التعليقات على كتاب الأدب المفرد 320

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 320، ألقاها

لقاء النبي بابن صياد وتحذيره من الدجال

التقى النبي صلى الله عليه وسلم بابن صياد ودار بينهما حوار حول رسالته وإيمان ابن صياد، ثم حذّر النبي من الدجال. النبي أراد اختبار ابن صياد لمعرفة حقيقته.

اختبار النبي لابن صياد وتوضيح حقيقته

اختبر النبي ابن صياد لمعرفة حقيقته، وخلص إلى أنه ليس الدجال بل كاهن، ورفض قتله بناءً على مشورة عمر. النبي أدرك أن الشيطان لعب على ابن صياد.

تحذير النبي من فتنة الدجال وصفاته

النبي حذّر أمته من فتنة الدجال وأخبر أنه يخرج في آخر الزمان ويجري الله على يديه خوارق العادات. الدجال مكتوب بين عينيه كافر، وقد حذرت الأنبياء من قبله أممهم منه.

دليل كذب الدجال وإثبات صفة العينين لله تعالى

يُستدل بكلام الدجال وعوره على كذبه وادعائه الربوبية رغم نقصه. كما يستدل أهل العلم بذلك على إثبات عينين لله تعالى تليق به جل وعلا.

  • 24 جمادى الآخرة 1435هـ - 24/04/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا أبو اليمان، وهو الحكم بن نافع، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، وهو محمد بن مسلم بن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر أخبره أن عمر بن الخطاب انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من أصحابه قبل ابن صياد، حتى وجدوه يلعب مع الغلمان في أطم بني مغالة، وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم، فلم يشعر حتى ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ظهره بيده، ثم قال: أتشهد أني رسول الله؟ فنظر إليه، فقال: أشهد أنك رسول الأميين. قال ابن صياد: أتشهد أني رسول الله؟ فرصه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: آمنت بالله وبرسوله. ثم قال لابن صياد: ماذا ترى؟ قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خُلِّط عليك الأمر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: إني خبأت لك خبيئًا. قال: هو الدخ. قال: اخسأ، فلم تعد قدرك. قال عمر: يا رسول الله، أتأذن لي فيه أن أضرب عنقه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إيك هو، لا تصلط عليه، وإن لم يك هو، فلا خير لك في قتله. قال سالم: فسمعت عبد الله بن عمر يقول: انطلق بعد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بن كعب الأنصاري يومًا إلى النخل التي فيها ابن صياد، حتى إذا دخل النبي صلى الله عليه وسلم، طفق النبي صلى الله عليه وسلم يتقي بجذوع النخل، وهو يسمع من ابن صياد شيئًا قبل أن يراه، وابن صياد متجِع على فراشه في قطيفة له، فيها زمزمة. فرأت أم ابن صياد النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتقي بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: أي صافي -وهو اسمه- هذا محمد. فتنبه ابن صياد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: لو تركته لبيَّن. قال سالم: قال عبد الله: قام النبي صلى الله عليه وسلم في الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال، فقال: إني أنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذر قومه، لقد أنذر نوح قومه، ولكن سأقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لقومه، تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور. هذا الحديث هو مجمل على ثلاثة أحاديث، ولذلك رقمها الشيخ الألباني رحمه الله على هذا الترقيم، كما فعل عبد الباقي في ترقيمه للصحيحين. وهذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بالدجال وبابن صياد، وابن صياد هو رجل من اليهود، وقيل من بني النجار، كان يشك فيه أنه هو الدجال. فانطلق النبي عليه الصلاة والسلام في رهط من أصحابه -يعني جماعة- قبل ابن صياد، أتوا إلى ابن صياد فوجدوه يلعب مع الغلمان في أطم بني مغالة، والأطم هو كالحصن، وبني مغالة هي بطن من الأنصار. وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم -يعني قارب البلوغ- فلم يشعر حتى ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ظهره، قال: ثم قال: أتشهد أني رسول الله؟ النبي صلى الله عليه وسلم يقول لابن صياد: أتشهد أني رسول الله؟ فقال: أشهد أنك رسول الأميين -يعني رسول العرب- والعرب كانوا موصوفين بالأمية، والأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب. قال: أشهد أنك رسول الأميين، فقال ابن صياد للنبي عليه الصلاة والسلام: أتشهد أني رسول الله؟ فرصه النبي صلى الله عليه وسلم -رصه يعني جمعه بثيابه جمع بعضها إلى بعض- ثم قال: آمنت بالله وبرسوله. ثم قال لابن صياد: ماذا ترى؟ -ماذا ترى ما الذي يظهر لك- قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب -يعني أرى الرؤية فتصدق أحيانًا وتكذب أحيانًا- وفي رواية لمسلم، وهي عند الترمذي، قال: أرى حقًا وباطلًا، وأرى عرشًا على الماء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خُلِّط عليك الأمر -يعني أن الشيطان لعب عليك ولبس عليك بهم فيما يلقي عليك- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني خبأت لك خبيئًا -يعني خبأت لك شيئًا هل تعرفه- والنبي عليه الصلاة والسلام أراد اختباره بذلك. قال: هو الدخ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اخسأ، فلم تعد قدرك -يعني ما أنت إلا كاهن من الكهان- والكاهن معروف أنه يرسل الجن يسترقون السمع، فربما سمع الجن الكلمة تلقى في السماء فيخطفها الجن فيقرقرها في أذن وليه، فيكذب معها مئة كذبة. وكذلك أيضًا ربما أرسل شياطينه يستمعون ويتجسسون وينظرون فيأتون له ويخبرونه ببعض الأشياء التي ربما يعزم الإنسان على فعلها أو يتكلم بها، فتخبره شياطينه بما قال. وابن صياد هنا قاله والدخ، والنبي عليه الصلاة والسلام خبأ له سورة الدخان، وفي بعض الروايات أنه خبأ له آية منها: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ كما عند الإمام أحمد. قال عمر: يا رسول الله، أتأذن لي فيه أن أضرب عنقه -يعني إذا كان هذا يدعي النبوة فدعني أقتله- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن يكن هو فلا تسلط عليه -يعني إن كان هو الدجال فإنك لن تستطيع أن تقتله- لأنه سيخرج في آخر الزمان كما أخبر عليه الصلاة والسلام، أوحي إليه بذلك. وإن لم يكن هو، فلا خير لك في قتله. ذكر أهل العلم أن سبب عدم قتله كونه كان صغيرًا لم يبلغ، وكذلك أيضًا لما بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام من العهد. وفي الحديث الآخر أن النبي عليه الصلاة والسلام انطلق بعد ذلك هو وأبي بن كعب يومًا إلى النخل، وهذا أيضًا مما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يختبر فيه ابن صياد وينظر في أمره. فأتاه النبي عليه الصلاة والسلام وهو يتقي بجذوع النخل، يمشي فيما بينها حتى لا يراه ابن صياد، ويسمع ابن صياد شيئًا قبل أن يراه، وابن صياد متجِع على فراشه له فيها زمزمة. والزمزمة -كما قال الخطابي- هو تحريك الشفتين بالكلام، كان يتكلم بكلمات. فلما رأت أم ابن صياد النبي عليه الصلاة والسلام رأته وهو قريب منه، فنادت ابن صياد، فقالت له: يا أي صافي -عنادته باسمه- هذا محمد. فانتبه ابن صياد، فسكت عما كان يتكلم به. فقال عليه الصلاة والسلام: لو تركته لبيَّن -يعني لبيَّن أمره- وهذا كما قلنا قبل مجيء الوحي النبي عليه الصلاة والسلام وإخباره بأمر ابن صياد. وفي حديث ابن عمر الثالث أن النبي عليه الصلاة والسلام قام في الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، أثنى على الله وحمد الله ومجد الله عز وجل، ثم ذكر الدجال -يعني ذكر أمر الدجال وأنه يخرج في آخر الزمان ويعيث الأرض فسادًا- ويجعل الله عز وجل في يده من خوارق العادات، يأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، ويأتي إلى الخريبة فيأمرها أن تخرج كنوزها، فتتبعه كيعاسيب النحل. وهكذا من آمن به واتبعه، درت عليهم الأرزاق، ومن كفر به ولم يؤمن به، أصابهم القحط والشدة، كل ذلك ابتلاء وامتحان من الله عز وجل العباد. وهكذا أيضًا معه جنة ونار، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فجنته نار، وناره جنة. ويقتل الرجل فيشقه نصفين، ثم يمشي بين نصفين، ثم يقول له: قم، فيستقيم. وربما أتى بالرجل، فقال: إن أحييت لك أباك وأمك، أتؤمن به؟ فيقول: نعم، فيقول لهما: قوما، فيقومان، كل ذلك امتحان وابتلاء من الله عز وجل. ولعظم فتنة الدجال، حذر النبي عليه الصلاة والسلام منه أشد التحذير، وأخبر أن الأنبياء حذروا أممهم منه من قبله عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك فهو مكتوب بين عينيه كافر، مكتوب بين عينيه كافر، يقرأه كل مسلم، القارئ والأمي الذي يثبته الله عز وجل، فإنه يقرأ هذه الكلمات التي بين عينيه. قال: ثم ذكر الدجال، فقال: إني أنذركموه -يعني أحذركم منه ومن فتنته- قال: وما من نبي إلا وقد أنذر قومه -يعني أنذر قومه من الدجال- لقد أنذر نوح قومه، ولكن سأقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لقومه، تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور -يعني أن الدجال فيه عور عور في عينه كما جاءت بعض الروايات الأخرى أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية- وأن الله ليس بأعور، أي ليس فيه جل وعلا عيب ولا عور. فإذا كان الدجال أعور وهو يدعي الربوبية، يدعي الربوبية، فإذا كان رب كما يدعي فليصلح نفسه أولًا، يصلح عينه هذه العوراء، ثم بعد ذلك كيف يأتي ويدعي الربوبية وهو بهذا النقص الذي في خلقه وفي ذاته، ولا يستطيع أن يصلحه. وهذا كله مما يدل على كذبه ودجله. واستدل أهل العلم بهذا الحديث على إثبات العينين لله سبحانه وتعالى، وأن لله عز وجل عينان تليق به جل وعلا، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير.

شاركنا على