الدرس في كتاب الطهارة 22، ألقاها
نواقض الوضوء هي الأمور التي تبطل الوضوء وتفسده، وتنقسم إلى قسمين: قسم مجمع عليه وقسم مختلف فيه. الأصل هو بقاء الوضوء حتى يثبت الدليل على ناقض.
اختلف العلماء في نقض الوضوء بالنوم، والراجح التفصيل بين النوم العميق الذي ينتقض به الوضوء والنوم اليسير الذي لا ينتقض به. هذا التفريق يجمع بين الأدلة المختلفة.
النوم العميق ناقض للوضوء، أما النوم اليسير فلا ينتقض به الوضوء ولا تبطل الصلاة به. هذا التفريق يتوافق مع ما ثبت عن الصحابة والتابعين.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه بلوغ المرام، في كتاب الطهارة، قال: باب نواقض الوضوء. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهده ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون. أخرجه أبو داود، وصححه الدارقطني، وأصله في مسلم. هذا الباب باب نواقض الوضوء، والنواقض جمع ناقض، والنقض كما قال الأزهري رحمه الله هو إفساد ما أبرمت من عقد أو بناء، فنواقض الوضوء أي مفسدات الوضوء، مفسدات ومبطلات الوضوء. فالوضوء له مبطلات، أمور إذا وقع فيها الإنسان أو فعلها بطل وضوه وفسد وضوءه. وهكذا الصلاة كما سيأتي لها مبطلات، وهكذا الصيام، وهكذا الحج. فالوضوء له مبطلات إذا فعلها الإنسان، إذا توضأ الإنسان وضوءا شرعيا كاملا، فالأصل صحة وضوءه وبقاء وضوءه، إلا إذا وقع في ناقض من نواقض الوضوء مما دل الدليل الصحيح على أنه مفسد للوضوء، فسد وضوءه. فالأصل هو صحة الوضوء وبقاء الوضوء، ولهذا من ادعى أن هذا الأمر ناقض للوضوء فعليه الدليل عليه، لأن الأصل هو بقاء الوضوء. فلهذا كانت النواقض محدودة ومعدودة، وهي تنقسم إلى قسمين: قسم مجمع عليه، كالبول والغائط، وقسم مختلف فيه. وهي أكثر النواقض، أكثر النواقض فيها خلاف بين أهل العلم، وسيأتي إن شاء الله ذكر الراجح منها في مواضعه. ذكر رحمه الله في أول هذا الباب حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهده، أي عهد النبي عليه الصلاة والسلام، في زمانه، في حياته، ينتظرون العشاء، أي صلاة العشاء، حتى تخفق رؤوسهم، يعني تميل من نعاس، ثم يصلون ولا يتوضؤون. قال: أخرجه أبو داود، وصححه الدارقطني، وأصله في مسلم. فالحديث أخرجه أبو داود من طريقه، من طريق شُعبة الدستوائي عن قتادة عن أنس، وليس فيه ذكر لفظة «على عهده»، لكن جاءت هذه اللفظة في سنن أبي داود معلقة من طريق شعبة عن قتادة «كنا على عهد رسول الله» وذكر الحديث، ووصلها الإمام البيهقي رحمه الله بسنده إلى شعبة عن قتادة عن أنس، فهي صحيحة. وأصل الحديث في مسلم كما قال الحافظ رحمه الله، فقد أخرجه مسلم من طريق شعبة عن قتادة قال: سمعت أنسا يقول: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون». قال: قلت سمعته من أنس أو قال سمعته أنت؟ قال: إي والله، يعني سمعوني النبي نعم، لا يعني القائل شعبة، نعم هو القائل لقتادة قال له: سمعته من أنس؟ قال: إي والله نعم. فهذا الحديث ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله في هذا الباب، وذكر لغرض أبي داود وهو قوله: «حتى تخفق رؤوسهم»، هذه الجملة ليست في صحيح مسلم، لأنها أظهر في المراد من أن النوم لا ينتقض به الوضوء، وهذه المسألة مختلف فيها، وهو هل النوم ناقض للوضوء أو ليس بناقض؟ فاختلف أول العلم في هذه المسألة إلى أقوال عديدة. والصحيح في هذه المسألة هو التفصيل، وهو أنه إذا كان النوم نوما يسيرا بحيث أن الإنسان يشعر بنفسه لو أحدث، فهذا لا ينتقض به الوضوء. وأما إن كان نوما عميقا بحيث أنه لا يشعر بنفسه لو أحدث، فهذا ينتقض وضوءه، ولا فرق بين أن يكون متجعا أو يكون جالسا ممكنا مقعدته من الأرض أم لا. فإذا كان النوم نوما عميقا فإنه ينتقض وضوء، وأما إن كان النوم يسيرا ونعاسا خفيفا يشعر بنفسه، فإنه لا ينتقض وضوء. هذا القول هو الراجح الذي به تجتمع الأدلة. فحديث أنس في هذا الباب أن الصحابة رضي الله عنهم ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم، يعني ينامون وينعسون ينتظرون إقامة الصلاة العشاء، فإذا جاء النبي عليه الصلاة والسلام يقومون إلى الصلاة ولا يتوضؤون، معنى هذا أنهم لا يعدون الوضوء، بل يصلون بهذا الوضوء. وهذا يدل على أن النوم اليسير لا تنتقض به الطهارة. وقوله: «كان أصحاب رسول الله» يعني أن هذا تكرر منهم، تكرر منهم أنهم كانوا يفعلون ذلك في صلاة العشاء، فيدل هذا على أن هذا الفعل وهو النوم اليسير وحصول السبات والنعاس وخفقان الرأس لا يبطل به الوضوء، وأن هذا شيئا كان معروفا عندهم ومعلوما لديهم. وفي هؤلاء الصحابة كبار الصحابة رضي الله عنهم كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، فدل هذا على أن الوضوء لا ينتقض بمثل هذا النوم. وأما إن كان نوما عميقا فقلنا هذا ينتقض به الوضوء، ويدل عليه حديث صفوان بن عسال الذي مر معنا في الباب السابق، باب المسح على الخفين، في قول النبي عليه الصلاة والسلام أو قول صفوان: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم». هنا قرن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر النوم مع الغائط والبول، مع أن الغائط والبول ناقضان بالإجماع، ناقضان للوضوء بالإجماع. فلما قرن النبي صلى الله عليه وسلم معهما النوم دل هذا على أن النوم كذلك ناقض. طيب ما هذا النوم الذي ينتقض به الوضوء؟ نقول: هو النوم العميق، النوم العميق الذي لا يشعر الإنسان بنفسه لو أحدث. لماذا نقول ذلك؟ نقول: أنه ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم ينامون النوم اليسير ثم يقومون فيصلون ولا يتورعون، إذن يحمل حديث صفوان على النوم العميق الذي لا يشعر الإنسان بنفسه لو أحدث. وبهذا تجتمع الأدلة، وهذا القول كما سمعنا هو أرجح الأقوال في هذه المسألة في مسألة هل النوم ناقض أو ليس بناقض؟ فنقول: إن كان النوم عميقا لا يشعر الإنسان بنفسه لو أحدث فإنه ينتقض وضوءه. وأما إن كان النوم يسيرا وخفيفا بحيث يشعر بنفسه لو أحدث فإنه لا ينتقض وضوءه. ولأن النوم هو مظنة الحدث، يعني ليس هو حدث بنفسه. هناك من النواقض ما هي حدث بنفسها كالغائط والبول ونحوها من النواقض الأخرى، وهناك من النواقض ما هي مظنة الحدث كالنوم ولمس المرأة على القول بأنه ناقض، هذه مظنة للحدث وليس هي حدث بنفسها، وإنما يخشى أن الإنسان إذا نام فلا يشعر بنفسه فيخرج منه شيء فينتقض وضوءه وتبطل طهارته. لكن هذا يغلب ما إذا كان النوم عميقا، أما إذا كان النوم يسير وخفيف فالإنسان يشعر بنفسه لو خرج منه شيء، فلأجل ذلك لم ينتقض به الوضوء إذا كان يسيرا، وإنما ينتقض إذا كان نوما عميقا. ويدل على ذلك أيضا ما ثبت بالصحيح أن ابن عباس أنه صلى مع النبي عليه الصلاة والسلام في قيام الليل، قال: «فجعلت أخفق رأسي» يعني في الصلاة، هو يصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «فجعلت إذا أغفيت أخذ بشحمة أذني» أي النبي صلى الله عليه وسلم حتى ينتبه، واستمر في صلاته. إذا دل هذا أن النوم اليسير حتى لو حصل للإنسان في الصلاة فإنه لا ينتقض به وضوءه، لكن إذا غلب عليه النوم إذا غلب عليه النوم والنعاس في الصلاة، وخاصة في الصلاة المستحبة كقيام الليل ونحوه، فإن المشروع في حقه في مثل هذه الحالة أن يكمل هذه الصلاة ويذهب ينعس وينام، كما أشار النبي عليه الصلاة والسلام بذلك «إذا نعس أحدكم في صلاة فليذهب فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو نائم لعله يستغفر فيسب نفسه». فالمقصود أن حصول النوم في داخل الصلاة النوم اليسير لا ينتقض به الوضوء ولا تبطل به الصلاة، فيدل ذلك على أن النوم في حد ذاته ليس بناقض. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.