كتاب الطهارة 36

الدرس في كتاب الطهارة 36، ألقاها

حكم غسل يوم الجمعة واختلاف العلماء فيه

اختلف العلماء في وجوب غسل يوم الجمعة، فمنهم من رأى وجوبه ومنهم من رأى أنه مستحب. الراجح أنه واجب لمن أراد حضور الجمعة.

تفصيل حكم الغسل يوم الجمعة لمن يلزمهم

الغسل يوم الجمعة واجب على من يريد حضور الجمعة، ولا يلزم من لم يرد الحضور كالنساء والمريض والمسافر. جمهور أهل العلم يرى أنه ليس بواجب مطلقًا.

حكم قراءة القرآن للجنب والحائض وآراء العلماء

اختلف العلماء في حكم قراءة الجنب والحائض للقرآن، فمنهم من منع ذلك ومنهم من أجازه. القول الصحيح هو الجواز لعدم وجود دليل صحيح صريح على المنع.

أدلة وآراء العلماء حول جواز قراءة القرآن بدون طهارة

استدل المانعون بحديث علي، بينما استدل المجيزون بحديث عائشة وعدم وجود دليل صحيح على المنع. شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم قالا بالجواز.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الحافظ بن حجر رحمه الله في كتابه «بلوغ المرام»، في كتاب الطهارة، في باب غسل الجنابة، قال: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم». أخرجه السبعة. هذا الحديث، حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أخرجه السبعة. من هم السبعة؟ أهل السنن الأربعة، والبخاري، ومسلم، وأحمد، أو يقال أصحاب الكتب الستة والإمام أحمد. نعم، أخرجوه من طريق صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري به. نعم، إلا الترمذي، إلا الترمذي لم يخرجه. وهذا الحديث يخبر نبي عليه الصلاة والسلام أن غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم. والمراد بالمحتلم، أي البالغ؛ لأن الحلم، الاحتلام، من علامات البلوغ. فاستدل بهذا الحديث من قال بوجوب غسل يوم الجمعة. من قال بوجوب غسل يوم الجمعة، وهو قول جماعة من الصحابة، كأبي سعيد، أبي هريرة، وعمر، وعمار، وهو أيضا قول الظاهرية، ورواية عن إمام مالك رحمه الله، وهو أيضا رواية عن إمام أحمد، فيمن تلزمه الجمعة. واستدل بهذا الحديث حديث الباب؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «غسل يوم الجمعة واجب»، فأطلق النبي صلى الله عليه وسلم حكم الوجوب على غسل يوم الجمعة، وأنه واجب على كل محتلم، أي بالغ. والنبي صلى الله عليه وسلم من أفصح الناس كلاما ولغة؛ فلا يطلق لفظ الوجوب على شيء ليس بواجب. وهكذا أيضا استدلوا بحديث ابن عمر، كذلك في الصحيحين، في قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا أراد أحدكم الجمعة فليغتسل». وأيضا حديث ابن عباس: أن طاووسا قال لابن عباس: وخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم، وأصيبوا من الطيب». فقال ابن عباس: أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا أدري. والحديث في الصحيحين. والشاهد قوله: «أما الغسل فنعم»، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به. وقوله عليه الصلاة والسلام: «اغسلوا أو اغتسلوا يوم الجمعة»، هذا أمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب. وهكذا أيضا حديث أبي هريرة، في قوله عليه الصلاة والسلام: «حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما يغسل رأسه وجسده». والحديث في الصحيحين. فهذه الأحاديث تدل على وجوب الغسل يوم الجمعة. وسيأتي ذكر القول الآخر في هذه المسألة عند حديث سمرة بن جندب. قال المؤلف رحمه الله: وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل». رواه الخمسة، وحسنه الترمذي. هذا الحديث، حديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه، في قوله عليه الصلاة والسلام: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمة»، يعني نعمة الوضوء والاكتفاء به. «ومن اغتسل فالغسل أفضل وأكمل». قال: رواه الخمسة، يعني أصحاب السنن الأربعة والإمام أحمد. والحديث رواه أصحاب السنن، إلا ابن ماجة؛ فإنه أخرجه في سننه من حديث أنس، ليس من حديث سمرة. وأخرجه البقية من طريق قتادة، عن الحسن، عن سمرة. واختلف أهل الحديث وأهل العلم في سماع الحسن من سمرة؛ فذهبوا في ذلك إلى ثلاثة أقوال. فمن أهل العلم من قال: إن الحسن لم يسمع من سمرة مطلقا. ومنهم من قال: إنه سمع منه مطلقا. ومنهم من قال: لم يسمع منه إلا حديث العقيقة؛ فسماع الحسن من سمرة مختلف فيه. وهذا الحديث، حديث سمرة، استدل به من قال بعدم وجوب غسل يوم الجمعة، وهم جمهور أهل العلم. جمهور أهل العلم على أن الغسل يوم الجمعة ليس بواجب، وإنما هو مستحب. قالوا: لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمة»، يعني نعمة الوضوء يوم الجمعة والاكتفاء به. قالوا: هذا يدل على أن الغسل ليس بواجب؛ ولهذا قال: «ومن اغتسل فالغسل أفضل»، يعني أفضل وأحسن وأكمل، لكنه ليس واجبا. فقالوا: على هذا فلا يجب الغسل يوم الجمعة. واستدلوا أيضا بقصة عمر رضي الله عنه مع عثمان، وهو في الصحيح؛ لما كان يخطب عمر رضي الله عنه، فدخل عثمان متأخرا، فقال له عمر -يعني منكرا عليه تأخره-: قال شغلتني فلم أستطع إلا أن توضأت وجئت. قال: والوضوء أيضا. قال: والوضوء أيضا، يعني أنك اكتفيت بالوضوء ولم تغتسل. فاستدل بهذا الحديث؛ قالوا: على عدم وجوب الغسل؛ قالوا: لأن عمر رضي الله عنه ما ألزمه بأن يذهب ويغتسل؛ وقد أخبره بأنه اكتفى بالوضوء. والاستدلال أولا بحديث سمرة بن جندب، علمنا أن الحديث مختلف في سماع الحسن من سمرة؛ فهو لا يناهض الأحاديث الصحيحة التي في الصحيحين. أيضا عمر يرفع بسعيد؛ في قوله عليه الصلاة والسلام: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم». فالحديث الموجب للغسل أقوى من حيث السند والصحة، وكذلك أيضا أقوى في الدلالة على الوجوب. وكذلك أيضا أن حديث سمرة، بعض أهل العلم كذلك طعن في متنه، مع ضعف السند. كذلك أيضا قالوا: بأن متنه فيه شيء من الركاكة التي تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقله. وعلى كل فليس بذلك أو بذلك القوة التي يعارض بها الحديث الصحيحة. وأما حديث قصة عمر مع عثمان، فقال أهل العلم: بل فيه دلالة على وجوب الغسل؛ فيه دلالة على وجوب الغسل. وجه ذلك: أن عمر رضي الله عنه أنكر على عثمان اقتصاره على الوضوء؛ أنكر عليه اقتصاره على الوضوء بقوله: «والوضوء»، يعني وتركت الغسل؛ جئت متأخرا. وهكذا تركت الغسل؛ هذا مما يدل على أن الغسل كان معلوما عنده، معروفا أنه أمر لازم؛ أن يغتسل المسلم إذا أراد أن يأتي إلى الجمعة. يعني هل كان ينتظر من عمر أن يأخذ بيد عثمان ويذهب به إلى الحمام حتى يغتسل؟ فقوله هذا منه إنكار له على تركه للغسل؛ وهذا يدل على وجوب الغسل. واختلف أهل العلم في الغسل يوم الجمعة. والراجح أولا في غسل يوم الجمعة: أنه واجب. الراجح أنه واجب، والله أعلم؛ لدلالة هذه الأحاديث الصحيحة على الوجوب. ثم اختلف أهل العلم: هل الغسل يوم الجمعة لليوم أم للجمعة؟ يعني هل يلزم الغسل لمن أراد أن يأتي إلى الجمعة، أو كذلك أيضا يلزم من لم يرد المجيء إلى الجمعة، كالنساء والمريض والمسافر؟ هل يلزمهم أن يغتسلوا أو لا يلزمهم؟ الصحيح: أن غسل يوم الجمعة يلزم من أراد الجمعة؛ أنه يلزم من أراد الجمعة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من أراد منكم الجمعة فليغتسل». «من أراد منكم الجمعة فليغتسل». فعلق النبي صلى الله عليه وسلم وجوب الاغتسال لمن أراد الجمعة؛ فمفهوم الحديث: أن من لم يرد الجمعة لم يلزمه الاغتسال. من لم يرد الجمعة لم يلزمه الاغتسال. وهذا القول هو الصحيح؛ فعلى هذا فالمرأة في بيتها لا يلزمها الغسل، وهكذا المريض، وهكذا المسافر، لا يلزمهم الاغتسال؛ إلا إذا أرادوا أن يأتوا إلى الجمعة فيلزمهم. إذا أرادوا أن يأتوا إلى الجمعة فيلزمهم؛ في قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل»، أو «من جاء منكم الجمعة فليغتسل». قال رحمه الله: عن علي رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبا». رواه الخمسة، وهذا لفظ الترمذي، وصححه ابن حبان. هذا الحديث أخرجوه من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة -المراد عن علي-. وعبد الله بن سلمة -المراد- وثقه ابن حبان، والعجلي، وضعفه الأكثرون؛ فعلى هذا فهو ضعيف. وكان الإمام محمد رحمه الله يوهن هذا الحديث. وهكذا الإمام الشافعي رحمه الله قال: وأحب للجنب والحائض أن يدع القرآن؛ لما ورد فيه، وإن لم يكن أهل الحديث يثبتونه. وإن لم يكن أهل الحديث يثبتونه؛ يعني لا يثبتون ولا يصححون الأحاديث الواردة في النهي عن قراءة الجنب للقرآن. والحديث حسن. وبعض أهل العلم، كالحافظ رحمه الله، والترمذي، وابن حبان وغيرهم، لكن ضعفه كذلك غيرهم، كالإمام أحمد رحمه الله. وهكذا أيضا ضعفه الإمام النووي رحمه الله، وهكذا الشيخ الألباني رحمه الله. وهذا الحديث فيه إخبار علي رضي الله عنه -نعم الشيخ الألباني ضعف الحديث- يخبر علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرئهم القرآن -يعني يعلمهم القرآن- ما لم يكن جنبا؛ يعني إذا كان على جنابة فإنه لا يعلمهم القرآن ولا يقرئهم القرآن. فاستدل بهذا الحديث من قال: بأن الجنب لا يقرأ القرآن؛ أن الجنب لا يقرأ القرآن؛ وهو قول جمهور أهل العلم. فقالوا: إن الجنب لا يقرأ القرآن. واستثنى بعض أهل العلم بعض اليسير من القرآن؛ كالمالكية استثنوا من أذكار الصباح مثلا، أو ما يحصن به المسلم نفسه، كآيات الكرسي والمعوذتين؛ قالوا: لا بأس بقراءتها. وهكذا الشافعية قالوا: لا بأس بقراءة الأذكار؛ يعني التي فيها شيء من القرآن على أنها أدعية وليست قرآنا. وذهب جماعة من أهل العلم إلى جواز قراءة الجنب للقرآن. وهذا قول عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما؛ كما ذكر ذلك الإمام البخاري رحمه الله عنه. وهو أيضا قول سعيد بن المسيب، وكذلك أيضا قول إمام حزم. وهكذا أيضا الشيخ الألباني رحمه الله؛ فذهبوا إلى جواز قراءة الجنب للقرآن. واستدلوا بأدلة؛ من حيث عائشة رضي الله عنها؛ قد مر معنا في الدروس الماضية؛ في قولها: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه». «كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه». فعموم هذا الحديث يدل على أنه كان يقرأ القرآن وهو جنب؛ كان يقرأ القرآن وهو جنب. كذلك أيضا: أنه لا يوجد دليل صحيح صريح يدل على المنع؛ والأصل البراءة من هذا الحكم حتى يأتي الدليل الذي يدل على المنع منه. والأصل الجواز؛ والأصل هو الجواز. كذلك أيضا: هذه الأحاديث، أحاديث علي رضي الله عنه، لو صحت لم تدل على المنع والتحريم؛ لو أنها كانت صحيحة لم تدل على التحريم؛ قالوا: لأنه مجرد فعل؛ علي يقول: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبا»، يعني إذا كان جنبا لم يقرئنا. طيب هل لها ما في نهي؟ هذا مجرد فعل؛ يدل على كراهة أقل الأحوال؛ كراهة أن يقرأ الجنب القرآن؛ لكن هل يدل على أنه محرم؟ الجواب: لا؛ لا يدل على التحريم. ولهذا فليس هناك دليل صحيح صريح يدل على تحريم قراءة الجنب للقرآن. والقول بالكراهة -يعني أظهر- يجوز مع الكراهة؛ يجوز الجنب أن يقرأ القرآن مع الكراهة؛ لماذا مع الكراهة؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث المهاجر مقل فذلما مر عليه وسلم عليه فلم يرد عليه السلام؛ لم يرد عليه السلام حتى ضرب بيديه على الجدار ومسح بهما وجهه ويديه؛ ثم رد السلام وقال: «إني كرهت أن أذكر الله وأنا على غير طهارة». إذا كان هذا في رد السلام؛ ففي قراءة القرآن أولى؛ يعني أنه يكره أن يقرأ القرآن على غير طهارة؛ لكن ليس محرما، وإنما خلاف الأفضل وخلاف الأكمل؛ هذا هو الصحيح، والله أعلم. وهكذا أيضا بالنسبة للحائض؛ كذلك اختلف أول العلم: هل الحائض تقرأ القرآن أو لا تقرأ شيئا من القرآن؟ منهم من منعه؛ وقول الجمهور. ومن أهل العلم ذهب إلى الجواز؛ وهو الصحيح: أنه يجوز للحائض أن تقرأ القرآن؛ لماذا؟ لعدم وجود دليل يدل على المنع؛ عدم وجود دليل يدل على المنع؛ هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والإمام ابن القيم رحمهم الله. وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على