الدرس في كتاب الطهارة 38، ألقاها
يتناول هذا الفصل شرح حديث أم سلمة حول غسل الجنابة وضرورة نقض الشعر، ويبين اختلاف العلماء في حكم نقض الشعر في غسل الحيض. كما يتناول أحكام الاغتسال من الجنابة وجواز اغتسال الرجل مع امرأته من إناء واحد.
يتناول هذا الفصل اختلاف العلماء في حكم مكث الجنب والحائض في المسجد، حيث منع جمهور العلماء ذلك بينما أجازه البعض إذا توضأ وضوء الصلاة. يرى الإمام ابن حزم أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل يمنعها.
يتناول هذا الفصل تفاصيل الاغتسال من الجنابة، ويبين جواز نظر كل من الزوجين لعورة الآخر أثناء الاغتسال. كما يشدد على أهمية إيصال الماء لأصول الشعر أثناء الغسل، ويبين أن وضع الجنب يده في الماء لا ينجسه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه «بلوغ المرام»، في كتاب الطهارة، في باب الغسل وحكم الجنب: عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت يا رسول الله، إني امرأة أشد شعر رأسي، أفأنقذه لغسل الجنابة. وفي رواية: والحيضة، قال: «لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات». رواه مسلم. هذا الحديث: حديث أم سلمة رضي الله عنها أخرجه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه، من طريق سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الله بن رافع، مولى أم سلمة، عن أم سلمة، ولفظه: قلت يا رسول الله، إن امرأة أشد ضفر رأسي -وليس شعر رأسي، لفظ: ضفر رأسي- أفأنقذه لغسل الجنابة؟ قال: «لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفضين عليك الماء فتطهرين». وهنا قالوا: في رواية: «والحيضة» يعني أنها قالت: أفأنقذه لغسل الجنابة والحيضة. هذه الرواية التي فيها ذكر الحيضة رواه الإمام مسلم رحمه الله من طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن أيوب، وتفرد بهذه الرواية عبد الرزاق، عن سفيان، بذكر الحيضة. فالحديث رواه عن الثوري: يزيد بن هارون، ورواه عن ابن عيينة -أو رواه من عيينة وروح من قاسم- عن أيوب، ولم يذكروا لفظة الحيضة. لهذا حكم عليها بعض أهل العلم بالشذوذ، كالإمام ابن القيم رحمه الله، وهكذا أيضا العلامة الألباني رحمه الله. وهذا الحديث فيه: أن أم سلمة رضي الله عنها سألت النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: إني امرأة أشد ضفر رأسي، يعني أنها تجمع شعر رأسها وتلمه وتجمعه، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ يعني إذا اغتسلت من الجنابة، هل يلزمني أن أنقض شعر رأسي؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا»، أي لا يلزمك ذلك، «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاثة حثيات». والمراد بالحثيات: الحفنات، يعني أن يأخذ ملء كفيه من الماء، أن يأخذ ملء كفيه من الماء ثلاثة مرات. قال: «إنما يكفيك أن تأخذي، أن تحثي على رأسك ثلاثة حثيات، ثم تفضين عليك الماء فتطهرين». فهذا الحديث فيه: أن المرأة إذا أصابتها جنابة وأرادت أن تغتسل من الجنابة، فلا يلزمها أن تنقض شعر رأسها، لا يلزمها أن تنقض شعر رأسها إذا كان مضفورا ومجموعا. وبهذا قال جمهور أهل العلم، ونقل بعض أهل العلم الإجماع على أنه لا يلزمها ذلك، كما نقل ذلك الإمام ابن قدامة رحمه الله، إلا أنه ذكر الخلاف عن ابن عمر، أو عن ابن عمر والنخعي، أنه خالف في ذلك. لكن الصحيح أنه لا يلزمها ذلك، وذلك كما قال أهل العلم: إذا كان الماء يصل إلى أصول الشعر، إذا كان الماء يصل إلى أصول الشعر، فلا يلزمها أن تنقض شعر رأسها. وأما إن كان لا يصل -كأن يكون منبدا أو يكون مشدودا بقوة، بقوة مثلا- ويخشى أن الماء لا يصل إلى أصول شعرها، فحينئذ تنقضه. أما إن كان يصل فلا يلزمها ذلك. واختلف أهل العلم في حكم الحائض إذا اغتسلت، فهل يلزمها أن تنقض شعر رأسها أم لا؟ فجمهور أهل العلم على أنه لا يلزمها ذلك، لا يلزمها أن تنقض شعر رأسها، كغسلها من الجنابة. وذهب الإمام أحمد رحمه الله، وهو قول الحسن، وطاووس، وكذلك قول الظاهرية، وبعض المالكية -مختاره عند ابن القيم رحمه الله- إلى أنه يلزمها أن تنقض شعر رأسها، واستدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها لما حاضت في حجها مع النبي عليه الصلاة والسلام، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «انقضي شعر رأسك وامتشطي». هذه الرواية في الصحيحين. وجاء خارج الصحيحين: قال: «واغتسلي». قالوا: هنا أمرها النبي عليه الصلاة والسلام بأن تنقض شعر رأسها لغسلها من الحيض، فدل ذلك على أنه يجب عليها في غسل الحيض أن تنقض شعر رأسها. ورد جمهور أهل العلم على هذا الاستدلال بأن الأمر في هذا الحديث للاستحباب، أن أمره عليه الصلاة والسلام لعائشة بنقض شعر رأسها هذا على سبيل الاستحباب، لحديث أم سلمة المذكور في الباب، في قوله عليه الصلاة والسلام حين قالت: أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: «لا». فدل ذلك على أن هذا الأمر للاستحباب وليس للوجوب، فيستحب للحائض إن اغتسلت غسل الحيض أن تنقض شعر رأسها، وليس ذلك على سبيل الإلزام، وهذا هو الصحيح. قال رحمه الله: وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب». رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة. هذا الحديث رواه أبو داود، وابن خزيمة من طريق عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا الأفلة بن خليفة، قال: حدثني جسرة بنت دجاجة، قالت: سمعت عائشة وذكرت الحديث، وفيه قصة، وفي آخره قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب». وهذا الحديث اختلف أهو صحيح في صحته؟ فبعض أهل العلم صححه، كابن خزيمة رحمه الله، وهكذا ابن قطان، والزيلعي، والشوكاني. وبعض أهل العلم ضعفه، كالإمام البيهقي رحمه الله، قال: ليس بالقوي. وهكذا الإمام ابن حزم، قال: باطل. وذلك أن مداره على جسرة بنت جاجة، وهي مجهولة لم يوثقها أحد، فهي مجهولة. قال أبو حاتم رحمه الله: عند جسرة عجائب. وأيضا مع ذلك فقد اضطربت في هذا الحديث، فروته مرة عن عائشة، وروته مرة عن أم سلمة، وهذا يدل أنها لم تضبط الحديث. وهذا الحديث يستدل به من قال: بأن الجنب لا يمكث في المسجد، أن الجنب لا يجوز له أن يمكث في المسجد، وهو قول جمهور أهل العلم، وهو قول جمهور أهل العلم. واستدلوا بهذا الحديث، وهكذا أيضا استدلوا بالآية: بقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾. قال: المراد بقول الله جل وعلا: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ أي مواضع الصلاة، مواضع الصلاة وهي المساجد. وقوله جل وعلا: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ يعني مارين ومتجاوزين. فقالوا: دلت الآية على منع الجنب من قربان المسجد. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يجوز للجنب أن يمكث في المسجد إذا توضأ، إذا توضأ وضوء الصلاة، جاز له أن يمكث في المسجد. هذا قول الإمام أحمد رحمه الله، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. واستدلوا بما رواه سعيد بن منصور في سنده، عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضأوا وضوء الصلاة. فعطاء بن يسار يخبر أن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم كانوا إذا أصابتهم جنابة توضأوا وضوء الصلاة ومكثوا في المسجد. فاستدل هؤلاء بجواز ذلك إذا توضأ الجنب وضوء الصلاة، فله أن يمكث في المسجد. وهناك قول ثالث، وهو أنه يجوز للجنب، وكذلك للحائض، أن يمكث في المسجد، أن يمكث في المسجد ولو كان على غير طهارة. وهذا قول الإمام ابن حزم، وهو أيضا قول الإمام المنذر، والمزني. وقال به أيضا جماعة من أهل العلم المعاصرين. واستدلوا بأمور، منها: أولا أن الأصل في الأشياء الإباحة، ولا يحرم شيء إلا بدليل، وليس هناك دليل صحيح صريح يدل على منع الجنب من المكث في المسجد وهو على جنابة. والأمر الثاني: استدلوا بحديث عائشة في البخاري، أن وليدة سوداء كان لها خباء في المسجد -كان لها خباء في المسجد- يعني أسلمت، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم لها خباء في المسجد، فكانت تمكث فيه. ومعلوم أن المرأة يصيبها الحيض، ومع ذلك لم يأمرها النبي عليه الصلاة والسلام أن تخرج من المسجد. والأمر الثالث: أن أهل الصفة هم الفقراء من الصحابة رضوان الله عليهم، كانوا يبيتون في المسجد، ولا شك أن الواحد منهم تصيبه الجنابة، ولم يؤمر بالخروج إذا أصابته جنابة. وباب الإمام البخاري رحمه الله على هذا الحديث: باب نوم الرجال في المسجد. وعلى هذا فالصحيح أنه لا دليل يمنع الجنب من المكث في المسجد. وأما الآية: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فالمراد بالصلاة حقيقة الصلاة، المراد بها حقيقة الصلاة. وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ يعني إذا كان الإنسان مسافرا. وهكذا أيضا الحائض، كذلك ليس هناك دليل يمنع الحائض من المكث في المسجد. الحديث حديث الباب ضعيف لا يصح، وليس هناك حديث آخر صحيح فيه منع الحائض من المكث في المسجد. وعلى هذا فيجوز لها أن تمكث في المسجد، مع التحفظ أن يخرج منها شيء من الدم الذي يتلوث به المسجد. وبعض العلماء أجاز لها ذلك للضرورة، بعض العلماء قال: يجوز للحائض للضرورة، كأن تخاف على نفسها أن تقتل، أو كذلك أيضا انتقام البرد الشديد أو نحو ذلك، فلا بأس. والصحيح أنه يجوز لها مطلقا لعدم وجود مانع يمنع من ذلك. قال رحمه الله: وعنها رضي الله عنها قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، تختلف أيدينا فيه من الجنابة. متفق عليه. وزاد ابن حبان: «وتلتقي أيدينا». هذا الحديث أخرجاه البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن مسلمة، قال: حدثنا أفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة. واللفظ لمسلم، فالبخاري ليس عنده: «من الجنابة». وأخرجه ابن حبان من طريق من وهب، قال: حدثنا أفلح به. وفي هذا الحديث: جواز اغتسال الرجل مع امرأته من إناء واحد، اغتسال الرجل مع امرأته من إناء واحد. وفيه كذلك: جواز أن ينظر الرجل لعورة امرأته والعكس، وأنه ليس بذلك محظور. وأما قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ والله عز وجل قال: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ فدلت الآية على جواز ذلك بين الرجل وامرأته أو ملك يمينه. وفيه كذلك أيضا: أن وضع الجنب يده في الإناء في الماء الذي في الإناء لا يلوثه ولا ينجسه ولا يخرجه عن الطهورية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل مع عائشة، وكل واحد يضع يده في الماء حتى يأخذ من الماء ويغتسل، ويفعلان ذلك ولم يكن بعد طهارة الجنابة. فدل هذا على أنه لا يؤثر وضع الجنب يده في الماء، لا يؤثر ذلك في طهورية الماء. وذكر البخاري رحمه الله أثرا في صحيحه معلقا، واداره من أبي شيبة، عن عامر الشعبي رحمه الله: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلون أيديهم في الإناء وهم جنب، والنساء وهن حيض، لا يرون بذلك بأسا» يعني قبل أن يغسلوها. هذا فعل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. قال رحمه الله: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة». رواه أبو داود والترمذي وضعفاه. ولأحمد عن عائشة رضي الله عنها نحوه، وفيه راو مجهول. هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة كذلك من طريق نصر بن علي، قال: حدثنا الحارث بن وجيه، قال: حدثنا مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة به مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام. والحديث في سنده الحارث بن وجيه، وهو منكر الحديث. قال الترمذي رحمه الله: حديث الحارث بن وجيه حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديثه، وهو شيخ ليس بذاك. نعم، قال: وقد روى عنه غير واحد من الأئمة، وقد تفرد بهذا الحديث عن مالك بن دينار، فضعف أهل العلم هذا الحديث بسببه. قال النسائي: ضعيف. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال البخاري: في حديثه بعض المناكير. وكذا قال أبو حاتم، قال: هذا حديث منكر، والحارث ضعيف الحديث. وقال البيهقي: أنكره أهل العلم بالحديث، البخاري وأبو داود وغيرهما. فالحديث لا يصح. وحديث عائشة رواه أحمد من طريق شريك، عن خصيف، قال: حدثني رجل منذ ثلاثين سنة، عن عائشة، قالت: أجمرت شعري إجمارا شديدا -يعني جمعته وظفرته- فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة، ما علمت أن تحت كل شعرة جنابة؟ والحديث هذا أيضا إسنده ضعيف، فقوله: «حدثني رجل منذ ثلاثين سنة» فهو مجهول، رجل مبهم لم يسم، فلا يصح الحديث. وخصيف هو عبد الرحمن الصحوق، سيء الحفظ، اختلط بآخره. وشريك هو النخعي أيضا صدوق يخطئ كثيرا، وقد تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة. فالحديث لا يصح. والحديث فيه: الأمر بالاعتناء بغسل الجنابة، بإيصال الماء إلى سائر الجسد وسائر البدن، ومن ذلك أصول الشعر. «إن تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعرة وأنقوا البشرة» يعني نظفوها، نظفوا البشرة والجلد. لكن الحديث لا يصح، ومعنى صحيح. معنى صحيح: أن المغتسل للجنابة ينبغي أن يعمم جسده بالماء، وأن يغسل سائر جسده، هذا مطلوب. ويدل عليه قول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وهذا يشمل جميع الجسد. فالمسلم إن طهر من الجنابة فإنه يغسل جميع جسده، ومن ذلك أيضا أصول الشعر، يحرص على إيصال الماء إليها. طيب، هذا آخر حديث ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله في هذا الباب. طيب الله ثراه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.