الدرس في كتاب الطهارة 23، ألقاها
يشرح هذا الفصل الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة وأحكام كل منهما، مبينا أن دم الاستحاضة لا يمنع من الصلاة والصيام. يبين أيضًا كيفية تعامل المرأة المستحاضة مع استمرار الدم بناء على عادتها الشهرية.
يناقش هذا الفصل نواقض الوضوء، خاصة الخارج من السبيلين، ويوضح أن الخارج منهما ناقض للوضوء، مشيرا إلى أن دم الاستحاضة لا يعتبر ناقضا للوضوء بذاته ولكن يلزم الوضوء لكل صلاة.
يتناول هذا الفصل حكم المذي وكيفيه الطهارة منه، مستندا إلى حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء منه عند نزوله.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الحافظ بن حجر رحمه الله في كتابه "بلوغ المرام"، في كتاب الطهارة، في باب نواقض الوضوء: وعن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: "لا، إنما ذلك عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدع الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي". متفق عليه. وللبخاري: "ثم توضئي لكل صلاة". وأشار مسلم إلى أنه حذفها عمدا. هذا الحديث تخبر عائشة رضي الله عنها أن فاطمة بنت أبي حبيش أتت النبي عليه الصلاة والسلام، وقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر. معنى استحاض: يعني يخرج مني الدم في غير أوقاته المعلومة ولا ينقطع، وهذا هو الاستحاضة، وهذا هو دم الاستحاضة؛ الدم الخارج من المرأة في غير أوقاته المعلومة، ويكون بسبب مرض أو فساد. فقالت للنبي عليه الصلاة والسلام: فلا أطهر، أفأدع الصلاة؛ يعني لا أصلي، ويكون حكمي كحكم نزول الحيض. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "لا، إنما ذلك عرق"، يعني هذا الدم دم الاستحاضة هو دم عرق. يقول أهل العلم: يسمى عرق العاذل، يسمى عرق العاذل، يخرج من أدنى الرحم، بخلاف الحيض فإنه يخرج من قعر الرحم، "وليس بحيض"؛ يعني هذا الدم ليس بحيض، ويختلف عن حكم الحيض. ثم قال: "فإذا أقبلت حيضتك فدع الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي". وهذا رد لها لعادتها التي كانت تعتادها عند مجيء حيضتها. وفي رواية البخاري: "ثم توضئي لكل صلاة". وأشار مسلم إلى أنه حذف عمدا هذه اللفظة، وهي المقصودة من ذكر الحديث في هذا الباب، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: "ثم توضئي لكل صلاة". فيه أن الاستحاضة ونزول دم الاستحاضة ناقض للوضوء؛ لهذا أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتوضأ لكل صلاة. وهذه اللفظة اختلف فيها العلماء في ثبوتها. فالإمام البخاري رحمه الله ذكرها في صحيحه، والإمام مسلم حذفها عمدا لم يذكرها في صحيحه. ذكر الحديث ثم قال: وفي حديث حمد حرف تركنا ذكره، وهي هذه الزيادة: "ثم توضئي لكل صلاة". وكثير من الحفاظ على أن هذه الزيادة غير محفوظة، وأنها ليست من قول النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما هي من قول عروة أو غيره. قال بذلك الإمام مسلم رحمه الله، والإمام البيهقي، والإمام النسائي. ويؤيد ذلك أن هذا الحديث رواه عن هشام سبعة عشر رجلا لم يذكروا هذه اللفظة. فعلى هذا فتكون هذه اللفظة شاذة، غير محفوظة. فهذا الحديث فيه أن الخارج من السبيلين ناقض للوضوء؛ ما يخرج من الإنسان من السبيلين القبل والدبر فإنه ناقض للوضوء كالغائط والبول، ومنه كذلك الدم؛ فدم الحيض ودم الاستحاضة ناقض لوضوء المرأة. وهكذا أيضا فيه أن دم الاستحاضة ليس بحيض؛ أن دم الاستحاضة ليس بحيض، وإنما هو دم آخر يختلف عن دم الحيض. والدماء الخارجة من المرأة ثلاثة دماء: دم الحيض، وهو دم جبلة وطبيعة يخرج من المرأة عند بلوغها، وهو علامة من علامات بلوغها، ثم ينزل منها في كل شهر سبعة أيام أو ستة أيام أو ثمانية أيام على حسب عادتها. ودم النفاس هو الدم الخارج بعد الولادة. والنوع الثالث هو دم الاستحاضة، وهو عبارة عن انفجار عرق في رحم المرأة يقال له العاذل، فينزل منها الدم ويستمر ولا ينقطع. فدم الاستحاضة إذن يختلف عن دم الحيض. ولهذا ذكر العلماء صفات يعرف بها دم الاستحاضة من دم الحيض، ومن ذلك أن دم الاستحاضة دم أحمر ورقيق وليس له رائحة كريهة؛ دم أحمر ويكون رقيقا وليس له رائحة كريهة، بخلاف دم الحيض فإنه أسود وثخين وله رائحة كريهة. وكذلك أيضا في هذا الحديث أن دم الاستحاضة لا يمنع من الصلاة، لا يمنع من الصلاة والصيام وهكذا أيضا من إتيان الرجل أهله، بخلاف دم الحيض؛ فدم الحيض يمنع المرأة من الصلاة والصيام ومس المصحف وهكذا أيضا الجمع. وهكذا أيضا في هذا الحديث أن المرأة إذا استمر بها الدم، امرأة تحيض عادتها بكل شهر، مثلاً سبعة أيام، فاستمر بها الدم ولم ينقطع، فماذا تفعل؟ نقول: ترجع إلى عادتها، تنظر عادتها، مثلاً في كل شهر أن ينزل منها الدم في أول الشهر سبعة أيام، فتعتبر نفسها في السبعة الأيام الأولى من أول الشهر في حكم الحائض، فإذا انتهت هذه السبعة الأيام اغتسلت وصلت، وصارت في حكم الطاهرات لقوله عليه الصلاة والسلام: "فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة". كيف أقبلت حيضتك والدم يستمر؟ يعني أنها تعمل بعادتها المعتادة. فإذا انتهت أيام عادتها اغتسلت وصارت في حكم الطاهرة، تصلي وتصوم. فهذا إذا كان لها عادة. فإن كانت ليس لها عادة، إن كان ليس لها عادة، امرأة مثلا تحيض مرة في أول الشهر ومرة في وسطه ومرة يأتيها الحيض في آخر الشهر، هذه ليس لها عادة معتادة، ثم استمر بها الدم، فإذا لم يكن لها عادة فنقول: تعمل بالتمييز، إن كان تميز الدم، فالأيام التي ترى فيها الدم فيه صفاء الدم الحيض، تكون في حكم الحائض، تترك الصلاة والصيام. ثم إذا انقطع هذا الدم أو تغير إلى صفة دم الاستحاضة، صارت بحكم المستحاضة، اغتسلت وصلت وصامت. هذا إذا كانت تميز. فإن كانت لا عادة لها ولا تمييز، إن كان لا عادة لها ولا تمييز، فهذه قال أهل العلم: ترجع إلى عادة أقرب النساء إليها، كأمها وأخواتها، فتنظر كيف عادتهم فتعمل مثلهم. وقد جاء أيضا في هذا الحديث أن الحائض لا تقضي الصلاة؛ أنها لا تقضي الصلاة التي عليها حال حيضها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعمرها بقضاء الصلاة في وقت حيضها، وإذا كان ذلك واجبا بينه النبي عليه الصلاة والسلام، فلما ترك ذلك النبي صلى الله عليه وسلم علم أنه ليس بواجب. وهكذا يفهم منه كما قال أهل العلم: دليل على أنه يقبل قول المرأة الواحدة فيما يتعلق بأمور النساء، يقبل قول المرأة الواحدة فيما يتعلق بأمور النساء كأمور الحيض والحمل ونحو ذلك، فيقبل فيه قول المرأة الواحدة. وهكذا الرضاع ونحو ذلك. وفيه أيضا أن المستحاضة تعتبر في حكم الطاهرات؛ كما علمنا سابقا أن استمرار الدم منها لا يمنعها مما تفعله الطاهرة من الصلاة والصيام وقراءة القرآن وإتيان زوجها وغير ذلك. ثم تأتي هنا مسألة وهي متعلقة بهذه الرواية: "ثم توضئي لكل صلاة"، هل يلزم المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة؟ بمعنى مثلا دخل وقت الظهر فتوضأت، وبقيت على هذا الوضوء لم ينتقض وضوؤها بغير نزول دم الاستحاضة، هل يلزمها إذا دخل العصر أن تتوضأ أو يكتفى بوضوئها الأول الذي توضأته في الظهر؟ هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم لاختلافهم في هذه الرواية. فجمهور أهل العلم على أن تتوضأ لكل صلاة؛ وذلك لهذه الرواية التي فيها أن استمرار نزول دم الاستحاضة منها ناقضا لوضوئها، فعلى هذا فإذا دخل وقت الصلاة الأخرى تتوضأ لها. وذهب الإمام مالك رحمه الله إلى أن وضوءها لكل صلاة مستحب وليس بواجب؛ على أنه مستحب وليس بواجب. وهذا هو الأظهر؛ لأن هذه اللفظة غير ثابتة. لكن لو توضأت احتياطا فهو أفضل؛ أن تتوضأ لكل صلاة فهذا أولى. قال رحمه الله: وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن المذي فقال: "فيه الوضوء". متفق عليه، واللفظ للبخاري. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.