الدرس في شرح كتاب التوحيد 115، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ المؤلف بتوضيح خطورة الغلو في قبور الصالحين وأثره السلبي على الدين، ويشير إلى أنه سيتناول الأدلة على ذلك في الدروس القادمة. يُنهي المقدمة بدعاء لله أن ينفعهم بما قاله ويصلي على النبي محمد.
يناقش المقطع مسألة الغلو في قبور الصالحين، حيث يعتبر ذلك إفراطا في التعظيم يمكن أن يتحول إلى عبادة للأوثان من دون الله، ويشمل ذلك الأقوال والأفعال والاعتقاد. يُحذر من المبالغة في تعظيم قبور الأنبياء والأولياء.
يتناول المقطع موضوع الغلو في قبور الصالحين وتحذير المسلمين من تعظيمها إلى درجة العبادة، مشيرًا إلى أن هذا الغلو يمكن أن يكون بالأفعال أو الأقوال أو الاعتقادات، ويؤدي إلى اعتبار هذه القبور أوثانًا تعبد من دون الله.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. فإن شاء الله إخواننا في الله، من هذا اليوم سنستأنف الدروس التي كنا فيها، وخاصة في مثل هذه الأوقات في درس الظهر، حيث اعتدنا على قراءة في كتاب التوحيد للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، ومع فك عباراته وشرح أحاديثه وآياته. وقد وقفنا إخواني في الله في هذه الرسالة المفيدة النافعة مع قول المؤلف، رحمه الله تعالى: «باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله». قوله، رحمه الله تعالى: «باب»، أي هذا مدخل، مدخل إلى هذا العلم من علوم التوحيد، والعلماء يقسمون الكتب أحيانا إلى أبواب وإلى فصول، من باب الترتيب وتهذيب المعلومات. وقال، رحمه الله تعالى: «باب ما جاء»، ما جاء أي في كتاب الله جل وعلا من الأدلة الشرعية. وينبغي أن يعلم إخواني في الله أن الإنسان المسلم في باب الاستدلال إنما عليه أن يعول على آيات القرآن، أو على أحاديث رسول الأنام، عليه الصلاة والسلام، أو على اتفاق العلماء وإجماع الفقهاء، أو بما يكون من دليل يقول به إمام معتبر له محل من النظر، قول عال من العلماء من الإئمة المعتبرين، وله حظ من النظر في الدين. ويمكن أن تستدل بقوله. أما ما سوى ذلك من التقليد والتعصب لقول فلان وعلان، هذا ليس من باب الاستدلال في شيء. وقال، رحمه الله تعالى: «باب ما جاء أن الغلو». مر معنا إخواني في الله، من كان متابعا لهذه الدروس، قد مرت معنا مسائل الغلو، وعلمنا حينها أن الغلو هو مجاوزة الحد، مجاوزة الحد يقال عنه غلو. ومنه غل السعر، غل السعر بمعنى أن السعر قد جاوز حده. ويعبر جماعة من أهل العلم أن الغلو هو الإفراط بالتعظيم بالقول والفعل والاعتقاد، هذا هو الغلو، وهو من أخطر المسائل التي انطرأت على الإنسان، أوبقت دينه ودنياه وأولاه وأخرى. وقد مرت مخاطره وآثاره في دروس خلت. قال، رحمه الله تعالى: «باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين». هناك المؤلف، رحمه الله تعالى، أشار إلى نوع من أنواع الغلو، هو ما يكون في قبور الصالحين. الأصل أن الغلو بشكل عام مهلك، كما جاء في الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: «إنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين». الغلو في الدين بشكل عام ضلال وهلاك وزوال للأديان والرسائل وهكذا الملل والنحل. إلا أن المؤلف، رحمه الله تعالى، هنا أشار إلى نوع من أنواع الغلو، وهو الغلو في قبور الصالحين. الغلو في قبور الصالحين، القبور إخواني في الله هي محل الموتى، وهو دفين الأموات. والإسلام راعى في هذه المحلات التي تدفن فيها الأموات أن تكون لا تقع لا في إفراط ولا في تفريط، وخاصة من حيث الشكل الخارجي. فالقبور في ديننا ينبغي أن تحترم وأن توقر من حيث البناء، فلا يكون فيها جفاء. ومن صور الجفاء في بناء القبور بأن لا ترفع بل تسوى بالأرض. تجد أن من الناس من يجعل القبر مساويا للأرض، وهذه مضنة لإهانة القبور، حيث يداس عليها وطئا. بل حتى في بعض الأماكن ليست ببعيدة عنا، رأينا أن من القبور من جعل ملاعب، ملاعب للعب، لكثرة ما دئست وزال معالمها وآثارها. ومنهم من يجعلها ممرا، ذهابا وإيابا، على جثث المسلمين، هذا من الإهانة. ويقابل هذا من الناس من لربما غلا في بناء القبور، حيث أنه أمر أي هؤلاء ممن أمروا برفع القبور عن الأرض حتى جعلوها بنيانا، كمن بنى عليها القباب، وبنى عليها الأضرحة، وجعل عليها الكتابة، وجعل عليها ما جعل. وكل ذلك مما حرمه الله جل في علاه. فالشاهد إخواني في الله أن القبور بين إفراط وتفريط. فقول المؤلف، رحمه الله تعالى: «باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين». وهنا أشار، رحمه الله تعالى، إلى نوع من أنواع القبور، وهي قبور الصالحين. ومن الصالح، الصالح كما قال العلماء، هو كل من كان مؤديا لحق الله ولحق العباد، هذا هو الرجل الصالح. من توفرت فيه هذه الشروط، مؤديا لحق الله ومؤديا لحق عباد الله، هذا هو الرجل الصالح. فمن وجدناه مثلا أنهم مؤديا لحق الله، مصليا مزكيا قائما صائما، إلا أنه قد فرط في حق عباد الله، مؤديا لجيرانه، مؤديا لقرابته وأرحامه، مؤديا لأهل الإسلام، هذا ليس برجل صالح. وإذا كان العكس، لو أن رجلا كان معظما لحقوق العباد، واصلا لأرحامه، محسنا لجيرانه، متصدقا على عامة الناس من المحتاجين والمعوزين، إلا أنه لا يبالي بحق الله، مفرط في دين الله، فاعل للحرام، فهذا لا يعد رجلا صالحا. فالرجل الصالح هو الذي أدى حق الله وأدى حق العباد. وهؤلاء وهذا الصنف يدخل فيه جماعات من الناس، وعلى رأسهم الأنبياء والأولياء والأتقياء والأصفياء، وكل من كان مؤذيا لحق الله وحق العباد، إذن هؤلاء هم أهل الصلاح. قال، رحمه الله تعالى: «باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله». قول المؤلف، رحمه الله تعالى: «الغلو في قبور الصالحين»، علمنا أن الغلو هو إفراط بالتعظيم، يكون بالأقوال والأفعال وبالاعتقاد. فإذا تجاوز العبد منا حده فيما يتعلق بتعظيمه بقبور الصالحين، من أنبياء وأولياء، تعظيما قوليا أو تعظيما فعليا أو تعظيما اعتقاديا، فقد سيّرهم أوثانا تعبد من دون الله. مثاله أن تغلو يا عبد الله في قبور الصالحين قولا، بما تتلفظ به بلسانك من إظهارك لمجاوزتك للحد في هذا القبر، كمن يقول مثلا أن هذا القبر هو الترياق المجرب. سمعت العبارة هذه تكرر عند القوم: «ترياق مجرب»، بمعنى ما الذي تريد؟ ما الذي تعاني؟ ما من شيء تشتكي؟ تعال تعال عند هذا القبر، ثم إذا جئت ما أفعل؟ قال: ما عليك، خذ من ترابه، تعلق بأستاره، تمسح بأركانه، ستأتيك الذي تريد. أردت مالا؟ أردت جاها؟ أردت المدد؟ أردت الولد؟ ستجده هو ترياق المجرب. وهكذا الذي ينادي بأن أصحاب هذه القبور يكشفون الملمات، ويدفعون الكروبات، وأن عن طريقهم تدفع المصائب والحوائج، تتيسل لك الأمور، وتصطدح لك الأمور، وتنشرح لهم الصدور، إلى غير ذلك. حتى سمعنا من يقول أن هؤلاء بيدهم زمام الكون، إنهم فقط تعال احضر الزيارة الفلانية، شد الرحال إليها. من ذهب إلى القبر الفلاني، فكأنما حج بيت الله سبعين مرة. من حج القبر الفلاني، قبر هود أو قبر غيره من الأنبياء والأولياء، فهو أفضل من حج بيت الله الحرام. غلو، غلو بماذا؟ بالأقوال. أو يكون الغلو بالأفعال، الغلو بالأفعال كمن يأتي إلى قبر من القبور، سواء كان قبر نبي أو قبر ولي، ثم إذ به ينحني ليس لله، وإنما للقبر ولصاحبه ينحني. حتى أن منهم من لربما يسجد. وانظر لما تفعله الروافض، قبحهم الله، وهم يعظمون هذه المشاهد، حتى رأينا وكما رأى بعضكم أن بعضهم في هذه المناسك في زيارة قبر الحسين وغيره في كربلا، أنهم إذا أرادوا ليس فقط الدخول على الضريح، بل المرور في طريقهم إلى الضريح، أنهم يزحفون زحفا، غاية في السجود. الإنسان هنا المسلم إذا أراد أن يتعبد ربه جل على الأعظم، قمة الخضوع أن تجعل الجبهة على الأرض، ها لا لا ما اكتفوا بهذا لقبرهم، ما اكتفوا وإنما جعلوا الجسد كله على الأرض، فيزحفون زحفا، قمة في الخضوع لهذا الميت، على أنه قبر الحسين المزعوم. وقس على ذلك أشكالا وألوان من الأفعال، كمن يبني المساجد، هذا من أنواع الغلو، بناء المساجد على القبور. قبر الله أعلم بصاحبه، أو نقول قبر ولي من أولياء الله، من عباد الله الصالحين، ثم بعد ذلك يشاد عليه جامع، كهذه الجوامع الضخمة في أرجائه وأركانه، ويجعل هذا القبر في وسطه، تعظيما لهذا من التعظيم الفعلي. أو يكون التعظيم يا عبد الله بالاعتقاد، لأن الغلو يكون بالأقوال والأفعال والاعتقادات. بعض الناس قد ما يستطيع يتجرأ أن يصرح بمكنون قلبه بلسانه، ما يستطيع، ولا أنه يفعل فعل يظهر هذا الغلو، لكنه يختزل هذا الغلو في قلبه، فيعتقد مثلا أن هذا القبر صاحبه، صاحبه يهدي القلوب، ويكشف الكروب، ويعلم الغيوب، ويغفر الذنوب، وأنه يحقق كل مرغوب ومقصود ومطلوب، يعتقد هذا، يعتقده، ما يستطيع أن يبوح لأبنائه ولأصحابه، لكنه يجد أن البيئة ما تساعده على أن يتلفظ ما في مكنون قلبه، لكنه يعتقد هذا. هذا القبر هو، هذا صاحبه يكشف ويغفر ويهدي. من فعل هذا إخواني في الله؟ قال المؤلف، رحمه الله تعالى: «باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله». من تورط بهذه الأشياء من أنواع الغلو، الفعل والقول والاعتقاد، فهو في حقيقة أمره قد سيّر هذه القبور أوثانا، أوثانا. ما قال أصناما. قد يأتي السؤال ها هنا: وهل هناك فرق بين الصنم والوثن؟ نعم، الصنم هو كل ما عبد من دون الله، إلا أن له هيئة. والوثن هو أيضا كل ما عبد من دون الله، وليست لديه هيئة. فالصنم والوثن اتفقا على أنهما مما يعبد من دون الله، والخلاف بينهما أن الصنم ما له جثمان، ما له شكل. وأما الوثن ليس له شكل. فمن الأصنام مثلا ما كان عند الجاهلية: اللاتا، ومناة، وهبل، وعزى، يأتون إلى صخرة تنحت على شكل رجل، على شكل امرأة، مثل ما يفعل في هذه الأزمان مع بوذا، على أنه رجل له أذرع مثلا في شرق آسيا، يعبد هذه أصناما، أشكال شكلت، شكلت على أنها تكون معبودة من دون الله، هذا صنم. والوثن ليس من شرط أن يكون له صورة، هذا الميكروفون مثلا، لو أنه اتخذ عقيدة فيه أنه يضر وينفع من دون الله، فقد اتخذناه وثنا. وهكذا قل. القبور، القبور، القبور، ليس له شكل شكل إنسان، أو شكل حيوان، أو شكل، هو قبر، قبر. لكن هذا القبر لو اعتقدت فيه ما اعتقدته يا عبد الله في الله، فإنك قد صيرته وثنا، أي أنك عبدته من دون الله جل في علاه. فالحاصل إخواني في الله أن هذا التبويب، بواب به المؤلف، رحمه الله تعالى، على ما سيأتي من الأدلة الدالة على صحة هذا الباب، ألا وهو أن من غلا في قبر من قبور الصالحين، نبيا كان أو وليا، فإنه قد صيره وثنا يعبد من دون الله. وسأتي معنا أدلة الباب في دروس قادمة. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلّى الله عن نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم. شكرا لكم.