الدرس في كتاب الطهارة 37، ألقاها
تناول المقطع الأول حكم الوضوء بين الجماعين واختلاف أهل العلم فيه، بينما ناقش الثاني حكم الوضوء للجنب قبل النوم وآراء الفقهاء المختلفة حوله.
شرح المقطع صفة غسل الجنابة المستحبة والمجزئة كما ورد في الأحاديث النبوية، مبيناً الفروق بينهما.
ناقش المقطع حكم تنشيف الأعضاء بعد الوضوء واستدل بآثار السلف في ذلك.
الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الحافظ بن حجر رحمه الله في كتابه «بلوغ المرام»، في كتاب الطهارة، في باب الغسل وحكم الجنب: قال، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءا» رواه مسلم. زاد الحاكم: «فإنه أنشط للعود». هذا الحديث رواه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه، من طريق عاصم الأحول، قال: سمعت أبا المتوكل عن أبي سعيد الخدري، وذكر الحديث. وأخرجه الحاكم بزيادة: «فإنه أنشط للعود». وهذه زيادة ذكر ابن حبان أنه تفرد بها مسلم بن إبراهيم عن شعبة، ورواه غيره عن شعبة بدونها، أي بدون هذه الزيادة. وعلى هذا تكون هذه الزيادة شاذة، لكن معناها صحيح. فهذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الإنسان إذا أتى أهله، يعني جاء مع أهله وقضى حاجته، ثم أراد أن يعود، يعني أن يعود للجماع، سواء كان مع أهله هؤلاء أو كان مع غيرهم، إذا كان متزوج بأكثر من واحدة، قال: «فليتوضأ بينهما وضوءا»، يعني بين الجماع الأول وبين الجماع الثاني، فليتوضأ بين الجماعين. فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالوضوء بين الجماعين. واختلف أهل العلم: هل هذا الوضوء واجبا أو مستحبا؟ فذهب بعض أهل الظاهر إلى الوجوب، قالوا: لقول عليه الصلاة والسلام: «فليتوضأ»، وهذا أمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب. وذهب جمهور أهل العلم إلى أن الوضوء بين الجماعين مستحب وليس بواجب، واستدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يجامع أهله ثم يعود ولا يحدث وضوءا، ثم يعود ولا يحدث وضوءا»، أو «ولا يتوضأ». أخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار». وهذا يدل على أن هذا الأمر للاستحباب وليس للوجوب. ثم اختلف أهل العلم: ما المراد بالوضوء؟ قال أهل الظاهر: المراد بالوضوء الوضوء الشرعي، هو غسل الأعضاء الأربعة. وقال أكثر الفقهاء: المراد بالوضوء غسل الفرج. وقول أهل الظاهر هو الأظهر؛ لأن الوضوء إذا أطلق في الشرع فإنه يحمل على معناه الشرعي، والوضوء في الشرع هو غسل الأعضاء الأربعة. وهذا هو الصحيح. والحكمة من ذلك، الحكمة من الوضوء بين الجماعين، في زيادة الترمذي، الإمام الحاكم رحمه الله، قوله: «فإنه أنشط للعود». هذه زيادة، وإن كانت لا تثبت، لكن معناها صحيح. فكون الإنسان يتوضأ بين الجماعين، فهذا مما يزيده نشاطا، وقوة. وكذلك أيضا هو أكمل من حيث التطهر والنظافة، فلا شك أن ذلك أفضل وأكمل. وكذلك الغسل، بالنسبة للغسل، فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يجامع أهله بغسل واحد، وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه أتى أهله وكان يغتسل عند هذه وعند هذه. فمن الأول حديث أنس رضي الله عنه في الصحيحين: «أن النبي صلى الله عليه وسلم ربما طاف على نسائه في الساعة الواحدة من ليل أو نهار، وكنا إحدى عشرة امرأة». قال قتادة: «وسألت أنسا: أو كان يطيق ذلك؟ فقال أنس رضي الله عنه: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين». وجاء من طريق سعيد عن أنس أنه قال: «وكنا تسع نسوة». وأما هذا في ترك الاغتسال والاكتفاء بغسل واحد، وأما الاغتسال عند كل واحدة، فجاء في حديث أبي رافع قال: «طاف النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم على نسائه، يغتسل عند هذه وعند هذه، فقلت: يا رسول الله، أفلا جعلته غسلا واحدا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «ذلك أزكى وأطيب وأطهر» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. فهذا يدل على أن كلا الأمرين جائز، إن شاء المسلم أن يغتسل عند كل جماع، وإن شاء اكتفى بغسل واحد، فكلا الأمرين جائز، ذاك أفضل، والأكمل هو أن يحدث بين كل جماع وآخر غسلا أو وضوءا. قال رحمه الله: وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء». هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي من طريق أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة. والحديث أصله في مسلم، أخرجه الإمام مسلم من طريق شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان جنبا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة». وليس فيه: «لم يمس ماء». ولهذا طعن الحفاظ بهذه الرواية التي فيها: «من غير أن يمس ماء»، وقالوا: إن أبا إسحاق أخطأ فيها. أبو إسحاق السبيعي أخطأ في هذه الرواية. وممن قال ذلك الإمام مسلم رحمه الله، وهكذا الإمام أبو داود، وهكذا الإمام الترمذي، قالوا: يرون أن أبا إسحاق السبيعي أخطأ فيها. وهكذا الإمام أحمد رحمه الله قال: «هذا الحديث ليس بصحيح»، أي قوله: «من غير أن يمس ماء». وعلى أن بعض أهل العلم حمل قولها: «من غير أن يمس ماء»، يعني ماء الغسل، من غير أن يمس ماء الغسل، وإن كان يتوضأ. ومنهم من قال كذلك: «من غير أن يمس ماء»، أنه فعل ذلك، يعني لبيان الجواز، فلم يغتسل ولم يتوضأ. لكن هذه الرواية كما علمنا لا تصح. وعلى هذا اختلف أهل العلم في حكم الوضوء للجنب إذا أراد أن ينام: هل يجب عليه أن يتوضأ قبل أن ينام أو لا يجب عليه أن يتوضأ؟ فذهب إلى الوجوب الظاهرية، قالوا: يجب على الجنب إذا أراد أن ينام وهو على جنابته أن يتوضأ قبل أن ينام. واستدلوا بحديث ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام بإخباره أن الجنب إذا أراد أن ينام فعليه أن يتوضأ، حيث من حديث عمر: «أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد». فقال بوجوب الوضوء. وذهب الحنابلة إلى الاستحباب، قالوا: لأن هذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عائشة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يأكل أو ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة». وهذا فعل، وأفعال النبي عليه الصلاة والسلام تدل على المشروعية والاستحباب. فلذلك قالوا: يستحب للجنب إذا أراد أن ينام أن يتوضأ قبل أن ينام. وذهب جمهور أهل العلم إلى جواز أن ينام الجنب من غير وضوء، قالوا: لعدم وجود ما يدل على وجوبه أو الأمر به. ولا شك أن القول بالاستحباب هو أعدل الأقوال؛ لأن هذا هو فعل النبي عليه الصلاة والسلام، أنه كان يتوضأ إذا أراد أن ينام وهو جنب. هذا الذي ينبغي للجنب إذا أراد أن ينام أن يتوضأ، لكن لو ترك الوضوء، هل هو آثم؟ الجواب: لا، ليس بآثم، لكن ترك الأفضل، والأكمل أن يغتسل، فإن تكاسل عن الغسل، فلا أقل أن يتوضأ، يتوضأ ثم ينام، فهذا هو المستحب. وقد جاء في صحيح الإمام مسلم ما يدل على جواز تأخير الغسل إلى أن يستيقظ. فجاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن أبي قيس أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن فعل النبي عليه الصلاة والسلام وهو جنب: هل كان يغتسل قبل أن ينام أو ينام ثم يغتسل؟ قالت: «كل ذلك كان يفعله، ربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام». فقال: «الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة». قال: «الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة». قال رحمه الله: وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه». متفق عليه، واللفظ لمسلم. ولهما من حديث ميمونة: «ثم أفرغ على فرجه وغسله بشماله، ثم ضرب بها الأرض». وفي رواية: «فمسحها بالتراب». وفي آخره: «ثم أتيته بالمنديل فرده». وفيه: «وجعل ينفض الماء بيده». هذا الحديث حديث عائشة رضي الله عنها في ذكر صفة غسل النبي عليه الصلاة والسلام للجنابة، وهو في الصحيحين. وقد أخرجاه من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وقولها رضي الله عنها: «ثم يتوضأ»، «ثم يتوضأ» هكذا عند مسلم. وجاء بلفظ: «ثم يتوضأ وضوءه للصلاة»، «ثم يتوضأ وضوءه للصلاة». وعند البخاري: «ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة»، «ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة». وقولها: «ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات»، المراد بالحفنات أخذ الماء بملء الكفين. وقولها: «ثم أفاض على سائر جسده»، يعني بقية الجسد. وقولها: وفي رواية «فمسحها بالتراب»، هذه الرواية عند البخاري، وعند مسلم: «ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكا شديدا». وقوله: «فرده»، وفيه: «وجعل ينفض الماء بيده»، هذا لفظ البخاري: «جعل ينفض الماء بيده». وعند مسلم: «وجعل يقول بالماء هكذا»، يعني ينفضه. هذا الحديث حديث عائشة رضي الله عنها، وحديث ميمونة فيه بيان صفة غسل الجنابة المستحبة، وذلك بأن يبدأ من أراد أن يغتسل غسل الجنابة بغسل يديه، ثم يغسل فرجه، ثم يضرب يده اليسرى بالأرض فيدلكها دلكا شديدا حتى يزيل ما علق بها من غسل الفرج، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يحفن ثلاث حفنات فيضع الماء على رأسه ويخلل أصابع يديه في رأسه حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرة رأسه، يعني وصل الماء إلى أصول الشعر، شعر الرأس، أفاض الماء وغسل بقية الجسد. هذه الصفة هي صفة المستحبة في غسل الجنابة. وهناك بعض الاختلافات اليسيرة بين حديث عائشة وحديث ميمونة رضي الله تعالى عنهما. ولهذا ذكر الحافظ بعضها ليبين بعض الفروق بين الروايتين وبين الحديثين. ويحمل هذا على أن النبي عليه الصلاة والسلام فعل هذا مرة وفعل ذاك مرة أخرى، ويكون هذا من باب التنوع في العبادات، فيفعل الإنسان هذا تارة ويفعل ذاك تارة. ومن ذلك مثلاً غسل القدمين، في حديث عائشة: أنه غسل قدميه في أثناء الوضوء. وفي حديث ميمونة: أنه أخر غسل القدمين فغسله بعد الفراغ من الغسل. هذه الصفة المستحبة، وهناك صفة مجزئة، وهو أن يعمم جسده بالماء، يعمم جسده بالماء مع المضمضة والاستنشاق. فإذا فعل ذلك ارتفعت عنه الجنابة؛ لقول الله جل وعلا: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. فمن اغتسل وعمم جسده بالماء فقد تطهر وصدق عليه أنه متطهر. ولم يذكر الله جل وعلا صفة معينة في غسل الجنابة، فيجزئه ذلك. وكذلك أيضا يجزئه غسل الجنابة عن الوضوء؛ إن الله عز وجل قال: ﴿أَوْ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا﴾، فجعل الغاية في جواز قرب الصلاة أن يغتسل الجنب، فإذا اغتسل جاز له أن يصلي. وهنا تأتي ذكر بعض المسائل المتعلقة بهذين الحديثين. منها: في غسل الجسد، إذا غسل الجنب جسمه، هل يغسل جسمه ثلاثة مرات أو يغسل مرة واحدة؟ فالمشهور عند الحنابلة: أنه يغسل جسمه ثلاث مرات، وقاسوا ذلك على الوضوء، قالوا: فالوضوء يشرع فيه تثليث الأعضاء، قالوا: فكذلك الغسل، كذلك يشرع فيه أن يغسل جسده ثلاث مرات. وظاهر حديث عائشة وميمونة: أنه غسل عليه الصلاة والسلام جسده مرة واحدة، قال: «ثم أفاض الماء على سائر جسده»، ولم تقل: «ثلاث مرات». فهذا دليل على أنه غسل جسده مرة واحدة. وإلى هذا جنح الإمام البخاري رحمه الله، وهكذا أيضا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وكذلك أيضا مسألة المضمضة والاستنشاق، لم يرد في الحديثين ذكر المضمضة والاستنشاق في وضوء النبي عليه الصلاة والسلام. فمن أهل العلم من قال: هما داخلان في وضوءه عليه الصلاة والسلام، في قولها: «توضأ وضوءه للصلاة»، ومن الأعضاء التي تغسل في الوضوء كذلك المضمضة والاستنشاق، فيكونان داخلين في عموم قولها: «ثم توضأ وضوءه للصلاة». ونقل ابن بطال رحمه الله الإجماع على أن الوضوء في غسل الجنابة ليس بواجب. وأن أهل العلم تعقبوا في ذلك بأن بعض أهل العلم ذهب إلى الوجوب، كأبي ثور، وكذلك داود الظاهري. وذهب إلى الوجوب الحنفية، قالوا: يجب المضمضة والاستنشاق. والأظهر عدم الوجوب؛ لأن الوضوء نفسه في غسل الجنابة ليس بواجب، وإنما هو مستحب. ولهذا لو ترك الإنسان الوضوء واغتسل من غير أن يتوضأ أجزأه ذلك عن الوضوء كما ذكرنا. وهكذا أيضا في قولها: «فأتيته بالمنديل فرده»، بعض أهل العلم استدل بهذا على أنه ينبغي ترك تنشيف الأعضاء بعد الغسل والوضوء، قالوا: لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما جاءته ميمونة بالمنديل رده ولم يقبله ولم ينشف أعضائه، قالوا: الحكم في ذلك أن هذا الماء الذي تبقى بعد الغسل والوضوء هو من آثار هذه العبادة، فينبغي أن يترك. وذهب جمهور أهل العلم إلى إباحة تنشيف الأعضاء بعد الغسل والوضوء، وأن هذا مباح، ولا بأس أن ينشف الإنسان أعضاءه. وهذا هو الصحيح. وأما كون النبي عليه الصلاة والسلام رد المنديل، فلعل ذلك لسبب من الأسباب، كما ذكر أهل العلم: ربما كان المنديل متسخا، وربما كان مستعجلا أو غير ذلك من الأسباب. لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنه، وكذلك أيضا لم يأمر بتركه. وإنه مجرد فعل حصل من النبي عليه الصلاة والسلام، لا يدل ذلك على تحريم استعمال المنديل أو عدم مشروعيته. وذكر الإمام داود رحمه الله أثرا عن إبراهيم النخعي أنه سئل عن تنشيف الأعضاء فقال: «كانوا يرون بالمنديل بأسا، ولكن كانوا يكرهون العادة»، يعني كرهوا أن يتخذ هذا عادة بعد كل وضوء أن ينشف أعضائه، فربما تركوا ذلك من أجل هذا الأمر. فلو فعله الإنسان تارة وتركه تارة فليس في ذلك شيء. نكتفي بهذا القدر، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.