الدرس في كتاب الطهارة 5، ألقاها
يتناول شرح حديث نبوي يبين طهارة الهرة وسؤرها، واستدل العلماء بهذا الحديث على طهارة فم الهرة وسؤرها مع اختلافهم في شمول الطهارة لبدنها كله. يُعد هذا الفصل مقدمة للكلام عن الطهارة في الإسلام.
يشرح حكم نجاسة بول الآدمي وكيفية تطهير المواضع النجسة، مستندًا إلى حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الذي يروي قصة أعرابي بال في المسجد. يُبين أن بول الآدمي نجس ويجب تطهير الموضع المصاب به.
يشرح كيفية تطهير النجاسة في المساجد بصب الماء على الموضع النجس كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين أهمية الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه في الإسلام. يُعد هذا الفصل ختامًا للتوجيهات العملية في الطهارة والصلاة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسنقرأ إن شاء الله في كتاب بلوغ المرام في أدلة الأحكام للحافظ بن حجر رحمه الله. قال الإمام الحافظ بن حجر رحمه الله في كتاب بلوغ المرام، في كتاب الطهارة، في باب المياه: وعن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الهرة: «إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم». أخرجه الأربعة، وصححه الترمذي وابن خزيمة. هذا الحديث حديث صحيح، كما ذكر رحمه الله أن الترمذي قد صححه، وكذلك ابن خزيمة. وأيضا صححه الإمام البخاري رحمه الله، والعقيلي، والدارقطني، وغيرهم. وهذا الحديث يخبر أبو قتادة رضي الله عنه، والحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الهرة... والهرة هي الأنثى من القطط، يقال لها هرة، والذكر يقال له هر. الذكر يقال له هر، والأنثى يقال لها هرة، وجمع هرة هرر. جمع هرة هرر، وجمع الهر هررة. قال فيها النبي عليه الصلاة والسلام: «إنها ليست بنجس». إنها ليست بنجس، أي ليست عينها نجسة. ليست عينها نجسة، وبكسر الجيم بنجس، أي الشيء الذي أصابه نجاسة. الشيء الذي أصابه نجاسة. ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم العلة في عدم نجاستها، قال: «إنما هي من الطوافين عليكم»، أي ممن يطوف في البيت، ويدخل ويخرج، كالخدم الذين يكونون في البيت، يدخلون على أهل البيت ويطوفون عليهم، فيشق التحرز منهم. فلأجل ذلك حكم الشرع بطهارتها. وأصل هذا الحديث في السنن أن فيه قصة، وهو أن أبا قتادة رضي الله عنه دخل على كبشة بنت كعب بن مالك، وكانت تحت ولده عبد الله. فقربت إليه وضوءا، فجاءت الهرة لتشرب منه، فقرب لها الإناء، فجعلت تنظر متعجبة. فقال: أتعجبين من هذا؟ قالت: نعم. قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الهرة: «إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم». فهذا الحديث فيه دليل على طهارة سؤر الهرة وفمها، أن فمها وسؤرها طاهر. فإذا شربت من ماء في إناء، أو أكلت من طعام في إناء، فإنه لا يتنجس، بل هو طاهر لطهارة سؤرها وفمها. وهل هذه الطهارة خاصة فقط بفمها، أم أنها كلها طاهرة؟ هل الهرة كلها طاهرة، أم هذه الطهارة مختصة فقط بفمها وسؤرها؟ قال بهذا بعض أهل العلم، قالوا: إنما هذه الطهارة هي خاصة بفمها، أما بدنها فهو نجس. قالوا: إن بدنها نجس. والصحيح أنها كلها طاهرة، أنها كلها طاهرة. فقول عليه الصلاة والسلام: «إنها ليست بنجس»، يعني ليست عينها نجسة. وإذا لم تكن عينها نجسة، إذن فهي طاهرة. فهي طاهرة. هذا والصحيح. ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم العلة في طهارتها، قال: «إنما هي من الطوافين عليكم». العلة في كونها طاهرة أنها ممن يطوف على أهل البيت، يدخل البيت وتجول في البيت. ومثل هذا يشق التحرز منه. يشق التحرز منه إذا أتى على الآنية التي فيها طعام وفيها شراب، فولغ فيها وشرب منها، فيكون في ذلك مشقة. فلأجل ذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأنها طاهرة. والحق أهل العلم هذا الحكم بما كان علته كعلة هذه الهرة، وذلك ممن يطوف على أهل البيت، ويحتاج الناس إليه، ويشق التحرز منه، وليست عينه نجسة. فإن هذا كذلك حكمه الطهارة، مثل الحمار والبغل. هذا يحتاج له الناس، خاصة في بعض القرى الذين لا ينفكون عن استعمال الحمار في حوائجهم ونقل أمتعتهم، فيشق التحرز منه. فإنه يحكم بطهارته لهذا الحديث، لكونه من الطوافين عليكم. وهذا هو الصحيح. وأن هذا الحكم لا يختص بما كان مثل الهرة أو دونها. بعض العلماء من الحنابلة قالوا: هذا الحكم إنما هو في الهرة وما كان مثلها أو دونها في الخلقة. ما كان مثلها أو دونها في الخلقة، كالفارة. الفارة كذلك سؤرها طاهر، لماذا؟ لأنها من الطوافين علينا، ومما يشق التحرز منها. فيكون حكم حكم الهرة. قالوا: أما ما كان أكبر من الهرة فإنه لا يحكم بطهارته. هكذا قالوا. والصواب القول الأول، أنه يحكم بطهارته، لأن العلة ليست هي الكبر والصغر، وإنما العلة في الطهارة هي كونها من الطوافين علينا. فكل ما كان يوصف بهذا الوصف، بكونه يطوف على الناس أو على أهل البيت، وشق التحرز منه، فإن حكمه الطهارة. وكذلك أيضا في هذا الحديث دليل على قاعدة من القواعد الشرعية، وهي: المشقة تجلب التيسير. المشقة تجلب التيسير. فلما كان في التحرز من الهرة وما كان مثلها مما يطوف على أهل البيت مشقة، جاء التيسير بالحكم بطهارتها. جاء التيسير بالحكم بطهارتها. وذكر هذا الحديث في هذا الباب في باب المياه، أراد المؤلف رحمه الله أن يبين أن الهرة إذا ولغت في إناء فيه شراب مثلا، فإنه لا يتنجس، وإن كان قليلا. لماذا؟ لأن سؤرها وفمها طاهر. لأن سؤرها وفمها طاهر. هذا هو المقصود من ذكر هذا الحديث في هذا الباب. ومثله من يحكم عليه بحكم الهرة، فإذا شرب الحمار من إناء أو البغل، فكذلك لا يتنجس، لأن فمه وسؤره طاهر. قال رحمه الله: وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم. فلما قضى بوله، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فأهريق عليه. متفق عليه. هذا الحديث في الصحيحين. وقوله رضي الله عنه: جاء أعرابي. والأعراب هم سكان البادية، هم سكان البادية. والنسبة إليهم أعرابي. والأعراب جمع ليس له مفرد من لفظه. ليس له مفرد من لفظه. قال: بال في طائفة المسجد، يعني في ناحية من نواحي المسجد، أي مسجد النبي عليه الصلاة والسلام. فزجره الناس، أي أنكروا عليه. أنكروا عليه هذه الفعلة. فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، يعني نهاهم عن الإنكار عليه بهذه الصورة التي فيها شيء من العنف والشدة. فلما قضى بوله، وفرغ من بوله، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء. الذنوب هو الدلو المليء ماء. فأهريق عليه، أي صب على محل بول هذا الأعرابي. فهذا الحديث فيه بيان حكم نجاسة بول الآدمي. حكم نجاسة بول الآدمي، فبول الآدمي نجس. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصب الماء عليه. وفيه كذلك أن تطهير الموضع الذي فيه نجاسة كالبول ونحوه، بصب الماء عليه. فإن كان رخوا اكتفي بصب الماء فقط، وإن كان صلبا يصب الماء عليه ويغسل. يصب الماء عليه ويغسل. وكذلك أيضا فيه أن وقوع النجاسة في موضع الرخو كالرمل أو الحصى، لا يلزم ولا يجب إزالة أو رفع هذا الرمل الذي أصابته النجاسة. بل يكتفى بصب الماء فوق النجاسة. يكتفى بصب الماء فوق النجاسة. فالنبي صلى الله عليه وسلم صب الماء على موضع بول الأعرابي، ولم يأمر بأخذ ما بال عليه من الحصى أو الرمل. وكان مسجد النبي عليه الصلاة والسلام مفروشا بالحصى. لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ الموضع من الحصى الذي بال عليه الأعرابي. فدل هذا على أنه يكتفى بصب الماء على موضع النجاسة. وفيه كذلك أيضا دليل على القاعدة الشرعية، وهي أنه إذا اجتمعت مفسدتان، فإنه يرتكب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما. ووجه ذلك أن بول الأعرابي في المسجد مفسدة، بول الأعرابي في المسجد مفسدة، لأنه تنجيس وتقذير للمسجد الذي يجب تطهيره وتنزيهه من النجاسات. ومنعه وقطعه من بوله فيه مفسدة أعلى، وهو كونه يتضرر بقطع بوله، وربما يصيبه شيء من المرض في المثانة بسبب ذلك. وكذلك أيضا إذا زجر ومنع من إتمام بوله، ربما يقوم فينتشر البول في أكثر من موضع، وفي ثيابه وفي بدنه. ولا شك أن هذه مفسدة أعظم. لأجل ذلك ارتكب النبي عليه الصلاة والسلام أخف المفسدتين، فجعله يقضي بوله وينتهي من بوله، حتى لا يترتب على ذلك مفسد أعظم مما قد ذكر، من انتشار البول في أكثر من موضع من المسجد، أو في ثيابه أو في بدنه، أو تضرره بانقطاع البول. وفيه كذلك أيضا ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من حسن الخلق، والتعامل مع الناس، حتى مع الجاهل، في حسن تعليمه. وما كان عليه من الرأفة والرفق. فلأجل ذلك لما زجره الناس، نهاهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يعاملوه بهذه المعاملة، وبهذه الغلظة. وهو رجل جاهل يحتاج إلى تعليم وإلى رفق. فرفق به النبي عليه الصلاة والسلام. حتى إن هذا الأعرابي لما انتهى من قضاء بوله، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتطهير الموضع الذي بال فيه، علمه النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من هذا. لا يصلح فيها شيء من هذه النجاسات، وإنما هي لتلاوة القرآن، وللصلاة، ولذكر الله. فقال هذا الأعرابي في رواية: اللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد حجرت واسعا»، يعني ضيقت رحمة الله واسعة. وهو دعا الله عز وجل أن تكون له رحمة خاصة للنبي عليه الصلاة والسلام، لما رأى من حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، وشفقته ورحمته عليه الصلاة والسلام. وفيه كذلك أيضا أن المساجد يجب أن تنزه من النجاسات والقاذورات، وأن تنظف وتطيب، وأن تكون طاهرة نظيفة. وهكذا أيضا فيه إنكار المنكر. فالنبي عليه الصلاة والسلام لم ينكر عليهم كونهم أنكروا عليه، لأن ما فعله منكر بلا شك. كونه يبول في المسجد هذا منكر. لكن زجرهم النبي صلى الله عليه وسلم بسبب الهيئة والكيفية التي أرادوا أن ينكروا عليه بها. وأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون ذلك برفق وبلطف. ففيه كما ذكرنا، فذكر هذا الحديث في هذا الباب لأجل بيان كيفية تطهير الموضع إذا أصابته النجاسة، بصب الماء عليه. وأنه بذلك يطهر. وحينئذ يجوز استعمال هذا الموضع للصلاة. إذا وقعت النجاسة في موضع من المسجد أو في غير المسجد، كالبيت مثلا. إذا كان إنسان يصلي في مكان وقعت فيه نجاسة، فطهر هذا الموضع بالماء، فله بعد ذلك أن يصلي عليه، وليس عليه شيء. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.