الدرس في كتاب الصلاة 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستحب للمصلي أن يأتي إلى الصلاة بسكينة ووقار، مع ذكر خاص عند الدخول والخروج من المسجد. يُشرح كيفية الدخول والاستفتاح في الصلاة.
يتناول المقطع أحكام الصلاة مثل تكبيرة الإحرام، ورفع اليدين، ووضع اليد اليمنى على اليسرى، ودعاء الاستفتاح مستندًا إلى الأحاديث النبوية.
يشرح كيفية الركوع ووضع اليدين على الركبتين وتكرار "سبحان ربي العظيم". ثم يرفع رأسه قائلا "سمع الله لمن حمده" ويدعو بعد الرفع "ربنا ولك الحمد".
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعد رحمه الله في كتابه «منهج السالكين»: باب صفة الصلاة. قال: يستحب أن يأتي إليها بسكينة ووقار، فإذا دخل المسجد قال: «بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك». ويقدم رجله اليمنى لدخول المسجد واليسرى للخروج منه، ويقول هذا الذكر، إلا أنه يقول: «افتح لي أبواب فضلك» كما ورد في ذلك الحديث الذي رواه أحمد وابن ماجه. فإذا قام إلى الصلاة قال: «الله أكبر» ويرفع يديه إلى حذو منكبيه وإلى شحمة أذنيه في أربعة مواضع: عند تكبيرة الإحرام، عند الركوع، عند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول، كما صحت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويضع يده اليمنى على اليسرى فوق سرته أو تحتها أو على صدره، ويقول: «سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك» أو غيره من الاستفتاحات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم. إلى آخر ما ذكر رحمه الله في هذا الباب، فهذا الباب في صفة الصلاة، وصفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام قد رواها جمع من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، نقلوا لنا كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. فذكر رحمه الله هنا في هذا الموضع، وفي هذا الباب، شيئًا مما يتعلق بصفة الصلاة منذ دخول المسجد وإلى أن يدخل في الصلاة حتى يخرج منها. قال: يستحب أن يأتي إليها بسكينة ووقار، يعني أن يأتي إلى الصلاة المصلي يأتي بسكينة ووقار لحديث أبي هريرة في الصحيح: «إذا أتيتم إلى الصلاة فأتوها وعليكم السكينة والوقار، وأتوها وأنتم تمشون، ولا تأتوها وأنتم تسعون، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا». فأرشد النبي عليه الصلاة والسلام أن يأتي المصلي إلى الصلاة بسكينة ووقار. السكينة في الحركات يعني لا يرفع صوته ولا يعبث بيديه ونحو ذلك، والوقار في الهيئة في هيئته وفي ملبسه وفي مشيته. فما أدرك من الصلاة صلاه وما فاته وأتمه، فلا يأتي وهو يجري، بعض الناس إذا وجد الإمام قد ركع يجري حتى يدرك الركعة، وهذا خطأ، سيأتي يدخل في الصلاة وهو يلهث، وهو يلهث من التعب، فهذا منافي للخشوع الذي ينبغي أن يكون عليه المصلي في الصلاة. قال: فإذا دخل المسجد قال: «بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي الذنوب وافتح لي أبواب رحمتك»، يعني إذا دخل المسجد يأتي بالدعاء، دعاء الدخول إلى المسجد، ومنه هذا الحديث، حديث أبي حميد أو أبي أسيد: أنه يقول: «بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك». فيسأل الله جل وعلا أن يغفر له ذنوبه؛ لأن الصلاة سبب لمغفرة الذنوب، وهو داخل إلى المسجد لأجل الصلاة، فيسأل من الله جل وعلا أن يتقبل منه وأن يغفر له ذنوبه. ويقول: «وافتح لي أبواب رحمتك» يعني الأبواب والأسباب التي أصل بها إلى أن ألال رحمتك وعفوك ومجاوزتك. هذا الحديث أصله في صحيح مسلم من غير ذكر الصلاة والتسليم، فهو في مسلم بلفظ: «إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك». وجاء ذكر الصلاة والتسليم خارج الصحيح، يعني في السنن، وهذه زيادة صحيحة مثبتة، ذكر الصلاة والتسليم كما قال الإمام البيهقي رحمه الله: «قال: لفظ التسليم محفوظ». هذا الذكر مما يستحب أن يقوله المسلم إذا دخل إلى المسجد. وجاء في حديث عبد الله بن عمر عند أبي داود بذكر آخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا دخل المسجد: «أعوذ بوجه الله الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم». نعم، هذا الذكر وارد ثابت، وقد صحح شيخنا رحمه الله في صحيح كتابه «الصحيح المسند مما ليس بالصحيحين»: «أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم». وإذا خرج كما قال: يقول: «اللهم افتح لي أبواب فضلك»، بالنسبة للدعاء الأول حديث أبي حميد أو أبي أسيد عند الدخول: «اللهم افتح لي أبواب رحمتك»، وعند الخروج: «اللهم افتح لي أبواب فضلك»، يسأل الله جل وعلا من فضله. قالوا: يقدم رجله اليمنى لدخول المسجد، يعني يدخل المسجد بالرجل اليمنى، جاء في حديث أنس قال: «من السنة إذا دخل المسجد أن يقدم رجله اليمنى». وهذا الحديث له حكم الرفع؛ لأن قوله: «من السنة كذا»، له حكم الرفع، إلا أنه يعني في سنده شيء من الضعف. لكن عموم حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله»، يدل على أنه يستحب أن يدخل باليمين، فالنبي صلى الله عليه وسلم يجعل اليمين في باب المكرمات ويجعل اليسرى فيما سوى ذلك، ودخول المسجد لا شك أنه من الأمور المكرمة، فيقدم القدم اليمنى. قال: وليسرى للخروج منه، ويقول هذا الذكر إلا أنه يقول: «وافتح لي أبواب فضلك»، يعني عند الخروج، في الدخول: «افتح لي أبواب رحمتك»؛ لأنه داخل إلى الصلاة والدعاء والاستغفار إلى آخره، فهي من مضان يعني الرحمة، وأما في الخروج من المسجد فهو يخرج لمعاشه وحياته، فيسأل الله من فضله. قال: فإذا قام إلى الصلاة قال: «الله أكبر»، هنا شرع في بيان صفة الصلاة، أن المصلي إذا قام إلى الصلاة أول ما يبدأ به هو التكبير، يدخل الصلاة بقوله: «الله أكبر»، والتكبير في ابتداء الصلاة ركن من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا به لفعل النبي عليه الصلاة والسلام، وأمره المصلي في صلاته حين قال: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر». مع قوله عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، ولابد من لفظ «الله أكبر»، لا بد من لفظ «الله أكبر»، الشافعية يقولون: لا بأس أن تقول: «الله الأكبر»، لكن جمهور أهل العلم يقولون: ما يجزئ إلا لفظ «الله أكبر»، هذا الصحيح. قال: ويرفع يديه إلى حذو منكبيه أو إلى شحمة أذنيه في أربعة مواضع: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول إلى الركعة الثالثة، فيستحب رفع اليدين هذه مواضع أربع يتأكد فيها استحباب رفع اليدين مع التكبير لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين. قال: ويضع يده اليمنى على اليسرى، يعني إذا قام في الصلاة، إذا قام في الصلاة والقيام في الصلاة ركن من أركان الصلاة كما سيأتي، إذا قام إلى الصلاة وكبر أين يضع يديه؟ قال: يضع اليمنى على اليسرى، ولك في وضع اليمنى على اليسرى ثلاث كيفيات: الكيفية الأولى أن تقبض باليمنى على اليسرى كما في حديث وائل بن حجر في السنن. قال: فوق سرته أو تحتها أو على صدره، يعني يضع اليمنى على اليسرى في أي موضع من هذه المواضع فوق السرة أو تحت السرة أو على صدره؛ لأن الحديث الوارد في هذا الباب لا يخلو من ضعف، وإن كان أقربها إلى الصحة ما ورد في وضع اليد على الصدر، أصح ما ورد مرسل عطاء رحمه الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده اليمنى على اليسرى على صدره. قال: ويقول: «سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك» أو غيره من الاستفتاحات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني أنه إذا قام وكبر ووضع يده اليمنى على اليسرى يأتي بدعاء الاستفتاح الذي يستهتح به الصلاة، ودعاء الاستفتاح مستحب ليس بواجب. ثم يتعوذ بعد أن يأتي بدعاء الاستفتاح، يأتي بالاستعاذة، يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، هذا راه القرآن في قوله جل وعلا: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، تقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» إذا قلت ذلك فقد استعذت من الشيطان الرجيم. قال: ويبسمل، يبسمل يعني يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم» قبل القراءة، والبسملة اتفق أهل العلم على أن البسملة ليست بآية من سورة براءة، وأنها آية من سورة النمل، هذا باتفاق، واختلفوا في بقية السور منها الفاتحة: هل البسملة آية منها أم لا؟ هذا فيه خلاف، والراجح أنها ليست بآية من الفاتحة. قال: ويقرأ الفاتحة، نعم، يعني بعد الاستعاذة والبسملة يشرع في قراءة الفاتحة، والفاتحة قراءتها ركن من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، متفق عليه من حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، وسواء ذلك في حق الإمام أو المأموم أو المنفرد، الجميع لا بد أن يقرأ الفاتحة. قال: ويقرأ معها في الركعتين الأوليين من الرباعية والثلاثية سورة، يقرأ معها أي مع الفاتحة في الركعتين الأوليين من الرباعية كالظهر والعصر والعشاء، والثلاثية كالمغرب، يقرأ الفاتحة ثم يقرأ سورة بعدها في الركعتين الأوليين، يقرأ الفاتحة ثم يقرأ بعدها سورة، وفي الركعتين الأخريين يقرأ الفاتحة فقط. قال: وفي الفجر يقرأ من طوال المفصل، ألا سيذكر يعني من الذي يقرأه الإمام، سورة مخيرة في الصلاة، يقول: الفجر من طوال المفصل، والمغرب من قصاره، والباقي من أوساطه، المفصل هو من سورة قاف إلى آخر القرآن، من سورة قاف إلى آخر القرآن، هذه السور تسمى بسور المفصل؛ لأن هذه السور قصيرة ومفصلة. قال: يجهر في القراءة ليلا ويسر بها نهارا إلا الجمعة والعيد والكسوف والاستسقاء فإنه يجهر بها، يجهر في القراءة ليلا يعني في صلاة الفجر والمغرب والعشاء، فهذه الصلوات الثلاث يجهر فيها بالقراءة، ويسر بها نهارا في صلاة الظهر والعصر. قال: ثم يكبر للركوع، يعني بعد أن يفرغ من القراءة يكبر للركوع، وهنا لم يذكر المؤلف رحمه الله أن المصلي إذا فرغ من قراءة السورة أنه يسكت سكتة ثم بعد ذلك يركع؛ لأن هذا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يسكت سكتة ثم بعد ذلك يركع. قال: ويضع يديه على ركبتيه ويجعل رأسه حيال ظهره، يعني إذا ركع، إذا ركع فإنه يضع يديه على ركبتيه، هكذا تكون اليدين على الركبتين وتكون مفرجة الأصابع، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما التطبيق هو وضع اليدين أثناء الركوع بين الفخذين فهذا منسوخ، هذا كان في أول الأمر كما في صحيح إمام مسلم، ثم نسخ هذا الحكم وأمر أن يضع يديه على الركبتين. قال: ويقول: «سبحان ربي العظيم» ويكرره، هذا دعاء من أدعية الركوع، دعاء من أدعية الركوع أن يقول: «سبحان ربي العظيم»، نعم، كما جاء في حديث حذيفة في الصحيح: لما صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم سمعه يقول في الركوع: «سبحان ربي العظيم»، وفي السجود: «سبحان ربي الأعلى». قال: ثم يرفع رأسه قائلا: «سمع الله لمن حمده» إن كان إماما أو منفردا، نعم، إذا رفع رأسه من الركوع يقول: «سمع الله لمن حمده»، هذا الإمام والمنفرد، الإمام الذي يصلي بالناس والمنفرد الذي يصلي نفسه، إذا رفع من ركوع يقول: «سمع الله لمن حمده»، ثم يقول: «اللهم لك الحمد»، هذا قول جمهور أهل العلم. قال: ويقول الكل: «ربنا ولك الحمد»، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، ملأ السماء وملأ الأرض وملأ ما شئت من شيء بعد، وفي صحيح الإمام مسلم: وفيه أيضا: «أهل الثناء والمجد، حق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد»، هذا الدعاء كاملا الذي يقال بعد الرفع من الركوع. قال: ثم يسجد على أعضائه السبعة.