كتاب الطهارة 16

الدرس في كتاب الطهارة 16، ألقاها

مسح الرأس والعمامة والخفين في الوضوء

يشرح المقطع كيفية مسح الرأس والعمامة والخفين أثناء الوضوء، ويبين مشروعية لبس العمامة والخفين والمسح عليهما. كما يوضح كيفيات مسح الرأس في الوضوء.

الترتيب في أعضاء الوضوء وآراء الفقهاء

اختلف الفقهاء في وجوب ترتيب أعضاء الوضوء، فمنهم من أوجب الترتيب ومنهم من استحبه. استدل كل فريق بأدلة من القرآن والسنة.

وجوب الترتيب في الوضوء ودليل ذلك

الترتيب في الوضوء واجب كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة ومواظبة النبي عليه. من توضأ وضوءا منكسا فوضوءه باطل.

أهمية غسل المرفقين في الوضوء

يشدد على ضرورة غسل المرفقين عند غسل اليدين في الوضوء. ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

  • 25 جمادى الآخرة 1441هـ - 19/02/2020مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين، أخرجه مسلم. هذا الحديث فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام توضأ، فمسح بناصيته، والناصية مقدمة الرأس، هذه مقدمة الرأس تسمى الناصية، وعلى العمامة والخفين، ففيه أولا مشروعية لبس العمامة، والعمامة ما تعم الرأس، أو ما توضع في الرأس، أو يربط به الرأس، ولبسها من أمور العادات، والنبي صلى الله عليه وسلم لبسها؛ لأنها كانت عادة العرب في زمنه عليه الصلاة والسلام، فلبسها عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال أهل العلم: إذا كان من عادة الناس أنهم لا يلبسونها، فإنه لا يلبسها، وإن كان من عادتهم لبس العمامة لبسها. وكذلك أيضا فيه مشروعية لبس الخفين والمسح عليهما، والخفان ما يلبس على القدمين من الجلد، ويكون فوق الكعبين، ومثلهما الجوارب التي من الصوف نحوها، وسيأتي الكلام على أحكام المسح على الخفين في الأبواب الآتية. وقوله: «توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين» يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، وكان لابسا للعمامة، فمسح بناصيته وعلى العمامة، مسح مقدمة الرأس، ثم أكمل المسح على العمامة، ففي هذا الحديث جواز الاقتصار في مسح الرأس على مقدمة الرأس، ثم الإكمال على العمامة، فتكون هذه كيفية من كيفيات مسح الرأس في الوضوء. فمسح الرأس في الوضوء له ثلاث كيفيات: الكيفية الأولى مسح الرأس كله إذا كان مكشوفا، إذا كان الرأس مكشوفا فيمسح رأسه كله، ومر معنا أن السنة أن يقبل بيديه ويدبر، يبدأ بمقدم الرأس في المسح حتى يذْهب بهما إلى قفاه، ثم يرجع إلى المكان الذي بدأ منه. والصفة الثانية: إذا كان لابسا للعمامة، فله أن يمسح على العمامة كلها، كما ثبت ذلك في أحاديث كثيرة، كحديث بلال، وحديث ثوبان، وغيرهما. وصفة ثالثة: الذي في هذا الحديث، أن يمسح على الناصية والعمامة، يمسح مقدمة الرأس، ثم يكمل المسح على العمامة، فهذا أيضا مشروع. بعض أهل العلم استدل بهذا الحديث على أنه لا يجب استيعاب الرأس في الوضوء، لا يجب استيعاب الرأس عند مسحه في الوضوء، قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما مسح مقدمة الرأس فقط، مسح الناصية فقط، قالوا: فإذا يجوز الاقتصار على جزء من الرأس عند مسحه في الوضوء، وهذا ليس بصحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح مقدمة الرأس، ثم أكمل المسح على العمامة، ولم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه اقتصر على مسح جزء من الرأس وهو كاشف لرأسه، وإنما الثابت عنه، والذي نقله الصحابة رضي الله عنهم في صفة وضوء النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يمسح رأسه كله، وهذا هو الصحيح: أنه يجب استيعاب مسح الرأس في الوضوء إذا كان مكشوفا، فإن كان لابسا للعمامة فهو مخير، إن شاء مسح على العمامة كلها، وإن شاء مسح على الناصية ثم أكمل على العمامة. هذا الحديث في الحقيقة أنه مناسب أن يذكر عند الكلام على مسح الرأس، كان مناسبا أن يذكره في ذلك الموضع. قال رحمه الله: عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ابدأوا بما بدأ الله به»، أخرجه النسائي هكذا بلفظ الأمر، وهو عند مسلم بلفظ الخبر. هذا الحديث حديث جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي حجة الوداع التي حجها النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر جابر رضي الله عنه صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، وفيه ذكر قوله عليه الصلاة والسلام لما صعد على الصفا: «ابدأوا بما بدأ الله به»، عند النسائي جاء ذكر هذا الخبر بلفظ الأمر «ابدأوا بما بدأ الله به»، والحافظ رحمه الله ذكر هذه الرواية، رواية الأمر، ليستدل بها على وجوب الترتيب في الوضوء. لكن رواية الأمر «ابدأوا بما بدأ الله به» حكم عليها العلماء بالشذوذ، لأنه تفرد بذكرها سفيان الثوري رحمه الله، وكذلك أيضا سليمان بن بلال، وهما وإن كان ثقة، إلا أنهما خالفا من هو أوثق منهما وأكثر عددا، كالإمام مالك وإمام عويينة، ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم، فذكروا الحديث بلفظ الخبر، ورجح العلماء رواية لفظ الخبر؛ لأن رواتها أكثر وأوثق، كالحافظ ابن حجر رحمه الله وغيره. وأراد الحافظ أن يستدل به على وجوب الترتيب في الوضوء، أن يتوضأ وضوءا مرتبا كما أمر الله جل وعلا، وهذه المسألة خلاف بين أهل العلم، مسألة ترتيب أعضاء الوضوء عند الوضوء، هل يجب ذلك أو لا يجب؟ فذهب الإمام أحمد والشافعي إلى وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء، وذهب الإمام مالك، وكذلك هو رواية عن الإمام أحمد، ومذهب أهل الرأي إلى أن الترتيب في الوضوء مستحب وليس بواجب. استدلوا على القول بالاستحباب بحديث الربيع بنت معوذ في السنن، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل وجهه، ثم تمضمض واستنشق، وقالوا: هنا النبي صلى الله عليه وسلم لم يرتب الوضوء، فقدم غسل الوجه على المضمضة والاستنشاق. وكذلك أيضا استدلوا بآية الوضوء، قالوا: بأن آية الوضوء وردت بذكر الواو في عطف الأعضاء بعضها على بعض، والواو لا تفيد الترتيب، وإنما تفيد مطلق الجمع. وذهب أهل القول الأول، وهم القائلون بالوجوب، استدلوا بأدلة منها آية الوضوء، قالوا: بأن الله جل وعلا ذكر الوضوء مرتبا على هذا الترتيب، والله جل وعلا أمر به على هذا الوجه، فمن لم يأت به على هذا الوجه وبهذا الترتيب لم يكن ماذا فاعلا لهذا الأمر كما أمر الله جل وعلا، يعني لو توضأ الإنسان، فغسل وجهه، ثم غسل يديه، ثم غسل قدميه، ثم مسح رأسه، هل يكون قد أدى هذا الواجب كما أمر الله جل وعلا؟ الجواب: لا، إذا لا يكون وضوءه صحيحا. الأمر الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما توضأ توضأ وضوءا مرتبا، كما أمر الله جل وعلا، والأحاديث في ذلك كثيرة، وهي صحيحة، بل أصح الأحاديث بصفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم التي نقلها الصحابة رضوان الله عليهم فيها مواظبة النبي عليه الصلاة والسلام على الترتيب في الوضوء، ويكون فعل النبي عليه الصلاة والسلام مبينا للمراد في الآية، وأن ذكر الوضوء مرتبا على هذا الترتيب هو على سبيل الوجوب. والواو وإن كانت في الأصل لا تفيد الترتيب، وإنما تفيد مطلق الجمع، لكن إذا دلت قرينة على إرادة الترتيب، فإنها تفيد الترتيب، يعني مثلا إذا قلت: جاء زيد وعمر، هنا تفيد مطلق الجمع، اشتراك زيد وعمر في المجيء، ولا تدل على أن أحدهما جاء قبل الآخر، لكن لو قلت: جاء زيد وعمر بعده، دل هذا على أن مجيء عمر كان بعد مجيء زيد، فأفادت الترتيب بهذه القرينة. وهكذا أيضا من القرائن التي قد تفيد فيها الواو الترتيب هو بيان النبي عليه الصلاة والسلام وفعله عليه الصلاة والسلام، كما مر بمواظبة النبي عليه الصلاة والسلام على الوضوء مرتبا، يدل ذلك على أن المراد بذكر الوضوء على هذه الهيئة وعلى هذه الكيفية هو الواجب الذي يجب المحافظة عليه والمواظبة عليه. وعلى هذا فمن توضأ وضوءا منكسا، فوضوءه باطل، غسل قدميه، ثم مسح رأسه، ثم غسل يديه، ثم غسل وجهه، لم يكن متوضئا وضوءا صحيحا كما أمر الله جل وعلا، فلا يصح وضوءه، هذا هو الصحيح. وأما استدلالهم بحديث الربيع بنت معوذ عند أبي داود وغيره، فهو لا يصح؛ لأن في إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو متكلم فيه، ولو صح فالتقديم الذي حصل فيه إنما هو بين غسل الوجه والمضمضة والاستنشاق، والمضمضة والاستنشاق مختلف في وجوبهما، فلا يدل ذلك على مشروعية تنكيس الوضوء وعدم الترتيب فيه. والصحيح أن ترتيب الوضوء واجب، فلا يصح وضوء المتوضئ إلا إذا رتبه كما أمر الله جل وعلا. قال رحمه الله: وعنه رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه»، أخرجه الدارقطني بإسناد ضعيف، وعلة هذا الحديث هو القاسم بن محمد بن عقيل، وهو متروك، قد ضعفه أحمد بن حنبل وغيرهما، وضعف هذا الحديث جماعة من الحفاظ، كالمنذري، والعراقي، والنووي وغيرهم، فالحديث لا يصح. لكن قوله: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه» معناه صحيح؛ أن المتوضئ إذا توضأ فلا بد أن يغسل مرفقيه؛ لأن المرفقين يدخلان في غسل اليدين في الوضوء كما مر معناه في الدروس الماضية، فقول الله عز وجل: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾، «أن» إلى بمعنى «مع»، بمعنى مع، أو أنها على معناها، دال على الانتهاء والغاية، أن غاية الغسل إلى المرافق، لكن دلت السنة من فعل النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يغسل يده وذراعه حتى يشرع في العضد، فيدخل المرفق في غسله في الوضوء، فيكون المعنى صحيحا: أنه لا بد في الوضوء عند غسل اليدين أن تغسل المرفقين. طيب الله ثراه، صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على