الدرس في كتاب الطهارة 43، ألقاها
يتناول المقطع شرح حديثين نبويين يتعلقان بأحكام المستحاضة وطريقة الغسل للصلاة، ويبين ضعف سند الروايتين. كما يشرح حكم المستحاضة وطريقة صلاتها.
المقطع يتناول حكم المستحاضة وطريقة صلاتها، حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم حمنة بنت جحش أن تتحيض ستة أو سبعة أيام ثم تغتسل، وتجمع بين الصلاتين. كما يبين أن الاستحاضة عرق ينفجر في المرأة.
اختلف أهل العلم في حكم المستحاضة فيما إذا كان يجب عليها الغسل لكل صلاة أو الاكتفاء بغسل واحد عند انتهاء حيضتها، وكذلك في حكم الوضوء لكل صلاة. الراجح أنه لا يجب عليها الغسل لكل صلاة، ويستحب لها الوضوء لكل صلاة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتاب بلوغ المرام، في كتاب الطهارة، في باب الحيض، وفي حديث أسماء بنت عميس، عند أبي داود: «التجلس في مركا، فإذا رأت صفرة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلا واحدا، وتغتسل للفجر غسلا واحدا، وتوضأ فيما بين ذلك». هذا الحديث حديث أسماء بنت عميس رضي الله عنها، وهي امرأة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فلما قتله يوم مؤته تزوجها أبو بكر رضي الله عنه، ثم تزوجت بعده علي رضي الله تعالى عنه، وهي ممن هاجرت إلى أرض الحبشة. وهذا الحديث أخرجه أبو داود والدارقطني والبيهقي من طريق سهيل بن أبي صالح عن الزهري عن عروة عن أسماء. وسهيل بن أبي صالح متكلم فيه، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال الحافظ في التقريب: صدوق تغير حفظه بآخره، ورواه البخاري مقرونا وتعليقا. وقد خالف سهيل بقية الرواة عن الزهري في هذا الحديث، وهم - يعني كثر - أوثق منه، كسفيان بن عيينة والليث ومعمر والأوزاعي، فهؤلاء رووا الحديث ولم يجعلوه من مسند أسماء، وإنما جعلوه من حديث عائشة في قصة أم حبيبة، جعلوه في قصة أم حبيبة موافقة لرواية الصحيحين، وليس بقصة أسماء بنت عميس. وعلى هذا، فتكون هذه الرواية غير صحيحة. ثم كذلك أيضا قد تفرد سهيل بهذه الرواية في ذكر الغسل لكل صلاة، تفرد بذكر الغسل لكل صلاة. وهذا الحديث فيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام للمستحاضة أنها تجلس في مركا، والمركا هو الوعاء الذي يغسل فيه الثياب، تضع فيه ما قال. فإذا رأت صفرة - يعني لون الدم قد مال إلى الإصفرار - ليس الدم الأسود، قال: «فلتغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلا واحدا، وتغتسل للفجر غسلا واحدا، وتتوضأ فيما بين ذلك». وسيأتي - يعني - معنى الكلام على حكم الغسل لكل صلاة للمستحاضة. قال رحمه الله: وعن حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أستفتيه، فقال: «إنما هي ركضة من الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام، ثم اغتسلي، فإذا استنقاتي فصلي أربعة وعشرين أو ثلاثة وعشرين، وصوم وصلي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كل شهر كما تحيض النساء». فإن قويت على أن تؤخر الظهر وتعجل العصر، ثم تغتسلي حين تطهرين وتصلي الظهر والعصر جميعا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الصبح وتصلي. قال: وهو أعجب الأمرين إلي. رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي، وحسنه البخاري. هذا الحديث عند أبي داود والترمذي وابن ماجة وأحمد، كلهم رووه من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، وعبد الله بن محمد بن عقيل - يعني - مختلف في روايته، والصواب أنه ضعيف، بل هو شديد الضعف. قال فيه الإمام أحمد رحمه الله: منكر الحديث. وقال ابن عيينة: أربع من قريش يترك حديثهم، وذكر منهم ابن عقيل. وهكذا أيضا غيرهم من أهل الجرح والتعديل قد تكلموا فيه. قال الإمام أحمد رحمه الله في هذا الحديث: قال في النفس منه شيء. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث الرواة من عقيل وذكر هذا الحديث، قال: فوهنه ولم يقو إسناده. وضعفه الدارقطني وابن الجوزي. إذن الحديث الصواب أنه ضعيف. هذا الحديث فيه أن حمنة بنت جحش وهي أخت أم حبيبة بنت جحش، أخت زينب بنت جحش زوج النبي عليه الصلاة والسلام. وبنت جحش - كما ذكر الحافظ رحمه الله - كانت ممن استحيضت أن صحت حيضة كثيرة شديدة - يعني في الكمية وفي الكيفية - فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تستفتي في ذلك. فقال: «إنما هي ركضة من الشيطان». والمراد بأن هذا من تلبيس الشيطان عليها، أو أن يكون خروج هذا الدم بسبب الشيطان، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. والاستحاضة - كما قال أهل العلم - هو عبارة عن عرق ينفجر في المرأة. ثم أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتحيض ستة أيام أو سبعة أيام - يعني ردها النبي صلى الله عليه وسلم إلى عادة غالب النساء - فغالب النساء تحيض ستة أيام أو سبعة أيام، ثم تغتسل بعد ذلك بعد مرور هذه الأيام، وتكون في حكم الطاهرات، فتصلي أربعة وعشرين أو ثلاثة وعشرين، وتصوم. ثم أمرها أو حثها على أنها تجمع بين الصلاتين جمعا صوريا ليس حقيقيا، بأن تؤخر صلاة الظهر إلى آخر وقتها، وتقدم العصر في أول وقتها، وتغتسل لهما غسلا واحدا، وهكذا تؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلا واحدا، وتغتسل للصبح. فهذا الحديث فيه رد المستحاضة إلى عادة غالب النساء. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: عن عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة بنت جحش شكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الدم، فقال: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي». فكانت تغتسل لكل صلاة. رواه مسلم. قال: وفي رواية للبخاري: «وتوضأ لكل صلاة». وهي - لأبي داود وغيره - من وجه آخر، حديث عائشة. كما قال رحمه الله: رواه الإمام مسلم في صحيحه من طريق الليث عن ابن شهاب عن عروة وعن عائشة، ولفظه: «إنما ذلك عرق، فاغتسلي ثم صلي». فكانت تغتسل عند كل صلاة. قال الليث بن سعد: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أم حبيبة بنت جحش أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي - يعني من نفسها - كانت تغتسل لكل صلاة من نفسها، ولم يأمرها النبي عليه الصلاة والسلام أن تغتسل عند كل صلاة. وكذلك أيضا جاء الأمر بالاغتسال لكل صلاة عند أبي داود، وهو من طريق حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة. وحبيب بن أبي ثابت مدلس، وقد عنعن. وعروة - إن كان عن الزبير فهو لم يسمع منه فهو منقطع، وإن كان المزني فهو مجهول. فلم يصح مع الاختلاف في هذا الحديث في رفعه ووقفه. ورجح الإمام الدارقطني رحمه الله وقفه. إذن لم يصح حديث في أمر المستحاضة أن تغتسل لكل صلاة. ولهذا اختلف أهل العلم هل يجب على المستحاضة أن تغتسل لكل صلاة أو تجمع بين الصلاتين جمعا صوريا وتغتسل لهما غسلا واحدا. فجمهور أهل العلم أنه لا يجب عليها ذلك. جمهور أهل العلم أنه لا يجب على المستحاضة أن تغتسل لكل صلاة، وإنما يجب عليها غسلا واحدا إذا انتهت حيضتها، فإنها تغتسل غسلا واحدا فقط، ولا يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة، وذلك لعدم وجود دليل صحيح يدل على ذلك. وما ورد في أمرها بالغسل فإنه لا يثبت. والقول الثاني هو القول بأنه يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة، وروي هذا القول عن ابن عمر وابن الزبير وعطاء، وكذلك أيضا ابن عباس. واستدلوا بحديث أم حبيبة عند الإمام أحمد، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فلتغتسل لكل صلاة ولتصلي». وأصل الحديث صحيح، لكن هذه اللفظة شاذة لا تصح. إذن الصحيح أنه لا يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة، مع ما في هذا من المشقة - يعني تخيلها في أيام البرد والشتاء تغتسل لكل صلاة أو لكل صلاتين - لا شك أن فيه مشقة، ولم يأت الشرع بالأمر بذلك، ليس هناك دليل صحيح يدل على الأمر بذلك. فلا يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة. وأما رواية البخاري قال: «وتوضأ لكل صلاة». هذه الرواية رواها الإمام البخاري رحمه الله، ولم يذكرها مسلم في صحيحه، وأشار الإمام مسلم إلى تركها عمدا لما ذكر الحديث، قال: «وحديث آخر تركنا ذكره». قال الإمام البيهقي رحمه الله: تركها لأنها زيادة غير محفوظة، وقد ضعفها النسائي وابن عبد البر. هذه اللفظة - الأمر للمستحاضة بالوضوء لكل صلاة - يعني أمر أم حبيبة أن تتوضأ لكل صلاة، تفرد بها حماد بن زيد. حماد بن زيد ثقة، لكن خالف ستة عشر راويا من الثقات ممن هم مثل أو أوثق منه، لم يذكروا هذه اللفظة، منهم الإمام مالك رحمه الله، ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم، فلهذا حكم العلماء على هذه اللفظة بالشذوذ. وهنا اختلف أهل العلم هل يجب على المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة. فذهب الحنابلة وهكذا الحنفية إلى أنه يجب على المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة، وجعلوا خروج دم الاستحاضة منها ناقضا أو حدثا مستمرا، قالوا: فإذا دخل وقت الصلاة لازمها أن تتوضأ وتصلي بهذا الوضوء، مشات من فروض ونوافل، فإذا دخل وقت الصلاة الأخرى انتهى وضوؤها أو انتقض وضوؤها، ولزمها أن تتوضأ للصلاة الأخرى. واستدلوا بهذه الرواية. والقول الثاني: أنه لا يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة، ولكن يستحب، وهو قول المالكية، أنه يستحب لها الوضوء ولا يجب، وذلك لعدم وجود دليل صحيح يدل على الأمر للمستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة، لكن يستحب لها أن تجدد الوضوء لكل صلاة مستحب، وهكذا المستحاضة مع خروج دم الاستحاضة منها، فيتأكد في حقها أن تتوضأ لكل صلاة على جهة الاستحباب، وليس على جهة الوجوب واللزوم. وهذا القول هو الأصح، أنه يستحب للمستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة، وهذا على أن خروج دم الاستحاضة منها ليس ناقضا لوضوئها. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.