحابة رضي الله عنهم يلقونها داخل البئر عمدا، وإنما كما ذكر الإمام النووي رحمه الله: أنها تأتي بها الرياح، تلقي بها الرياح أو السيول، تلقي بها وتجمعها حتى تقع في هذه البئر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الماء طهور لا ينجسه شيء". يعني أن الأصل أن الماء طاهر، وإن وقعت فيه النجاسة، فإنها لا تؤثر، كما سيأتي، إلا إذا تغيرت أحد أوصافه الثلاثة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الماء طهور لا ينجسه شيء". وشيء نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم، يعني لا ينجسه شيء، ولا يؤثر فيه شيء. لكن هذا العموم مخصوص، كما سيأتي بالإجماع: أن الماء إذا تغيرت أحد أوصافه الثلاثة بنجاسة، فهو نجس. لكن إن لم تؤثر فيه النجاسة، فهو باق على أصل طهوريته. فالأصل في الماء أنه طهور، ولو وقعت فيه النجاسة ولم تؤثر فيه، فهو طاهر. وكذلك أيضا فيه أن الماء إذا كان طاهر في نفسه، فهو مطهر لغيره. ومتى تتعدم عنه الطهورية؟ إذا صار نجسا. وعلى هذا فالماء ينقسم إلى قسمين: ماء طاهر، وماء نجس. فالماء الطاهر هو الماء المطلق الذي لم يخالطه شيء من الطاهرات، كما البحار، وماء الأنهار، وماء الأمطار، ومياه السيول، والآبار، وغيرها. هذا ماء طاهر، وهو مطهر. فإذا وقعت النجاسة في الماء وأثرت فيه، فهو ماء نجس. بقي قسم ثالث، بعض الفقهاء ذكروا أن الماء ثلاثة أقسام: ماء طاهر مطهر، وماء نجس، وماء طاهر غير مطهر. هذا الذي فيه الخلاف. هل ينقسم الماء إلى هذا القسم الثالث؟ نقول: إن هناك ماء طاهر غير مطهر. فبعض الفقهاء قالوا: نعم. الماء الطاهر غير المطهر هو الماء الذي خالطه طاهر. عندنا ماء مثلا خالطه عجين، أو خالطه الشاي مثلا، والشاي طاهر، أو خالطه شراب، والشراب طاهر. فقالوا: هذا ماء طاهر غير مطهر، يعني هو طاهر في نفسه، لكن غير مطهر لغيره. فجعلوا المياه على هذه الثلاثة الأقسام: ماء طاهر مطهر، وماء نجس، وماء طاهر غير مطهر. وذهب بعض المحققين من أهل العلم إلى أن الماء ينقسم إلى قسمين فقط: ماء طاهر مطهر، وماء نجس. وليس هناك قسم ثالث يسمى ماء طاهر غير مطهر. وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والإمام ابن القيم، وغيرهم من أهل العلم. وهذا هو الصحيح. قال: عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه". أخرجه ابن ماجه، وضعفه أبو حاتم. وللبيهقي: "الماء طهور إلا إن تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيه". هذا الحديث عن أبي أمامة، وهو صدي بن عجلان الباهلي رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه". أخرجه ابن ماجه، وهو حديث ضعيف. في سنده رشدين بن سعد، وهو ضعيف، ضعفه الإمام أحمد، وأبو زرعة. وقال الإمام أبو حاتم: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. فالحديث لا يصح. إلا أن القطع الأولى منه صحيحة، قوله: "إن الماء لا ينجسه شيء"، يشهد له حديث أبي سعيد: "الماء طهور لا ينجسه شيء". لكن ذكر هذا الاستثناء لا يصح بهذا السند. وإن صح معناه بإجماع أهل العلم. فقد أجمع أهل العلم على أن الماء إذا وقعت فيه النجاسة فأثرت فيه في طعمه أو لونه أو ريحه، أنه نجس. نقل هذا الإجماع الإمام الشافعي رحمه الله، والإمام ابن المنذر، والبيهقي، وغيرهم. وأيضا رواية البيهقي كذلك ضعيفة. وأراد رحمه الله أن يبين أن أرويه الحديث بألفاظه في الرواية الأولى: "إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه". وفي الرواية الأخرى: "إلا إن تغير ريحه أو طعمه أو لونه". وعلى كل فمعنى هذا الاستثناء صحيح. فعلمنا من هذا أن الأصل في الماء أنه طهور، إلا إذا وقعت فيه النجاسة فأثرت في طعمه أو لونه أو ريحه، فإنه حينئذ يكون نجسا. وأما إن لم تؤثر، فهو باق على طهوريته. وسنذكر إن شاء الله بماذا يفرق أولا هناك غالب للماء الكثير أو القليل، هذا سيذكر عند الكلام على حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه. إلى هنا صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على