شرح كتاب التوحيد 117

شرح كتاب التوحيد 117

الدرس في شرح كتاب التوحيد 117، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في خطورة الغلو في أهل الصلاح

الدرس يبدأ بتوضيح خطورة الغلو في أهل الصلاح مستشهداً بأثرين عن مجاهد وابن عباس حول رجل صالح في الجاهلية. يُظهر كيف أن الغلو في أهل الصلاح يمكن أن يؤدي إلى عبادتهم بدلاً من الله.

آثار الغلو في الصالحين بعد وفاتهم

يشرح الدرس كيف يزداد الغلو في الصالحين بعد موتهم بسبب انقطاع الأخبار عنهم وانتشار الخرافات حولهم، مما يؤدي إلى الاعتكاف على قبورهم وطلب الحاجات منهم.

تحذير من عبادة قبور الصالحين

النص يحذر من الغلو في قبور الصالحين ويبين كيف يمكن أن يؤدي الاعتكاف عند القبور إلى عبادة الأصنام، مستشهداً بقصة اللات الذي أصبح صنماً يعبد من دون الله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله: والابن جرير بسنديه عن سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزة﴾، قال: كان يلدت لهم السويق، فماتا، فعكفوا على قبره. وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يلدت السويق للحاج. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذين الأثرين في هذا الباب: باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله. وذكر رحمه الله تعالى الأثر الأول عن مجاهد، والأثر الثاني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه. وكلاهما يتحدث عن رجل من أهل الجاهلية كان من أهل الصلاح. فقول المؤلف رحمه الله تعالى: والابن جرير، يعني به الطبري إمام المفسرين رحمه الله، قال بسنده عن سفيان، وهو الإمام الثوري، قال عن منصور، وهو ابن المعتمر، عن مجاهد، وهو مجاهد بن جبر، ممن أخذ التفسير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزة﴾، قال: كان يلدت لهم السويق. يلدت لهم السويق، وهكذا في أثر ابن عباس، قال: كان يلدت السويق للحاج. والسويق، إخواني في الله، هو دقيق الحنطة والشعير. السويق في اللغة هو دقيق الحنطة والشعير، ويلدت أي يبله. وكان إبلاله إما بالماء أو كان يبله بالسمن، أي يخلط السويق، وهو دقيق الشعير أو الحنطة، يخلطه بالماء حتى يعجن أو يخلطه بالسمن. فكان هذا الرجل، واختلف العلماء في اسمه، وحاول المؤرخون أن يتعرفوا على هذا الرجل الذي كان يفعل هذه الفعلة في أيام الجاهلية، كان يلدت السويق، أي يصنع هذا الطعام لمن؟ للحجاج. وكان ذلك من شيم العرب، ومن الأمور التي يتنافس عليها من كان من أهل مكة ومن جاورهم، أنهم كانوا يستقبلون حجاج بيت الله، منهم من كان يستقبل الوفود بالماء والسقايا، ومنهم من كان يستقبلهم بإعداد الطعام والزاد. كحال هذا الرجل، كان يخرج في الأطراف وينتظر قدوم الناس لحج بيت الله الحرام، فكان يوزع لهم الطعام لمن مر ولمن قدم ولمن جاوز، يعطيه الطعام. فكان ذلك من كرمه ومن إحسانه لضيوف الرحمن، وكان هذا في أيام الجاهلية، فدل على أن هذا الرجل كان من أهل الصلاح، كان رجلاً صالحًا لا شك في هذا ولا ريب من فعله مع ضيوف الرحمن. لكن في أثر مجاهد رحمه الله تعالى زيادة مهمة، وهي في قوله: فمات، فعكفوا على قبره. أي: لما مات هذا الرجل، تخليدًا لذكراه ولمآثره، قاموا هؤلاء وجلسوا وجعلوا فترة من أوقات حياتهم ذكرى لهذا الرجل الصالح بأن يعكفوا على قبره. هنا، إخواني، تأتي مسائل مهمة متعلقة بهذين الأثرين. أولاها: بيان ما يتعلق بخطورة الغلو في أهل الصلاح. الرجل الصالح صلاحه لنفسه، صلاحه فيما سينفعه عند ربه. أما أننا نغلو في أهل الصلاح، إخواني في الله، فنرفع من قدرهم ونرفع من شأنهم ونتجاوز الحد فيهم، هذا غلو. فكل قد علم مقداره وحجمه. فالرب رب جل في علاء، والنبي نبي في رسالته، والصالح صالح فيما يكون من تقوى لربه سبحانه وتعالى. فلا ينبغي أن تختلط الأوراق. فلا يمكن لأحد أن يوصل أحدًا من الصالحين إلى مقام رب الأرباب، فضلاً أن يجعله في مصاف نبي من أنبياء الله. وهذا الذي نرى، إخواني في الله، في مثل هذه الأزمان، الغلو في أهل الصلاح. وأكثر ما يكون الغلو وأعظم ما يكون الغلو في الصالحين بعد موتهم. نحن لا نتردد على أن الغلو في الصالحين قد يكون في حياتهم، يوجد هذا في حياتهم عند بعض الحمقى والغلاة ممن يغالي في شيخه، يغالي في سيده بأن يوصله إلى مقام العبودية. بل ما هو أشنع من هذا، والله، رأينا بأعيننا لبعض الأتباع من لربما يتتبع غائط شيخه فيأكله. رأيناه، رأي العين، من يفعل هذا الغلو، يتبرك بكل شيء من سيد، حتى الذي يخرج منه، من غائطه. وقد وقع ذلك كذلك مع الحلاج، أن الناس كانوا يتبخرون بغائطه. غلو، وما نرى كذلك في بعض المناسبات عند بعض الناس ممن لربما يستميل قلوب الأتباع، فإذا أكل طعامًا ترك مساحة لأتباعه حتى يتهاوشون على هذا المكان الذي أكل منه شيخهم ويتبركون به. وإذا سلم، سلم وجعل يده هكذا حتى تتلقفها أيدي الناس، يقلبونها يمنة ويسرة، لا يصافح، لا، ما يصافح هو، لا يصافح، وإنما يتركها هكذا ممدودة تنشر البركة لمن يتلمسها ويقبلها يمنة ويسرة. غلو، هذا شيء، أخوان، فلا، من بحر، لا ساحل، لا، من الغلو في الصالحين في حياتهم. لكن إذا مات الصالح، يزداد الغلو فيه. لماذا يزداد الغلو في الصالحين بعد موتهم؟ لأن الأخبار تنقطع عنه، ويفتح المجال بعد ذلك للخرافات والأساطير. يكفيهم هذا رجل، ربما في حياته، نعم، مصلي، يصوم، مثل حال الناس. فإذا مات، نفخ في ترجمته: هذا كان يقرأ القرآن ألف مرة، هذا كان يختم صحيح البخاري عشرات الآلاف. منهم من يقول عشرة آلاف مرة، يقول لهم بعضهم: لا، لا، مو عشرة آلاف، خمسين ألف مرة يقرأ البخاري ويختم في حياته. ومنهم من قال: يقرأ، وهذا يصعد، وذاك فلان الذي مات كان يصعد إلى السماء. وفلان الذي مات، متعددون أنه أوقف السيل بكفه، سيل جرار كان سيجتاح البلاد لو لأنه تصدى له شيخنا بكفه فأوقف السيل برمته. وهكذا، قس، بحر من الخرافات والأساطير، فيزداد الغلو في الأموات. وهذا الذي صار لهذا الرجل الصالح عندما مات، ألا وهو اللات، عكفوا على قبره، أي: بعد موته، يزداد فيه الغلو بالصالحين. فالصالح، يا عبد الله، لا تغلو فيه. صلاحه فيما بينه وبين ربه، وإنما نعطيه ما يستحقه من الإجلال والإعظام على مقدار التقوى، لا على مقدار أساطير وخرافات وبدع وضلالاته. الفائدة الثانية مما يستفاد من هذه الآثار، إخواني في الله: أن من الغلو بأهل الصلاح بعد موتهم ما كان من الاعتكاف على قبورهم. القبر، يا عبد الله، هو محل الأموات، ومن مات قد أفضى إلى ما قدم، وأمره بين يدي ربه جل في علاء، ما ندري ما تحت التراب، أنعيم أم عذاب، الله أعلم بصاحبه. نرجو للمحسن الإثابة، ونشفق على العاصي بأن الله يمن عليه بالتوبة والمثابة. هذا الذي نرجوه، نرجو من الله العفو عن المذنبين والمنزل العظيم للمحسنين. هذا الذي نرجوه، ولا نجزم لأحد. ولا نجزم لأحد. وأن الميت، إخواني في الله، حقه علينا إذا جئنا إلى قبره أننا ندعو له، أننا ندعو له. وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم لا يطيل المكث عند القبور، إن جاء جاء بالدعاء يدعو لهم، لأنه يطلب من الله لهم، لا كما نجده من عباد القبور أنهم هم الذين يطلبون من أهل القبور. في الحقيقة، الميت هو الذي يطلب منك، الميت في قبري يطلب منك أن تدعو له بالرحمة، أن تدعو له بالمغفرة، أن تدعو له برفع الدرجات، أن تدعو له. وقد ينتفع الميت، الميت ينتفع بدعاء إخوانه ومن كان من قرابته وأرحامه، ينتفع نفعًا عظيمًا. من أعظم ما ينتفع به الأموات من الأحياء، أعظم من انتفاعهم بالصدقة، ومن الذبح وإراقة الدماء. والله، ما هناك أنفع من الدعاء. ينتفع الميت انتفاعًا عظيمًا. وهذا الذي يشجع له العلماء أن الأموات ينبغي أن نكثر من دعائنا لهم في صلواتنا، في سجودنا، في قيامنا، إذا ذهبنا إليهم ندعو لهم. لنعكس، حتى وجدنا أن من الناس من يأتي إلى القبر يطلب من صاحب القبر: يا صاحب القبر، ادع الله أن يغفر لي، ادع الله أن يرحمني. سبحان الله، من هذا الذي يدعو لمن؟ لكنها الضلال، الضلال. الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاء عند أصحاب القبر لم يمكث، وإنما دعا. فإن كان ميتًا قد دفن لتوه، كان يقول: «سلوا لأخيكم الثبات، فإنه الآن يسأل». فيدعى له الله بأن الله يثبته ويلقي له حجته. وإذا كان مارًا عليه الصلاة والسلام، دخل على القبر وسلم على أهله ودعا لهم. أما أنك تعتكف على قبر، هذا، يا عبد الله، من وسائل الغلو في قبور الصالحين. تجد أن من الناس من يأتون إلى القبور ويجلسون عندها، ولا يحركون لها ساكنًا، يطأطئون الرؤوس وعليهم السكينة. وقد رأينا هذا عند بعض القبور ممن يعتقد فيه أصحابها أنهم إذا دخلوها دخلوها وعليهم السكينة والخشوع، ولا يفعلون شيئًا سوى الاعتكاف، البحث، لربما تنضي الساعات وهم على هذا الحال. الاعتكاف، يا عبد الله، عبادة من العبادات، أمر الله جل وعلا بأن تكون لمساجده. «وأنتم عاكفون في المساجد»، فلا تصرف لغير المساجد، فلا تصرف لغير المساجد. فصرفه لغير الله، فصرفه لغير بيوت الله. ولما أمر الله هو صرف للطاعات في غير موضعها، وهذا من الغلو. ثالثًا، إخواني في الله، مما يستفاد من هذا الأثر، من هذين الأثرين، في قصة اللات الذي كان يلت السويق، ثم أن الناس عكفوا على قبره، ما نستشهد به على تدرج الشيطان. هل اكتفى الأمر أن الناس اعتقدوا بأن اللات رجل صالح؟ ثم هل اكتفوا بمسألة الاعتكاف بأن يجعلوا له ذكرى سنوية تتكرر في زمان معين؟ لا، اكتفوا لا بهذا ولا بذاك. لماذا؟ لأن العرب بعد ذلك بنوا صنمًا، بنوا صنمًا سموه باللات. قال الله: ﴿أفرأيتم اللات والعزة﴾. اللات أصبح من أعظم ومن كبائر ومن أكابر أصنام أهل الجاهلية العرب، وكان في جهة الطائف، من جهة الطائف. ولما انتشرت دعوة الإسلام، أرسل نبينا صلى الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة إلى تلكم الناحية لكي يهدم هذا الصنم. السؤال: صنم، من أين جاء الصنم؟ جاء من التدرج الذي سار عليه الشيطان مع القوم. رجل صالح، ثم التعظيم، ثم الاعتكاف على قبره، وما جاءت الخلوف حتى بنوا على قبره صنمًا يعبد من دون الله. كل ذلك من أين جاء؟ جاء من باب الغلو. ولهذا إذا تعلمت، يا عبد الله، هذه المسألة، وجدت صحة ما بوّب عليه المؤلف ورحمه الله تعالى بقوله: «باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله». وهذا الصنم، وهو اللات، مثال حي لرجل كان صالحًا يلت السويق للحجاج. فلما مات، عكفوا على قبره، ثم اعتقدوا فيه الاعتقادات حتى بنوا على قبره صنمًا، وأخذ يُعبد من دون الله جل في علاء. هذا، أخواني في الله، موطن الشاهد من هذه الآثار التي أوردها المؤلف. وهذا على قول من يقول بأن اللات اسم رجل. وهناك رواية أخرى كذلك ثابتة عن ابن عباس: أن اللات هو عبارة عن اشتقاق، اشتقاق كان عليه أهل الجاهلية يشتقون من أسماء الله أسماء لآلهتهم. فكان من اسم الله الإله فاشتقوا من اسم الإله اللات، وجعلوا لصنمهم. ومن أسماء الله العزيز فأخذوه واشتقوا منه العزة وجعلوه لآلهتهم. ومن أسماء الله المنان فاشتقوا منه اسم المنا وجعلوه لأصنامهم. فكان هذا من الإلحاد الذي كان عليه العرب أنهم كانوا يشتقون من أسماء الله أسماء لأصنامهم: اللات، ومنات، والعزى. ومن أهل العلم من جمع بين القولين، قال: على أن هذه اللفظة ﴿أفرأيتم اللات﴾ هي على قراءتين: أفرأيتم اللات بالتشديد، وأفرأيتم اللات بالتخفيف. فعلى قول أفرأيتم اللات بالتشديد، فهي اسم رجل كان يلت السويق. وعلى قراءة أفرأيتم اللات بالتخفيف، فهو اسم الإله اشتق منه اللات وجعل لصنمهم. وقد قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: إن كلا القراءتين من القراءات الصحيحة. إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.