التعليقات على كتاب الأدب المفرد 304

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 304، ألقاها

مفهوم الطيرة والفأل في الإسلام وتأثيرهما على المسلمين

يشرح المفهوم الإسلامي للطيرة والفأل، حيث يُحذر من الطيرة ويُثنى على الفأل. الطيرة هي التشاؤم بالأشياء، بينما الفأل هو التفاؤل بالكلمات الطيبة.

صفات الذين يدخلون الجنة بغير حساب وتفاصيل الحديث النبوي حولهم

يتناول الحديث النبوي الشريف الذي يصف السبعين ألفا الذين سيدخلون الجنة بغير حساب، مبينا صفاتهم الرئيسية مثل عدم التطير وعدم طلب الرقية وترك الكي وتوكلهم على الله.

تفسير صفات السبعين ألفا وتوضيح حكم الرقية بنفسه بالنسبة لهم

يفصل في صفات السبعين ألفا ويوضح حكم من يرقي نفسه بنفسه، مشيرا إلى أن ذلك لا يضر إذا لم يطلب الرقية من أحد آخر، مما يعكس قوة إيمانهم وتوكلهم على الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب الطيرة، قال: حدثنا الحكمي، عن نافع، أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، قال: يعني عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن أباه حدثه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا طيرة، وخيرها الفأل»، قالوا: وما الفأل؟ قال: «كلمة طيبة يسمعها أحدكم». هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: باب الطيرة. وذكرنا بالأمس معنى الطيرة، فما هي الطيرة؟ التشاؤم، التشاؤم بالطير ونحوه. فالطيرة كانت كثيرة عند أهل الجاهلية، كانوا يتشاؤمون ويتطيرون ببعض الحيوانات، وببعض الأزمنة، وكذلك ربما ببعض المناظر. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا أثر للطيرة، أنه لا أثر للطيرة، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا طيرة». فكما سمعنا أن أهل الجاهلية كانوا يتشاؤمون، وهكذا قبلهم من أهل الكفر ربما تشاؤموا وتطيروا من أهل الصلاح، كما أخبر الله جل وعلا عن بني إسرائيل حين تطيروا من موسى عليه السلام، قالوا: ﴿طَائِرُنَا مَعَكَ﴾ فكان هذا الخلق الذميم من صفاتهم. فالنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أنه لا طيرة، أي لا أثر للطيرة، لا أثر للطيرة. وهذا نفي لما كان يعتقده أهل الجاهلية، ما كان يعتقده أهل الجاهلية من التشاؤم والتطير واعتقاد أن لهذا المتشاؤم منه تأثير أو حصول ضر أو نحو ذلك، فنفى ذلك النبي عليه الصلاة والسلام: «لا طيرة». ولذلك ينبغي للمسلم أن يعلق قلبه بالله سبحانه وتعالى، ويتوكل على الله عز وجل بصدق الاعتماد عليه سبحانه وتعالى، ويعلم أن الأمور بيد الله جل وعلا. وحينئذ يكون قلبه معلقا بالله جل وعلا على أكمل مراحل الإيمان، ويقع في قلبه الطمأنينة والراحة، بخلاف المتطير، فالمتطير قلبه ممتلئ بالهموم والغموم، وهكذا أيضا يكون في قلبه التثبيط والكسل وعدم الإقدام بسبب وقوع التطير في قلبه. بل ينبغي للمسلم أن يبعد التطير عن قلبه، وأن لا يتعلق بشيء من المخلوقات، ولا يعلق قلبه إلا بالله سبحانه وتعالى. قال: «لا طيرة، وخيرها الفأل»، قالوا: وما الفأل؟ قال: «كلمة طيبة يسمعها أحدكم». خيرها الفأل، وفسره النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «كلمة طيبة يسمعها أحدكم». كلمة طيبة يسمعها أحدكم. وجاء في بعض الأحاديث أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكره الطيرة ويعجبه الفأل، ويعجبه الفأل. والفأل قال: «كلمة طيبة يسمعها أحدكم»، يعني كلمة طيبة يسمعها الإنسان، فتدخل في قلبه السرور والفرح، كالتاجر مثلا الذي يخرج لتجارة فيسمع: يا رابح، فيتفاءل بحصول الربح في تجارته، أو مريض يسمع: يا سالم، فيتفاءل بحصول السلامة، أو آخر مثلا يبحث عن شيء ضائع فيسمع: يا واجد، فيتفاءل بإيجاد ما ضيعه، ونحو ذلك من الكلمات الطيبة التي يسمعها الإنسان فيتفاءل بحصول الخير. قال: باب فضل من لم يتطير، قال: حدثنا حجاج، آدم، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عرضت علي الأمم بالموسم أيام الحج، فأعجبني كثرة أمتي، قد ملأوا السهل والجبل»، قالوا: يا محمد، أرضيت؟ قال: «نعم، أي رب»، قال: «فإن مع هؤلاء سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون». قال عكاشة: فادع الله أن يجعلني منهم، قال: «اللهم اجعله منهم». فقال رجل آخر: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: «سبقك بها عكاشة». قال: حدثنا موسى، قال: حدثنا حماد -وهمام- عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وسأق الحديث، والحديث صحيح، وقد جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس، وهو هنا من حديث عبد الله بن مسعود. وترجم الإمام البخاري بهذه الترجمة: باب فضل من لم يتطير، وأراد رحمه الله أن يبين فضل من لم يتطير، ولم يقع في شيء من الطيرة والتشاؤم، لأن ذلك يدل على كمال توحيده، وتعلقه بالله سبحانه وتعالى. وذكر حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «عرضت علي الأمم» والمراد بالأمم: أي أمة كل نبي، أمة كل نبي. قوله: «بالموسم أيام الحج»، في هذه اللفظة بيان وتحديد هذا العرض، أنه كان بالموسم أيام الحج، قال: «فأعجبني كثرة أمتي»، وقد رويت عن النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الأمم: النبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد. ثم عرضت عليه أمة موسى، وكانت هي أكثر الأمم بعد أمة النبي عليه الصلاة والسلام، ثم عرضت عليه أمته عليه الصلاة والسلام، قال: «فأعجبني كثرة أمتي، قد ملأوا السهل والجبل»، قالوا: يا محمد، أرضيت؟ قال: «نعم، أي رب»، قال: «فإن مع هؤلاء سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب»، أي مع أمة النبي عليه الصلاة والسلام هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، أي من غير أن يحاسبوا، يدخلون الجنة مباشرة. وفي حديث عبد الله بن عباس: فقام النبي عليه الصلاة والسلام، فخاض الناس في أولئك، أي جلسوا يتكلمون: من هؤلاء السبعين؟ كل يأتي بأمر يظن أن هؤلاء السبعين فيهم صفاء من هذه الصفات. ثم خرج عليهم النبي عليه الصلاة والسلام وأخبرهم بصفاتهم، قال: «وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون». هذه أربع صفات اتصفوا بها، كانت سببا في دخولهم الجنة بغير حساب. قال: «هم الذين لا يسترقون»، ومعنى لا يسترقون: أي لا يطلبون الرقية، والمراد بالرقية: الرقية الشرعية، لا يطلبون من أحد أن يرقيهم، أن يقرأ عليهم قرآن أو أذكار. فيتركون الرقية مع حاجتهم لها، ربما يكون مريض يحتاج إلى الرقية، ومع ذلك يتركها، لا يسترقي، لا يطلب من أحد أن يرقيه، مع كون أصل الرقية جائزة. فالنبي عليه الصلاة والسلام قد رقي، رقاه جبريل حين أصيب بالسحر عليه الصلاة والسلام: «بسم الله يرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، عين حاسد، الله يشفيك». وهكذا رقى النبي عليه الصلاة والسلام غيره. لكن هؤلاء لكمال توحيدهم وعظيم توكلهم، فإنهم لم يسترقوا، لم يطلبوا من أحد أن يرقيهم. ولا ينافي ذلك أن يرقى من غير طلب، يعني يكون مريضا فلا يطلب من أحد أن يرقيه، فيأتي الشخص ويرقيه من نفسه، هذا لا ينافي أن يكون ممن لا يسترقي، ولا يخرج من السبعين الألف. لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يسترقون»، ولم يقل: لا يرقون، وإنما قال: «لا يسترقون»، أي لا يطلبون الرقية. قال: «ولا يكتوون»، أي يتركون الكي، أي بالنار. والكي علاج مما أذن به الشرع، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «شفاء أمتي في ثلاث: شرطة محجم، وشربة عسل، وكيّة نار». وأنا أنهى أمتي عن الكي، فهو مكروه، ومع ذلك فهو جائز عند الحاجة، وقد كوي بعض الصحابة بحضرة النبي عليه الصلاة والسلام في عهده، فهو جائز، لكن تركه أولى وأفضل. فهؤلاء السبعون الألف يتركون الكي وإن احتاجوا إليه، فهم لا يكتوون. قال: «ولا يتطيرون»، أي لا يتشاءمون، لا يتشاءمون سواء بشيء مرئي، كطير أو إنسان أعرج أو أعمى أو أعور، أو كذلك بشيء مسموع، كصوت حيوان، أو كذلك أيضا بشيء معلوم، كشهر من الشهور أو يوم من الأيام، فهم لا يتطيرون، ولا يتشاءمون بشيء من ذلك، لعظيم توكلهم بالله سبحانه وتعالى. قال: «وعلى ربهم يتوكلون»، وهذا الجامع للأمور المذكورة قبل، فهم لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وذلك لعظيم توكلهم بالله سبحانه وتعالى، مع كون الرقية جائزة، والكي جائز، لكنهم يتركونه لعظيم توكلهم بالله جل وعلا. وعلى ربهم يتوكلون، فهذه صفات السبعين الألف الذين أخبر عنهم النبي عليه الصلاة والسلام أنهم يدخلون الجنة بغير حساب. قال عكاشة وابن محصن: فادع الله أن يجعلني منهم، قال: «اللهم اجعله منهم»، دعا له. ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: «سبقك بها عكاشة». قال بعض أهل العلم: قال ذلك النبي عليه الصلاة والسلام لأنه لم يكن في هذا الرجل من الصفات ما هي في عكاشة. وقيل: فأراد النبي صلى الله عليه وسلم سد الباب، أراد سد هذا الباب حتى لا يتتابع من كان حاضرا بهذا السؤال. فخلاصة هذا الحديث كما سمعنا أن صفات السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب: أنهم لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون. والشاهد هو قوله: «ولا يتطيرون»، أي تركوا التطير والتشاؤم لعظيم توكلهم بالله سبحانه وتعالى، فكان ذلك سببا لدخولهم الجنة بغير حساب. فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يجعلنا من السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب. إذا رقى نفسه بنفسه هل يعد من السبعين الألف؟ نعم، إذا رقى نفسه فذلك لا يضر، لأنه لم يطلب الرقية من أحد.

شاركنا على