التعليقات على كتاب الأدب المفرد 142

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 142، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام عيادة المريض واتباع الجنائز

يشرح هذا الفصل أحكام عيادة المريض واتباع الجنائز، حيث يعتبر كلاهما واجب كفائي يذكّر بالآخرة ويحمل أجراً عظيماً. كما يشير إلى حقوق المسلم على المسلم مثل تشميت العاطس.

آداب العطاس ودعاء العائد للمريض

يتطرق هذا الفصل إلى آداب العطاس كما وردت في السنة النبوية، ودعاء العائد للمريض بالشفاء. يشمل ذلك حمد الله عند العطاس وتشميت العاطس، فضلاً عن أهمية الدعاء للمريض.

فضل عيادة المريض وزيارته

يبرز هذا الفصل فضل عيادة المريض وزيارته، حيث تعتبر سبباً لدخول الجنة وتوجب صلاة الملائكة على العائد. كما أنها تعتبر صدقة إذا أنفق العائد على أهله أو تصدق من ماله.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا موسى بن إسماعيل وهدبة المنقري، قال: حدثنا أبان بن يزيد، قال: حدثنا قتادة، قال: حدثني أبو عيسى الأسواري عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عودوا المريض، واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة». وهذا الحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة. وفي هذا الحديث حث النبي عليه الصلاة والسلام على عيادة المريض «عودوا المريض»، وهكذا أيضا حث على اتباع الجنائز؛ فإنها سبب لتذكر الآخرة. وقوله عليه الصلاة والسلام «عودوا المريض» هذا أمر بعيادة المريض، وهل هذا الأمر للوجوب؟ قال بعض العلم: هو واجب كفائي، يعني يجب وجوبا كفائيا على البعض أن يقوم بعيادة المريض. وأما وجوب عيني، فنقل بعض أهل العلم -كإمام النووي رحمه الله- الإجماع على أن عيادة المريض لا تجب وجوبا عينيا، لا تجب وجوبا عينيا، وإنما هو واجب كفائي، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين. ومع ذلك ينبغي الحرص أن يحرص المرء على عيادة المريض؛ لما في ذلك من الفضائل والأجور الكثيرة، سيأتي ذكر بعضها. وأيضا فيه كذلك أداء حق المسلم، كما جاء في حديث أبي هريرة: «حق المسلم على المسلم خمس» وفي رواية: «ست»، أذكر منها عيادة المريض، فهذا حق من حقوق المسلم على المسلم أن يعوده إذا مرض. وما في ذلك أيضا من تخفيف المرض عليه، وأنس هذا المريض بمن يزوره، وكذلك أيضا من الدعاء له، وكذلك أيضا من حثه على الصبر، إلى آخر ذلك من المنافع الكثيرة التي تستفاد من عيادة المريض. قال: «واتبعوا الجنائز» أيضا كذلك، اتباع الجنائز هو فرض كفائي، فرض كفائي يجب على المسلمين أو على بعضهم أن يقوموا بهذا الواجب من تجهيز الميت، واتباع جنازته، والصلاة عليه، ودفنه. وهكذا أيضا اتباع الجنائز سبب من أسباب تذكر الآخرة «واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة»؛ لأن المسلم يعلم أنه سيموت، وربما يكون في غفلة، فاتباعه للجنازة يذكره بالآخرة، يعلم أن الموت سيأتيه، وأنه اليوم يصلي على الجنازة وغدا يصلى عليه، واليوم يحمل الجنازة وغدا يحمل، واليوم يدفن الميت وغدا يدفن، فيكون في ذلك تذكير له بالآخرة. فلهذا ينبغي كذلك على المسلم أن يحرص على حضور الجنازة، إلا إذا كانت الجنازة فيها بدع ومحدثات، وأهل السنة -بحمد الله- ظاهرين على الحق، فمثل هذا لا يحضرها، لا يحضر هذه الجنازة التي فيها بدع ومحدثات، إلا إذا كان يصلي عليها مثلا فقط ويذهب، فلا بأس. أما أن يشيع الجنازة وهي تحمل على البدعة، ترتكب فيها البدع، فلا ينبغي تكثير سواد أهل البدع. قال: وحدثنا مالك بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث كلهن حق على كل مسلم: عيادة المريض، وشهود الجنازة، وتشميت العاطس إذا حمد الله عز وجل». وهذا الحديث كذلك صحيح. ثلاث كلهن حق على كل مسلم: عيادة المريض، وشهود الجنازة -ومر الكلام عليهما-، قال: وتشميت العاطس إذا حمد الله عز وجل، في كذلك بيان حق من حقوق المسلم، وهو تشميت العاطس إذا حمد الله. إذا عطس المسلم فحمد الله، فإنك تشمته بقولك: «يرحمك الله». وهذا من السنة التي أمر بها النبي عليه الصلاة والسلام، بل وعلى الصحيح: واجب على كل من سمع هذا العاطس حمد الله أن يشمته بقوله: «يرحمك الله»، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمته». وفتما في هذا الحديث تشميت العاطس إذا حمد الله. وأيضا في حديث البراء في الصحيحين، قال: أمرنا بسبع، وذكر منها: «إذا عطس فحمد الله فشمته». وقوله: «تشميت العاطس إذا حمد الله» دل هذا على أنه إذا عطس فلم يحمد الله فلا يشمت، إذا عطس ولم يقل: «الحمد لله»، فإنك لا تشمته، كما دل عليه هذا الحديث؛ لأنه قيد التشميت بقوله: «الحمد لله». وتشميت العاطس إذا حمد الله هذا منطوق الحديث، ومفهومه أنه إن لم يقل: «الحمد لله» فلا يشمت. وهذا ما دلت عليه الأحاديث، ومنها ما جاء في الصحيحين عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه: أنه عطس عنده أحد أبنائه فشمته، وعطس الآخر فلم يشمته، فقيل له في ذلك، قال: إن هذا عطس فحمد الله فشمته، وإن ذاك عطس ولم يحمد الله فلم أشمته؛ فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمته، وإن لم يحمد الله فلا تشمته». فبين النبي عليه الصلاة والسلام أنه إن لم يحمد الله فإنه لا يشمت. ومع ذلك ينبغي على المسلم أن يتعلم هذا الأدب: أنه إذا عطس يقول: «الحمد لله»، ومن سمعه يقول له: «يرحمك الله»، فيرد عليه -أي العاطس-: «يهديكم الله ويصلح بالكم». هذه السنة في العطاس. وينبغي كذلك أن يسد فمه ما استطاع، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، يعني: يقتم العطاس بثوبه أو نحو ذلك، كما حث على ذلك النبي عليه الصلاة والسلام؛ وذلك لأن لا يرتفع صوته، أو كذلك أيضا يكون في ذلك سبب لخروج شيء من فمه ونحو ذلك. قال: باب دعاء العائد للمريض بالشفاء. قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا أيوب عن عمر بن سعيد عن حميد بن عبد الرحمن، قال: حدثني ثلاثة من بني سعد كلهم يحدث عن أبيه -يعني سعد بن أبي وقاص- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على سعد يعوده بمكة، فبكى، فقال: «ما يبكيك؟» قال: خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد -يعني سعد بن خولة-، قال: «اللهم اشف سعدا» ثلاثا. فقال: لي: «مال كثير يرثني ابنتي، أفأوصي بمالي كله؟» قال: «لا». قال: «فبالثلثين؟» قال: «لا». قال: «فالنصف؟» قال: «لا». قال: «فالثلث؟» قال: «الثلث، والثلث كثير». إن تصدقت من مالك صدقة، ونفقتك على عيالك صدقة، وما تأكل امرأتك من طعامك لك صدقة. وإنك إن تدع أهلك بخير -أو قال: بعيش- خير من أن تدعهم يتكففون الناس. وقال بيده -يعني أشار بيده- يعني: يسألون الناس. وأشار بيده. والحديث صحيح، وهو في الصحيحين -يعني أصل الحديث-، وقد مر معنا في أبواب قد تقدمت. وفيه أيضا بيان أن صدقة وإنفاق الرجل على أهله تعتبر صدقة، إنفاقه على نفسه تعتبر من الصدقة، وإنفاقه كذلك على عياله تعتبر من الصدقة. وكما جاء في حديث مسعود في الصحيح: «والنفقة ينفقها الرجل على أهله يحتسبها فهي له صدقة»، فهي له صدقة. فإنفاقك على أولادك تعتبر من الصدقة، وهكذا إطعامك لزوجتك، وما تنفق عليها كذلك يعتبر صدقة «وما تأكل امرأتك من طعامك لك صدقة». وبقية الحديث قد مر الكلام عليه. والشاهد منه هنا هو قول النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم اشف سعدا» ثلاثا. ففيه استحباب دعاء العائد للمريض إذا عدت مريضا فإنك تدعو له بالشفاء «اللهم اشفه، اللهم اشفه، اللهم اشفه» كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه من الفوائد التي يستفاد منها بعيادة المريض أن يدعى له بالشفاء. قال: باب فضل عيادة المريض. قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد الواحد، قال: حدثنا عاصم عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني عن أبي أسماء، قال: «من عاد أخاه كان في خرفة الجنة». قلت لأبي قلابة: «ما خرفة الجنة؟» قال: «جناها». قلت لأبي قلابة: «عن من حدثه أبو أسماء؟» قال: «عن ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم». قال: حدثنا ابن حبيب بن أبي ثابت، قال: حدثنا أبو أسامة عن المثنى -أظنه ابن سعد-، قال: حدثنا أبو قلابة عن أبي الأشعث عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. والحديث صحيح، هو في صحيح الإمام مسلم. وفي هذا الحديث بيان فضل من فضائل عيادة المريض: أنه سبب لدخول الجنة «من عاد أخاه كان في خرفة الجنة». قال: «وما خرفة الجنة؟» قال: «جناها». وخرفة الجنة: الخرفة معنى الثمرة إذا نضجت. ومعنى ذلك: أنه يكون من أهل الجنة، ويصيب من نعيم الجنة. فهذا فضل عظيم يناله من عاد مريضا. وجاء كذلك أحاديث أخرى في فضل عيادة المريض، منها ما جاء عند ابن حبان من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خمس من عملهن في يوم وليلة كتبه الله من أهل الجنة: من عاد مريضا، وشهد جنازة، وصام يوما، وراح إلى الجمعة، وأعتق رقبة». وهذا الحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب. والشاهد منه قوله: «من عاد مريضا»، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام من الأعمال التي توجب الجنة زيارة المريض. وجاء أيضا عند ابن ماجة والترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من عاد مريضا أو زار أخا له في الله ناداه مناد أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا». ناداه مناد: «أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا». وجاء كذلك عند الترمذي من حديث علي رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يعود مسلما غدوة -يعني في الصباح- إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وما من مسلم يعود مسلما عشية -يعني في المساء- إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح». وكلا الحديثين صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وهذا فضل عظيم يناله المسلم بعيادة أخيه المريض، ومعنى يصلون عليه: أن يدعون له. يدعو لك سبعون ألف ملك إذا زرته في المساء حتى تصبح، وهم يدعون لك. وإذا زرته في الصباح فإنهم يدعون لك حتى تمسي. فينبغي للمسلم أن يحرص على هذا الفضل وهذا الأجر بزيارته للمريض.