الدرس في كتاب الطهارة 28، ألقاها
تناول المقطع الأول حكم خروج الدم من غير السبيلين ونوم العينين على الوضوء، حيث استدل بحديث أنس بن مالك ومعاوية وبيّن ضعف هذه الأحاديث. خلص إلى أن خروج الدم لا يبطل الوضوء لعدم وجود دليل صحيح.
يفسر المقطع الثاني معنى حديث العين وكاء السه ويبين دلالته على أن النوم ناقض للوضوء إذا كان مستغرقا. ناقش صحة أحاديث أخرى متعلقة بالنوم والوضوء وأشار إلى ضعف بعضها سندا ومتنا.
يشرح المقطع الثالث كيف يوسوس الشيطان للمصلي ويخيل له أنه أحدث. بين كيفية التعامل مع هذه الوسوسة بتجاهلها وعدم الالتفات إليها حتى لا يطيع الإنسان الشيطان.
هذا المقطع الأخير يُنهي الحديث عن باب نواقض الوضوء ويشير إلى فائدة شرح رسالة الإمام المقدام لمن ابتلي بوساوس الشيطان. ختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على شفيع الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام حجر رحمه الله في كتابه "بلوغ المرام"، في كتاب الطهارة، في باب نواقض الوضوء: قال رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وصلى ولم يتوضأ. أخرجه الدارقطني، ولينه هذا الحديث. أخرجه الإمام الدارقطني رحمه الله من طريق صالح بن مقاتل، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا سليمان بن داود عن حميد عن أنس به. وصالح بن مقاتل قال فيه الإمام الدارقطني رحمه الله: ليس بالقوي، قال: ليس بالقوي، وسليمان بن داود مجهول، فهذا الحديث لا يصح. لكن معناه صحيح، وهو أن الحجامة لا تبطل الوضوء. ومعنى أن خروج الدم من غير السبيلين لا ينتقض به الوضوء. وقد مر معنا الكلام على هذه المسألة في الأحاديث السابقة، أن ما خرج من غير السبيلين كالدم أو القيء أو الرعاف أو غير ذلك، فإنه لا ينتقض به الوضوء، هذا هو الصحيح، وهو قول الإمام مالك والشافعي، لعدم وجود دليل صحيح صريح يدل على النقض. وذهب الإمام أحمد وأبو حنيفة إلى النقض، إلا أن الإمام أحمد قيده بالكثير، إذا خرج شيء كثير من غير السبيلين فإنه ينتقض به الوضوء. لكن الصحيح أنه لا ينتقض به الوضوء لعدم وجود دليل يدل على ذلك. عن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء». رواه أحمد والطبراني، وزاد: «ومن نام فليتوضأ». وهذه زيادة في هذا الحديث، عند أبي داود من حديث علي دون قوله: «استطلق الوكاء». وفي كلا الإسنادين ضعف. معاوية هو ابن أبي سفيان صخر بن حرب رضي الله تعالى عنهما هو وأبوه. أبو سفيان من مسلمة الفتح، وقيل: إن معاوية رضي الله عنه أسلم قبل أبيه وقت عمرة القضاء. وقال فيه ابن عباس في معاوية رضي الله عنه: إنه فقيه، كما في البخاري. وكان أيضا ممن يكتب الوحي للنبي عليه الصلاة والسلام، وهو أفضل الملوك، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أفضل ملوك المسلمين هو معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهم. وفي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء». الحديث رواه أحمد والطبراني من طريق أبي بكر بن أبي مريم عن عطية بن قيس عن معاوية، وهذا السند ضعيف، أبو بكر بن أبي مريم ضعيف. وحديث علي رواه أبو داود بلفظ: «العين وكاء السه، فمن نام فليتوضأ». وهو أيضا ضعيف، فهو من طريق بقية عن الوضين بن عطاء عن محفوظ بن علقمة عن عبد الرحمن بن عائذ عن علي. وبقية مدلس قد دلس في هذه الرواية، والوضين بن عطاء فيه كلام، وعبد الرحمن بن عائذ لم يسمع من علي، فهو منقطع. فكلا الحديثين لا يصحان. ومعنى قوله: «العين وكاء السه»، الوكاء بمعنى الرباط، والسه المراد به الدبر. فإذا نامت العينان استطلق الوكاء، يعني انفتح. فشبه النبي صلى الله عليه وسلم العينان بمنزلة الرباط الذي تربط به القربة، فإذا انفك الرباط خرج ما في القربة من ماء. وهكذا العينان من نسبة للإنسان، فإن الإنسان إذا كان مستيقظا فإنه يشعر بما يخرج منه، فإذا نام فإنه حينئذ لا يشعر بما يخرج منه. وهذا الحديث يدل على أن النوم ناقض للوضوء، والحديث وإن كان ضعيفا، لكن معناه صحيح من حيث أن النوم ينقض الوضوء إذا كان مستغرقا، كما مر معنا في الأحاديث التي مضت في أوائل هذا الباب. وأن النوم المستغرق ينقض الوضوء، والنوم الخفيف لا ينتقض به الوضوء، كما دلت على ذلك الأدلة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ولأبي داود أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا: «إنما الوضوء على من نام مضطجعا». قال: وفي إسناده ضعف أيضا. هذا الحديث رواه أبو داود رحمه الله من طريق أبي خالد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية. وأنكر الحفاظ هذا الحديث على أبي خالد الدالاني، كما قال البيهقي رحمه الله: أنكر عليه جميع أئمة الحديث هذا الحديث. ولهذا ضعفه كثير من الأئمة كالإمام أحمد والبخاري وأبو داود، بل الإمام النووي رحمه الله نقل اتفاق أهل الحديث على تضعيفه. نعم، ما فيه أيضا انقطاع بين قتادة وأبي العالية، فقتادة لم يسمع من أبي العالية إلا أربعة أحاديث، ليس هذا منها، فهو منقطع. ومع ضعف السند فإن متنه منكر، لأن فيه: «إنما الوضوء على من نام مضطجعا»، فيه أن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعا. ومعناه أن من نام غير مضطجع ولو كان نوما مستغرقا فإنه لا ينتقض وضوءه، وهذا ليس بصحيح. فالحديث لا يصح لا سندا ولا متنا. وهذه الأحاديث كان المناسب أن يذكرها المؤلف رحمه الله في أوائل الباب، عند ذكر حديث أنس: أن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كانوا ينامون أو ينتظرون العشاء، ثم يصلون ولا يتوضؤون. قال رحمه الله: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يأتي أحدكم الشيطان في صلاته فينفخ في مقعدته فيخيل إليه أنه أحدث ولم يحدث، فإذا وجد ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا». أخرجه البزار، وأصله في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد، ولمسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه نحوه. هذا الحديث في إسناده ضعف، لكنه صحيح بالشواهد، يشهد له حديث عبد الله بن زيد وحديث أبي هريرة الذي ذكره المؤلف رحمه الله في أوائل هذا الباب: «إذا شك أحدكم خرج منه شيء أم لا، فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا». فهذا الحديث فيه أن الشيطان قد ينفخ في مقعدة الإنسان وهو يصلي، فيخيل إليه أنه أحدث، يعني يظن أنه خرج منه شيء من ريح أو ضراط أو شيء من ذلك، وهو في الحقيقة لم يحدث ولم يخرج منه شيء. فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن المصلي لا ينصرف بمجرد ذلك حتى يتيقن خروج شيء، قال: «فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا»، يعني حتى يتيقن الحدث. وعلمنا فيما مضى أن الحديث يدل على أن الأصل بقاء الطهارة، وأن اليقين لا يزول بالشك. فإذا تيقن الإنسان الطهارة وشك في الحدث فإنه يبقى على طهارته حتى يتيقن ارتفاع هذه الطهارة بيقين. وأما بمجرد الشكوك فلا يلتفت إلى ذلك. قال: وللحاكم عن أبي سعيد مرفوعا: «إذا جاء أحدكم الشيطان فقال: إنك أحدثت، فليقل: كذبت». وأخرجه ابن حبان بلفظ: «فليقل في نفسه». هذا الحديث فيه عياض بن هلال لم يوثقه غير ابن حبان، ولم يرو عنه سوى يحيى بن أبي كثير، فهو مجهول، فلا يصح. وإن كان معناه صحيح، وهو أن الإنسان ربما يوسوس له الشيطان، خاصة في باب العبادة، في باب الوضوء، وفي باب الصلاة، يأتي للإنسان فيقول له: إنك تركت الموضع الفلاني، ما غسلت يدك أو ما غسلت وجهك، أو هكذا. في باب الصلاة ربما يوسوس له بأنه أحدث وأنه انتقض وضوءه. فلا يلتفت المصلي إلى مثل هذه الوسوسة ويقطع باب الوسواس، يقول له: كذبت، يعني في نفسه، كما في رواية ابن حبان: «فليقل في نفسه». ما يصدقه لأن الشيطان يريد أن يصده عن طاعة الله ويثقل عليه العبادة والطاعة حتى يدعها ويتركها. فلو استجاب المسلم لوساوس الشيطان لأتعبه تعبا شديدا. وقد يرى بعض الموسوسين كيف يتعبون تعبا شديدا في باب الوضوء، ربما يكرر الوضوء عشر مرات، وهكذا يدخل الصلاة فيعيد الصلاة المرة والثانية والثالثة، وهكذا يتلاعب به الشيطان. ما الذي أمره أن يكرر؟ وما الذي جعل بمخيلته أن وضوءه غير صحيح وأن صلاته غير صحيحة؟ هو الشيطان. وإذا استجاب الإنسان لوساوس الشيطان صار مطيعا للشيطان. الشرع أمرك أن تتوضأ مرة واحدة، والشيطان أمرك أن تتوضأ عشر مرات، فمن تطيع؟ في الحقيقة أن الموسوس يطيع الشيطان. ما أمره الله بهذا، ولا رسول الله عليه الصلاة والسلام أمره بهذا. إذن هو في هذا مطيع للشيطان. فلذلك ينتبه المسلم ويحذر من فتح باب الوسواس. أنت متأكد ومتيقن أنك أحدثت، لا بأس أعِد الوضوء. أما مجرد شكوك أوهام فلا تلتفت إليها وأعرض عنها. قال لك: أحدثت، قل له: لم أحدث، كذبت، لا تبالي به، لا تبالي بكلامه. ليس الشيطان بحريص على عبادتك وطاعتك، بل هو حريص على صدك وإبعادك وإيقاعك في الوساوس والشكوك. ولذلك أنا أنصح بقراءة ما كتبه الإمام ابن القيم رحمه الله في "مكائد الشيطان"، رسالة قيمة نافعة في هذا الباب. وقد قرأناها من قبل في شرح رسالة الإمام المقدام رحمه الله، فهي نافعة لمن ابتلي بشيء من مسوس الشيطان في مثل هذا الباب. هذا آخر ما ذكره المؤلف رحمه الله في هذا الباب في باب نواقض الوضوء. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.