الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 110، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش أهمية اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في جميع أمور الحياة، مع التركيز على ضرورة الاعتدال في التعامل مع المباحات. يشدد على أهمية الاقتداء بالنبي في جميع شؤون الحياة.
يتناول ضرورة بدء الخطيب بخطبة الحاجة اقتداء بالنبي، والإنكار على المخطئين بلطف دون ذكر أسمائهم إذا لم يكن في ذلك مصلحة. يشير إلى أهمية تجنب العنف والشدة في الإنكار.
يناقش مسألة استخدام الرجال للصفرة والتزعفر، مع استعراض آراء العلماء حول ذلك واستدلالهم بأحاديث مختلفة. يشير إلى أن التزعفر منهي عنه للرجال استنادًا إلى حديث ابن عمر.
بسم الله الرحمن الرحيم وقفنا بالأمس عند حديث عائشة رضي الله تعالى عنها بقول: يصنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فرخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فخطب، فحمد الله، ثم قال: «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ ووالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية». قلنا: ذي هذا الحديث أنه ينبغي على المسلم أن يكون مع المباح وسطا، لا إفراط ولا تفريط، فلا يكثر في باب المباحات حتى يقع في الإسراف والتبذير، ولا كذلك أيضا يتنطع ويتعمق في ترك المباح حتى يكون من المتنطعين، بل يكون وسطا. وفي هذا الحديث كذلك أهمية الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، فإن النبي عليه الصلاة والسلام أنكر عليهم لما خالفوا ما كان عليه عليه الصلاة والسلام من التعامل مع المباح. فالواجب على المسلم أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في جميع أموره، كما قال الله عز وجل: ﴿قد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾. قال إمامنا كثير رحمه الله: هذه الآية أصل في التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم، تتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم في عقيدته، وفي عبادته، وفي معاملاته، وفي منهج وفي دعوة، في دعوته عليه الصلاة والسلام، وفي التعامل مع الناس، وهكذا في سائر شؤون حياته عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك التعامل مع المباح، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يأتي ما أباح الله سبحانه وتعالى له من أكل الطيبات، ومن ذلك أيضا معاشرة النساء، وهكذا أيضا من النوم. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم، ولا خير إلا فيما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام، من أراد الخير فليقتدي بنبيه صلى الله عليه وسلم، وهدي النبي عليه الصلاة والسلام أكمل هدي، ليس هناك هدي خير من هدي النبي عليه الصلاة والسلام، وهو القائل عليه الصلاة والسلام في خطبته: «وإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم»، فهديه عليه الصلاة والسلام -يعني طريقته وما كان عليه- هو خير طريقة وخير هدي ينبغي على المسلم أن يسير على هديه عليه الصلاة والسلام. وفيه كذلك أيضا جواز الخطبة عند الحاجة، فالنبي عليه الصلاة والسلام هنا لما بلغه كلام هؤلاء القوم قام فخطب، قام فخطب الناس، فإذا حصل أمر يحتاج إلى تنبيه للناس فلا بأس أن يقوم من يخطبهم ويبين لهم هذا الأمر. وهكذا كذلك أيضا فيه أن ابتداء الخطبة تكون بالحمد والثناء على الله سبحانه وتعالى، قال: فقطب فحمد الله. وكانت أكثر خطب النبي عليه الصلاة والسلام تبتدئ بخطبة الحاجة: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره» إلى آخر هذه الخطبة، هذا كان أكثر خطب النبي عليه الصلاة والسلام تبتدئ بذلك. وأيضا ينبغي للخطيب أن يحرص أن يحرص أن يحرص بخطبة الحاجة اقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، ويكون ذلك أغلب خطبه يبتدئها بخطبة الحاجة. وفيها أيضا إذا أراد الخطيب أو الناصح إنكار شيء على أقوام ولم يكن من ذكر أسمائهم مصلحة، فيقول: «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا»، «ما بال أناس يقولون كذا وكذا»، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه»، ما ذكر أسماءهم. فإذا لم يكن في ذكر أسمائهم مصلحة فإنه لا يذكرهم، يذكر كلاما عاما: «ما بال أقوام»، «ما بال أناس»، «ما بال أشخاص يقولون أو يفعلون». وهذا هو وجه الشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب: باب من لم يواجه الناس بكلامه، يعني لم يخصهم، بل يجعل الكلام عاما إذا فعل أناس شيئا فإنه يقوم وينصح بكلام عام، ولا يرتكب إنسان معصية فيأتي الخطيب فلا ينكر عليه باسمه أمام الناس؛ لأن هذا ربما تكون مفسدته أعظم، أولا تشهير به، وكذلك أيضا قد يكون ذلك سببا في عدم توبته وتأخذه العزة بالإثم. وفيها أيضا جواز الحلف من غير استحلاف: «والله إني لأعلمهم بالله»، حلف النبي عليه الصلاة والسلام من غير أن يستحلف -يعني أن يطلب منه الحلف- هذا جائز إذا احتاج المتكلم إلى الحلف تأكيد كلامه فلا بأس به. قال رحمه الله: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، وأيضا قبل ذلك كذلك فيه التلطف في الإنكار، التلطف في الإنكار إذا أردت أن تنكر على أحد فإنك تحاول أن تتلطف في إنكارك ولا تستعمل العنف والشدة والغضب، فإن ذلك سببا للتنفير، ربما ينفر هذا الذي تنكر عليه. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالرفق، فإن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». وقد وصفه الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾. وهذا كان خلق النبي عليه الصلاة والسلام، كان رفيقا رحيما، إذا أنكر على إنسان ينكر عليه باللطف، ينكر عليه باللطف. انظروا في هذا الحديث: «ما بال أقوام يتنزهون عن شيء أصنعه»، كلام لطيف، ما وبخهم ولا سبهم ولا شتمهم، لا يأتي بالكلام الطيب الذي يكون سببا في قبول لهذا المنكر عليه الحق. أما إذا جيء تشتمه أمام الناس وتعيره وتأتي بالكلمات الغليظة، فهذا سببا لتنفيره وعدم قبول الحق منك، وإن كنت محقا، لكن ما سيقبل منك إذا عاملته بالعنف والشدة سينفر. حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، وهو من عبد الله العيشي الطفاوي الخلقاني، الطفاوي نسبة إلى بلد الطفاوة، والخلقاني نسبة إلى بيع خلقان الثياب، كان يبيع الخلق من الثياب -يعني الثياب المستعملة- قال: حدثنا حماد بن زيد، عن سلم العلوي. وسلم العلوي هذا ليس له أهلين، وقيل له سلم العلوي، ليس لأنه علويا -يعني من أبناء علي أولاد علي بن أبي طالب- وإنما لأنه كان ينظر في النجوم يكثر من النظر في النجوم والعلوم، فقيل له سلم العلوي، وهو ضعيف، ضعفوه المعين، عن أنس، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم قل ما يواجه الرجل بشيء يكرهه»، فدخل عليه يوما رجل وعليه أثر صفرة، فلما قام قال لأصحابه: «لو غير أو نزع هذه الصفرة». الحديث ضعيف، وعلته كما سمعنا سلام العلوي. وقوله: «قل ما يواجه الرجل بشيء يكرهه»، هذا دل عليه أحاديث كثيرة بالصحيح تدل على معنى هذا الأمر، وهو عدم مواجهة النبي عليه الصلاة والسلام للرجل بشيء يكرهه، بل كان عليه الصلاة والسلام رحيما رفيقا. وقوله: «أثر صفرة»، والمراد بالصفرة هو طيب الزعفران، طيب الزعفران، فلما رأى فيه النبي عليه الصلاة والسلام ذلك كره ذلك منه، فلما قام قال لأصحابه: «لو غير أو نزع هذه الصفرة»، يعني لو أزالها. وهذا الحديث يستدل به على كراهة استخدام الصفرة للرجل، وهو ضعيف، لكن يؤيده حديث ابن عمر في الصحيحين: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتزعفر الرجل»، نهى أن يتزعفر الرجل -يعني أن يستعمل الزعفران-. وجاء كذلك في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن عوف: «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى عليه أثر صفرة، فقال: مهيم»، قال: «تزوجت». وهذا الحديث يستدل به على جواز استخدام الصفرة إذا كان عبد الرحمن بن عوف. استدل به بعض أهل العلم على جواز استخدام الصفرة للرجل، ومن أهل العلم من قال: إنه يجوز استخدامه في الثوب دون البدن، يجوز استخدامه في الثوب دون البدن؛ لأن أثر الصفرة في عبد الرحمن كانت في ثوبه ولم تكن في بدنه. وقالوا: يجوز في الثوب، أما في البدن فلا يجوز. وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجوز مطلقا، وإليه ذهب الإمام الشافعي رحمه الله، وكذلك أيضا الإمام النووي، واستدلوا بحديث ابن عمر: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزعفر الرجل»، يعني أن يستعمل الزعفران، وهو هذا الطيب الذي فيه صفرة. وحملوا حديث عبد الرحمن بن عوف على أنه لم يتعمد ذلك، ولم يتقصد استعمال الصفرة، وإنما وقعت في ثوبه من امرأته، وقعت في ثوبه من امرأته، وإلا فإنه ينهى أن يستعمل الرجل الزعفران؛ لأن ذلك من تشبه بالنساء، قد نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يتشبه الرجل بالمرأة. وبعض أهل العلم أخص فيه للعروس، قال: لا بأس للعروس الذي يزوج أن يستخدم الصفرة، وإليه جنح الإمام البخاري رحمه الله، وبوب عليه في صحيحه: باب الصفرة للعروس، ثم ذكر حديث عبد الرحمن بن عوف. والأقرب والله أعلم هو النهي عنه لحديث ابن عمر: «إنه نهى أن يتزعفر الرجل». طيب إن شاء الله نترك هذا الباب في درس قادم، الله تعالى أعلم.