الدرس في كتاب الطهارة 7، ألقاها
يناقش تحريم استخدام آنية الذهب والفضة في الأكل والشرب استنادا إلى حديث حذيفة بن اليمان، ويبين أن العلة من هذا التحريم هي أن هذه الآنية للمؤمنين في الآخرة وللكفار في الدنيا. يشرح أيضا الأصل في الآنية وهو الحل إلا ما ورد الشرع بتحريمه.
يذكر المقطع تحريم استعمال آنية الذهب والفضة في الإسلام، مع اختلاف أهل العلم في عموم التحريم لجميع وجوه الاستعمال أو تخصيصه بالأكل والشرب، ويقدم أدلة الفريقين من السنة النبوية. يبين الوعيد الشديد لمن يستعملها في الأكل والشرب.
يختتم الدرس الحالي ويقرر تأجيل مناقشة الأحاديث المتعلقة بدباغ الجلود إلى الدرس القادم، مشيرا إلى أن ذكر تلك الأحاديث سيستغرق وقتا إضافيا. يشير إلى حل استخدام بقية الآنية الأخرى غير الذهب والفضة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال حافظ بن حجر رحمه الله في كتابه «بلوغ المرام»، في كتاب الطهارة، باب الآنية: والآنية جمع إناء، والإناء هو الوعاء الذي يوضع فيه الطعام أو الشراب. والأصل في الآنية الحل، سواء كانت من نحاس أو حديد أو خشب أو خزف أو جلد أو غير ذلك، فالأصل فيها الحل، إلا ما ورد الشرع بتحريمه، كالذهب والفضة، كما سيأتي. ودليل الحل قول الله جل وعلا: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾، وقول سبحانه: ﴿وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه﴾. فالله جل وعلا امتن على العباد بما خلق لهم في هذه الأرض، بجميع ما خلقه من المخلوقات، فإن الأصل فيها الحل والطهارة، فلا يخرج عن هذا الأصل إلا ما ورد وثبت الدليل بإخراجه وبيان حرمته. ولما كان الوضوء استعمال الماء يحتاج إلى إناء يوضع فيه، ناسبا أن يذكر أحكام الآنية، فلذلك جرى عمل الفقهاء بذكر باب الآنية بكتاب الطهارة لبيان أحكامها. ذكر رحمه الله في هذا الباب، في أول حديث من حديث هذا الباب، حديث حذيفة بن اليمان، قال: عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة». قال: متفق عليه. هذا الحديث: حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما في الصحيحين. وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهما أسلم هو وأبوه، وأرادا شهود بدر، فصدهما المشركون، كما في صحيح الإمام مسلم، وشهد أحدا. وقتل المسلمون اليمان، والد حذيفة، لأنهم لم يعرفوه، فوداه النبي عليه الصلاة والسلام، فتصدق حذيفة بديته على المسلمين. وحذيفة رضي الله عنه صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسر إليه النبي صلى الله عليه وسلم بأسماء المنافقين، رضي الله تعالى عنه. ومات في سنة ست وثلاثين للهجرة. في هذا الحديث ينهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الشرب في آنية الذهب والفضة، والأكل في صحافهما. والصحاف جمع صحفة، وهو الإناء الذي يوكل فيه الطعام، ولو كان يشبع واحدا. ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم العلة في التحريم، فقال: «فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة». وقول عليه الصلاة والسلام: «فإنها لهم في الدنيا»، هل معنى هذا أنه حلال للكفار أن يأكلوا في آنية الذهب والفضة؟ الجواب: لا. وإنما المراد الإخبار بأن الكفار لا يمتنعون من الأكل في آنية الذهب والفضة، إذ ليس عندهم من الدين ما يمنعهم من ذلك، فهم يأكلون ويتمتعون في هذه الدنيا. وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الدنيا جنة الكافر، فهو يفعل فيها ما شاء من شهوات النفس وملذاتها، من أكل وشرب ونكاح وغير ذلك، ومن ذلك الأكل في آنية الذهب والفضة، فهم يأكلون فيهما ولا يمتنعون. وهذه الدنيا جنتهم، لكن المؤمن في هذه الدنيا في سجن، إذ أنه مقيد بإحكام الشريعة لا يخرج عنها. وقد منع من الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، وعوض عنها في الآخرة، فتكون آنيته في الآخرة، ولباسه الذهب والفضة. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة»، أي تأكلون فيهما وتستعملونهما. وقد جاء عند النسائي والحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من شرب في آنية الذهب والفضة، فإنه لا يشرب فيهما في الآخرة». وآنية أهل الجنة يعني الذهب والفضة، أن آنية أهل الجنة هي الذهب والفضة. فهذا الحديث فيه النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة، والأكل فيهما. والأصل في النهي أنه للتحريم، فيدل ذلك على حرمة الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة. وهذا النهي مخصص للأصل في الآنية أنه الحل، فيخرج من ذلك الذهب والفضة لهذا الحديث، فيحرم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، لاستعمالهما. والعلة في ذلك كما سمعنا أنها للكفار يتمتعون بها في الدنيا، وهي لأهل الإيمان في الآخرة. وكما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه «الزاد» أن في استعمالهما ما ينافي الهيئة التي ينبغي أن يكون عليها العبد من العبودية لله جل وعلا، والخضوع والذل لله سبحانه وتعالى، فإنها تكسب العبد شيئا من العجب والغرور والترفع الذي ينافي ما ينبغي أن يكون عليه العبد من الذل والانكسار لله جل وعلا. وبعض أهل العلم علل التحريم بأن في استعمالها انكسار لقلوب الفقراء، لما يرى الفقير هذا الإنسان يأكل في آنية الذهب والفضة، وهو لا يجد ما هو دون ذلك مما يسد حاجته، فإن ذلك يؤلمه ويحزنه. فلأجل ذلك حرم الأكل في آنية الذهب والفضة. وقيل كذلك أن سببه الخيلاء والكبرياء، لكن هذه العلة لم تذكر في نصوص السنة، ولم يدع عليها دليل، فتكون العلة هي المذكورة في الحديث: «لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة». واختلف أهل العلم هل تحريم استعمال آنية الذهب والفضة في الأكل خاصة، أم أن ذلك يعُم جميع وجوه الاستعمال، كاستعمالها في الاكتحال أو غير ذلك من وجوه الاستعمال والوضوء؟ فذهب جمهور أهل العلم إلى عموم التحريم، إلى عموم تحريم استعمال آنية الذهب والفضة، ومن ذلك الوضوء فيهما، أو استعمالهما في الاكتحال ونحو ذلك من وجوه الاستعمال. قالوا: وإنما ذكر الأكل والشرب؛ لأن هذا هو الأغلب، وهذا هو الأكثر في استعمال آنية الذهب والفضة، أنها في الأكل والشرب، فلا يكون لهذا الذكر ماذا لا يفيد التخصيص التحريم بالأكل والشرب فقط. وذهب جماعة من أهل العلم، ومنهم الصنعاني والشوكاني، وكذلك ابن عثيمين، رحمهم الله، إلى أن النهي عن استعمال آنية الذهب والفضة خاص بالأكل والشرب، وأما غيرها من وجوه الاستعمال فلا دليل يدل على المنع. واستدلوا بظاهر الحديث، فالحديث ورد بالنهي عن الأكل والشرب: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا». ولو أراد النهي عن عموم وجوه الاستعمال، لقال: «لا تستعملوا آنية الذهب والفضة»، لكن قال: «لا تشربوا ولا تأكلوا»، إذا الحكم هنا خاص بالأكل والشرب، فدل هذا على أن غير الأكل والشرب يجوز استعمال آنية الذهب والفضة. ويدل على هذا: حديث أم سلمة، ثبت عنها رضي الله عنها، كما في البخاري، أن كان لها جُل جُل من فضة، كانت تضع فيه شعرات للنبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا يتبركون بها، وهي راوية الحديث، سيأتي في هذا الباب في نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن الوعيد لمن شرب في آنية الفضة. فدل هذا على أنها فهمت أن هذا الوعيد، وهذا النهي خاص بالأكل والشرب فقط. ووجه ذكر هذا الحديث في هذا الباب هو على القول بعموم تحريم استعمال آنية الذهب والفضة، فإنه يمنع من استعمالها في الوضوء، على قول الجمهور أنه يمنع استعمالهما في الوضوء. فلأجل هذا ذكر هذا الحديث في باب الآنية، وفي كتاب الطهارة، وإلا في الأصل أنه يذكر في كتاب الأشربة. لكن لأجل إرادة استنباط حكم تحريم استعمال آنية الذهب والفضة في الوضوء من معنى تحريم الأكل والشرب، على القول بأنه ليس مرادا به خصوص الأكل والشرب، ذكر هذا الحديث في هذا الباب. قال رحمه الله: عن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذي يشرب في إناء الفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم». متفق عليه. أم سلمة: هند بنت أبي أمية، إحدى زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، وأمهات المؤمنين، تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد موت زوجها أبي سلمة. فلما مات أبو سلمة، أغمض النبي صلى عليه وسلم عينيه، وقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون»، ثم قال: «اللهم أجرني في مصيبتي هذه، واخلف لي خيرا منها». قالت: فقلت: ومن خير من أبي سلمة؟ فقال ذلك، فأخلف الله عز وجل لي خيرا منه، رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففي هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الذي يشرب في إناء الفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم. ومعنى يجرجر: الجرجرة هو صوت وقوع الماء في الجوف، فشبه النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرنا أن الذي يشرب في إناء الفضة، فإنه سيشرب من نار جهنم يوم القيامة، أو أن الذي يشربه بإناء الفضة نارا يدخل إلى جوفه. ومثله قول الله جل وعلا: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾. وجهنم هي اسم من أسماء دار الكافرين التي خلقها الله عز وجل لأهل الكفر ولأهل الفسق والعصاة، يعذب الله جل وعلا فيها من شاء منهم. سميت جهنم، قيل: إنها من معنى بعد القعر، من قولهم: بئر جهنام، أي بعيدة القعر. وقيل: من الغلظة، من غلغتها، سميت بجهنم من الجهومة. ففي هذا الحديث وعيد لمن يشرب في إناء الفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم، أي أنه سيدخل إلى جوفه نار جهنم، عياذا بالله. وهذا يدل على حرمة الشرب في آنية الفضة، حرمة الشرب في آنية الفضة. وهل هذا الحكم يعم كذلك الشرب في آنية الذهب؟ الجواب: نعم، من باب أولى، إذا كان هذا الوعيد فيمن شرب في آنية الفضة، فآنية الذهب من باب أولى؛ لأن الذهب أشد حرمة من الفضة. وذلك أن الفضة أبيح استعمال شيء منها، كاستعمال الخاتم من الفضة، وتحلية السيف بالفضة. وأما استعمال الذهب، استعمال خاتم من الذهب، لا يجوز. رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا على يده خاتم من ذهب، فأخذه فألقاه، وقال: «ما لأحدكم يأخذ جمرة من نار، فيجعلها في يده». وها يدع لأن حرمة الذهب أشد من حرمة الفضة، فإذا كان هذا الحكم فيمن شرب في إناء الفضة، فالشرب في آنية الذهب من باب أولى. وهل هذا الحكم كذلك يعم ما كان من الآنية فيه شيء من الذهب أو الفضة، أم أنه خاص بالخالص من الذهب والفضة؟ أما الخالص من الذهب والفضة، فهذا لا شك في حرمة استعماله. وأما ما فيه شيء من الذهب والفضة، كالمضبب بالذهب والفضة، فإنه كذلك أيضا يدخل في التحريم، إلا ما كان شيئا يسيرا من الفضة، كما سيأتي في إصلاح الإناء، فهذا يستثنى كما سيأتي في حديث أنس. وأما تضبيب الإناء بذهب أو فضة، أو كذلك أيضا طلي الإناء بذهب أو فضة، ولهذا الطلي يعني سمك له سمك، فإنه كذلك حكمه حكم الذهب والفضة، فلا يجوز استعماله في الأكل والشرب. وأما إن كان مجرد لون، إناء لونه لون ذهب أو لون فضة، لكن ليس له جرم، ليس له جرم، مجرد لون فقط، فهذا يجوز. ومع ذلك الأولى تركه، حتى لا يساء بالإنسان الظن، حتى لا يساء بالإنسان الظن، يساء به ظن السوء، فلما يرى أنه يشرب في إناء شكله كشكل آنية الذهب أو الفضة، فيظن أنه يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة، فلأجل ذلك يترك ذلك، ولا يستعمل ما كان كذلك. ولا شك أن دفع الشبهة عن الإنسان أمر مطلوب، دفع الإنسان الشبهة عن نفسه أمر مطلوب، حتى لا يساء به الظن. النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج مع صفية يوصلها إلى دارها، وكان معتكفا، مر رجلان، فأسرع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «على رسلكما، إنها صفية بنت حيي». قال: يا رسول الله، سبحان الله، يعني هل نحن نشك فيك أو نظن فيك؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يلقي في قلوبكما شيئا». فالمقصود أن دفع الإنسان إساءة ظن به أمر مطلوب، فلأجل ذلك يترك استعمال ما كان كذلك من الآنية مما فيه لون الذهب أو الفضة. طيب، فنستفيد من هذين الحديثين حرمة الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، وكذلك أيضا بيان الوعيد فيمن شرب في آنية الذهب أو الفضة، أنه يجرجر في بطنه نار جهنم يوم القيامة. ويستفاد من ذلك كذلك حل بقية الآنية، حل بقية الآنية التي تستعمل في الأكل والشرب من غير الذهب والفضة، ولو كانت آنية ثمينة كالجواهر أو الزمرد أو غيرها؛ لأنه لم يأت فيها تحريم، وهي باقية على أصل الحل، باقية على أصل الحل. وإنما ورد التحريم فقط في الذهب والفضة. طيب، لعلنا نكتفي إن شاء الله بهذا؛ لأن الأحاديث الواردة بعد هذا الباب فيما يتعلق بدباغ الجلود ثلاثة أحاديث متعلقة بعضها ببعض، وإذا ذكرناها الآن سيأخذ علينا وقتا، نتركها إن شاء الله في درس القادم بإذن الله. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.