الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 174، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي قصة طفيل بن عمرو الدوسي الذي أسلم بعد لقائه بالنبي صلى الله عليه وسلم. كان من أشراف دوس وقد حذره المشركون من النبي.
دعا الطفيل قومه للإسلام فرفضوا، فطلب من النبي الدعاء عليهم، لكن النبي دعا لهم بالهداية بدلاً من ذلك. استجاب الله لدعائه وأسلموا فيما بعد.
يستدل من القصة على جواز رفع اليدين في الدعاء واستقبال القبلة، مع التأكيد على عدم جواز استقبال القبر عند الدعاء. الدعاء لغير المسلمين بالهداية مشروع.
الدعاء على من اعتدى على المسلمين أو كثر شرهم جائز، كما أن الدعاء بالهداية لمن لم يعتد جائز أيضًا، ويعتمد على نية المسلم وحال المدعو لهم أو عليهم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على شفيع الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا علي، وهو ابن المديني الملقب بحية الوادي لمعرفته وخبرته بعلم العلل، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثنا أبو الزناد، وهو عبد الله بن ذكوان، عن الأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، قال: قدم الطفيل بن عمرو الدوسي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن دوسا قد عصت وأبت، فادع الله عليها. فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلة ورفع يديه، فظن الناس أنه يدعو عليهم، فقال: «اللهم اهد دوسا وأت بهم». الحديث صحيح، وصححه شيخ الألباني رحمه الله، وهو في الصحيحين بغير ذكر رفع اليدين. وفي هذا الحديث، كما سمعنا، أن طفيل بن عمرو الدوسي رضي الله تعالى عنه قدم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكان طفيل بن عمرو من أشراف دوس، ودوس بلاد من بلاد اليمن. فقدم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكان من الشعراء كما ذكر أهل السير، وأنه لما قدم حذره المشركون من سماع كلام النبي عليه الصلاة والسلام، فوضع على أذنيه قطنا حتى لا يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم. فدخل المسجد وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحدث، فأبى الله عز وجل إلا أن يسمع كلامه، فانشرح صدره لكلام النبي عليه الصلاة والسلام، ثم أسلم وطلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يجعل له علامة. فدعا الله عز وجل أن يجعل له نورا، فوضع بين عينيه نورا يضيء، فلما ذهب إلى قومه وطلع وظهر هذا النور، فقال: اللهم اجعله في غير هذا الموضع. وجاء بعض الروايات أنه طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يحول بين عينيه حتى لا يظن أنه مثله، فجعله في طرف أصابعه. ثم أتى إلى أهله وأخبر أباه بأنه قد أسلم، فقال أبوه: إن دينه ودينك، وأسلم معه، ثم أسلمت أمه. ثم طلب من قومه أن يسلموا فأبوا، فأتى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره بأن دوسا قد عصت وأبت -يعني أبوا أن يسلموا- فقال: فادع الله عليها -طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو على قومه وعشيرته- فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلة ورفع يديه، قال: فظن الناس أنه يدعو عليهم. وجاء بعض الروايات أنه قالوا: هلكت دوس -يعني خشية دعاء النبي عليه الصلاة والسلام- فقال: «اللهم اهد دوسا وأت بهم». وأراد الإمام البخاري رحمه الله أن يستدل بهذا الحديث على جواز رفع اليدين في الدعاء، وهو ظاهر في هذا الحديث، فالنبي عليه الصلاة والسلام استقبل القبلة ورفع يديه فيدل ذلك على جواز رفع اليدين في الدعاء. وفي هذا الحديث كذلك استحباب استقبال القبلة عند الدعاء، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث. وكذلك استدل به أهل العلم أن ما يستقبل به الصلاة فكذلك يستقبل به الدعاء، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله، وأشار إلى ذلك شيخ الألباني رحمه الله في الحاشية. ومعنى ذلك أنه لا يجوز استقبال القبر بالدعاء، فمن أراد أن يدعو لصاحب القبر فإنه يستقبل القبلة لا يستقبل القبر، ومن ذلك قبر النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه إذا زاره وأراد أن يدعو فإنه يستقبل القبلة. ونبه على ذلك شيخ الإسلام رحمه الله في مواضع كثيرة من كتبه، منها في الرد على الأخنائي، وهكذا أيضا كما في مجموع الفتاوى، وذكر آثارا عن السلف في كراهتهم لاستقبال القبر عند الدعاء، بل الواجب أن يستقبل القبلة. وهكذا أيضا في هذا الحديث بيان عظيم رحمة النبي عليه الصلاة والسلام وشفقته على أمته، فهذا الطفيل بن عمرو يأتي يطلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو على دوس، فالنبي عليه الصلاة والسلام رفع يديه ودعا لهم بالهداية: «اللهم اهد دوسا وأت بهم». واستجاب الله عز وجل لدعاء النبي عليه الصلاة والسلام وأسلمت دوس. وفيه كذلك أيضا جواز الدعاء للمشركين بالهداية إذا كان يرجى هدايتهم، وكذلك أيضا لم يكن منهم عداوة وغلوة أو اعتداء على المسلمين وشر ونحو ذلك، فإنه يجوز أن يدعى لهم بالهداية. كما أنه يجوز أن يدعى عليهم بأن الله عز وجل ينتقم منهم، وكذلك أيضا أن يعاقبهم إذا كان لهم اعتداء على المسلمين، وكذلك أيضا تأذى منهم المسلمون، فلا بأس أن يدعو عليهم كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، فهنا دعا لهم بالهداية، وفي أحاديث أخرى دعا النبي عليه الصلاة والسلام على المشركين: «اللهم عليك بقريش». وهكذا دعا على غيرهم، فيجوز الدعاء عليهم إذا كانوا قد كثر شرهم واعتداؤهم على أهل الإسلام، ويجوز الدعاء لهم إذا لم يكن منهم اعتداء أو شر ويرجى هدايتهم، فإنه يدعى لهم بالهداية كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام.