الدرس في كتاب الطهارة 11، ألقاها
يتناول حكم المني وبول الأطفال بناءً على أحاديث نبوية، حيث يختلف العلماء في طهارة المني بينما يفرقون بين بول الذكر والأنثى الرضع.
يشرح جواز الصلاة بالثوب المتأثر بالنجاسة بعد التطهير، ويتناول آراء الفقهاء حول طرق التطهير وأثر بقاء النجاسة اليسيرة.
ختم الكلام في باب إزالة النجاسة وبيانها، ثم اختتم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الحافظ بن حجر رحمه الله في كتابه بلوغ المرام، في كتاب الطهارة، في باب إزالة النجاسة وبيانها: أن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل»، متفق عليه. وللمسلم: «لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركا فيصلي فيه». وفي لفظ له: «لقد كنت أحكه يابسا بظفري من ثوبه». هذا الحديث تخبر عائشة رضي الله عنها، وهي عائشة ابنة أبي بكر الصديق، زوج النبي عليه الصلاة والسلام، وحب نسائه إليه، تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهي ابنة ست، وبنى عليها وهي ابنة تسع، وهي البكر الوحيد من نسائه عليه الصلاة والسلام. وكانت من علماء الصحابة رضي الله عنهم، وهي المبرأة التي برأها الله جل وعلا مما اتهمها به أهل الإفك من فوق سبع سماوات. وأخبرت رضي الله عنها بكثير من أمور النبي صلى الله عليه وسلم التي ربما لم يطلع عليها إلا من كان يعيش معه، واعتنى بذلك. ومنها ما ذكرت رحمه الله في هذا الحديث: أنها كانت تغسل المني من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم، وأحيانا تفركه - يعني تدلكه وتحكه - إذا كان يابسا، ثم يصلي فيه النبي صلى الله عليه وسلم. والمني ماء أبيض غليظ يخرج من الرجل بشهوة عند الجماع أو التفكير فيه، فيخرج بلذة وتدفق، ويعقبه فتور. فتخبر رضي الله عنها بأنها كانت تغسل المني من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم. والخارج من الإنسان كما قسم أهل العلم ذلك إلى ثلاثة أقسام: قسم هو نجس باتفاق، كالبول والغائط والمذي والودي. وقسم طاهر باتفاق، كالعرق والريق والبصاق والمخاط والدم الخارج من السبيلين. وقسم فيه خلاف، كالمني: هل هو نجس أو طاهر؟ فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن المني نجس، واستدلوا بما في هذا الحديث من غسلها رضي الله تعالى عنها المني من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: هذا يدل على أنه نجس. وأيضا كذلك استدلوا بأن المني يخرج من مخرج البول، والبول نجس، فيكون حكمه كحكم البول. وذهب أحمد والشافعي إلى أن المني طاهر، واستدلوا برواية هذا الحديث أنها كانت تفركه وتحكه يابسا، فيصلي فيه النبي عليه الصلاة والسلام - أي تكتفي بحكه وفركه - فيصلي في هذا الثوب. ولو كان نجسا لم تكتف بذلك، لو كان نجسا لم تكتف بحكه، لا بد من غسله. فلما اكتفت بذلك دل هذا على أنه طاهر. وهكذا أيضا قالوا: بأن المني هو أصل خلقة الإنسان، والله عز وجل كرم بني آدم ومنهم الأنبياء، فلا يمكن أن يكون أصل خلقتهم نجسة، فهذا يدل كذلك على أن المني طاهر. وأما رواية الغسل: أن كانت تغسله، هذا من باب النظافة، من باب النظافة كما يغسل الثوب من المخاط ومن البصاق، وهما طاهران باتفاق. فهذا والصحيح أن المني طاهر وليس بنجس. والمؤلف ذكر هذا الحديث في هذا الباب في باب النجاسات، يستدل به على نجاسة المني، لكن الصحيح أنه طاهر وليس بنجس. قال رحمه الله: وعن أبي السمح رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام»، أخرجه أبو داود والنسائي، وصححه الحاكم. والحديث صحيح، وقد صححه كذلك البخاري والدارقطني، ومن المتأخرين: علامة الألباني رحمه الله، وكذا شيخنا أيضا الوادعي رحمه الله. فأذكره في صحيح المسند مما ليس في الصحيحين. أبو السمح اسمه إياد، كان خادما للنبي عليه الصلاة والسلام. فروى عن النبي عليه الصلاة والسلام هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يغسل من بول الجارية» - الجارية أي البنت الصغيرة، يقال لها جارية - يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يغسل من بول الجارية»، يعني إذا بالت البنت الصغيرة التي هي في سن الرضاع، فإنه يغسل بولها. قال: «ويرش من بول الغلام» - والغلام يطلق على الذكر الصغير الذي لم يبلغ، والمراد به هنا من كان في سن الرضاع. وقد جاء في رواية الترمذي: «بول الغلام الرضيع ينضح». وجاء أيضا بمثل هذا الحكم في حديث مقيس بن صبرة في الصحيحين: لما جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بغلام صغير لم يأكل الطعام، فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم في حجري، فبال على ثوبي، فدعا بماء فأتبعه إياه. وجاء أيضا بمعنى من حديث عائشة رضي الله عنها كذلك بالصحيحين. فهذه الأحاديث فيها التفريق بين بول الجارية الأنثى الصغيرة، وبين بول الذكر الرضيع: بأنه يغسل من بول الجارية الرضيعة إذا بالت، فإنه يغسل بولها. وأما بول الذكر الرضيع إذا بال، فإنه يكتفى بالرش - يكتفى بالرش والنضح - يعني أن يبلل بالماء أو يغمر بالماء من غير أن يغسل. وهذا القول هو الصحيح، القول بالتفريق بين بول الجارية الرضيعة وبين بول الغلام الرضيع: أنه يغسل بول الجارية، ويرش وينضح بول الغلام الرضيع، كما في هذا الحديث والأحاديث التي ذكرت. ففرق النبي عليه الصلاة والسلام بينهما. وهذا أحد الأقوال في هذه المسألة، وهو القول الصحيح من أهل العلم. ذهب إلى أنه يغسل كلا من بول الغلام والجارية، قالوا: يغسل بول الجارية ويغسل بول الغلام، لا فرق. ومنهم من ذهب إلى أنه كلاهما ينضح - ينضح بول الجارية وينضح كذلك بول الغلام. والصحيح هو التفريق كما فرق النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث. ورجح وذكر بعض العلماء حكما وعللا في هذا التفريق، كما ذكر ابن قيم رحمه الله في كتابه الزاد، قال: من معاني أو حكم هذا التفريق: أن الغلام الذكر يكثر حمله، يكثر حمله، فيشق غسل بوله إذا بال. بخلاف الجارية، بخلاف الجارية. وأمر ثاني: أن الجارية إذا بالت فإن بولها يكون في موضع واحد، بخلاف الغلام الذكر فإنه إذا بال فإن بوله ربما ينتشر، فيكون في تتبعه وغسله شيء من المشقة، فخفف في تطهيره. والأمر الثالث: قالوا: إن في بول الغلام أو في الغلام عنده شيء من الحرارة التي تخفف من النجاسة أو فضلات ما يخرج منه، فيكون بوله أخف نجاسة، بخلاف الجارية. وعلى كل، علمنا هذه الحكم أو كان الحكم غيرها، فإن الحكم هو التفريق كما بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. وهذا إذا كان هذا الغلام الذكر رضيعا - يعني أكثر اعتماده على الرضاع - إذا كان أكثر اعتماده على الرضاع وشرب اللبن، وإذا كان يأكل شيئا يسيرا، إذا كان يأكل شيئا يسيرا مع الرضاع، هذا لا يضر في بقاء هذا الحكم. فالرضيع بعد ستة أشهر أو سبعة أشهر يبدأ يلقم شيئا من الطعام القليل، هذا لا يضر ولا يخرجه من كونه رضيعا. أما إذا أصبح الطعام هو أساس أكله، فهنا يكون حكم بوله كحكم الكبير، يكون حكم بوله كحكم بول الكبير. لكن هذا الحكم هو خاص بما إذا كان اعتماد الرضيع أو أكثر اعتماده على الرضاع، فيكون حكم بوله أنه ينضح. وهل معنى هذا أن بول الغلام الرضيع طاهر؟ الجواب: لا، هو نجس، لكن نجاسة مخففة، نجاسة مخففة، فلهذا تفي في تطهيره بالنضح. وأما البنت الصغيرة الرضيع، فإن بولها نجس كغيرها من الكبار، فيجب غسلها. قال رحمه الله: وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في دم الحيض يصيب الثوب: «تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه»، متفق عليه. هذا الحديث: حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، زوج الزبير بن العوام رضي الله عنها، وكانت من السابقين إلى الإسلام، وهي أم عبد الله بن الزبير، أول مولود ولد في المدينة بعد الهجرة، هو عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما. تخبر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في دم الحيض يصيب الثوب: «تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه». دم الحيض هو نوع من أنواع الدماء التي تخرج من المرأة، وهو دم طبيعة وجبلية خلقه الله عز وجل في بنات آدم، يخرج منها في كل شهر أياما معدودة. وإذا حملت في الغالب ينقطع هذا الدم وينتقل إلى الجنين، فيكون غذاء للجنين في بطن أمه. ودم الحيض دم نجس، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسله كما في هذا الحديث. وقوله: «تحته» - معنى تحته: أي تدلكه بأطراف أصابعها، تخرج القشرة اليابسة من هذا الحيض من الثوب - ثم تقرصه بالماء: يعني تدلكه بأصابعها بالماء - ثم تنضحه: يعني تغسله - ثم تصلي فيه. فبيّن النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث أن دم الحيض نجس، وهذا باتفاق أهل العلم. وهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسله وإزالته. وفيه كذلك أيضا: بيان كيفية تطهير الثوب من دم الحيض، وذلك بأن تحته أولا، ثم تقرصه بالماء، ثم تغسله بالماء. وهذا إذا كان الحيض يابسا، إذا كان الحيض يابسا. أما إذا كان رطبا، فإنها تغسله مباشرة. وكذلك أيضا فيه: جواز الصلاة بالثوب الذي أصابته النجاسة إذا طهر منها، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه». يعني: يجوز لها أن تصلي في الثوب الذي أصابه دم الحيض بعد أن تطهره. فلها أن تصلي فيه، وإن جعلت لها ثوبا خاصا في الصلاة - وهذا هو المعتاد في هذه الأزمنة أن تجعل المرأة لها ثوبا خاصا بالصلاة - فهذا لا شك أنه أفضل وأكمل. لكن من حيث الجواز: يجوز لها أن تصلي في الثوب الذي أصابه الحيض، لها ذلك، تطهره ثم تصلي فيه، ولا مانع من ذلك. وفيه كذلك أيضا دليل على مسألة استدل بها بعض أهل العلم - هم جمهور أهل العلم - وهو أن تطهير النجاسة لا يكون إلا بالماء، أن تطهير النجاسة لا يكون إلا بالماء. ولهذا أمر به النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: أمر أن تطهر دم الحيض الذي أصاب الثوب بالماء. وأما غيره من المائعات، فلأنها لا يجزئ في تطهير وإزالة النجاسة، هذا قول الجمهور. وذهب الإمام أبو حنيفة، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكذلك رجحه جماعة من علماء المعاصرين: إلى أنه يجزئ كذلك بتطهير النجاسة غير الماء، كالخل وماء الورد وغيرها. واستدلوا بأدلة منها حديث بسعيد الخدري رضي الله عنه في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر في نعليه، فإن وجد فيهما أذى أو قذرا فليمسحهما وليصلي فيهما». قال: هنا جعل النبي صلى الله عليه وسلم المسح - مسح النعل على التراب وعلى الأرض - مطهرا له، جعله مطهرا له. وهكذا أيضا: المرأة التي سألت النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: يا رسول الله، إني امرأة أطيل ذيل ثوبي، فأمر على المكان القذر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يطهره ما بعده». قال: «يطهره ما بعده» - يعني: تمريره على المكان الطاهر يطهره - تمريره على المكان الطاهر يطهره. قالوا: فهذا يدل على أنه يمكن تطهير النجاسة بغير الماء. وهذا القول هو الصواب، لكن ذكر الماء لأنه الأيسر والأسهل، الماء الأيسر والأسهل. وإلا في هذا الزمن الحديث توجد مطهرات كثيرة، ومنظفات تنظف الثياب وتزيل النجاسة بأحسن وجه في تطهيرها وتنظيفها. ولهذا كان هذا القول هو الصواب: أن تطهير الثوب من النجاسة يكون بالماء وبغيره. قالوا: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالت خولة: يا رسول الله، فإن لم يذهب الدم؟ قال: «يكفيك الماء ولا يضرك أثره»، أخرجه الترمذي، وسنده ضعيف. هذا الحديث: حديث أبي هريرة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يكفيك الماء ولا يضرك أثره». قال: أخرجه الترمذي، وسنده ضعيف؛ لأنه من رواية عبد الله بن لهيعة، وعبد الله بن لهيعة سيء الحفظ. وبعض أهل العلم صحح روايته إذا كان الراوي عنه أحد العباد له الثلاثة: عبد الله بن وهب، أو عبد الله بن المبارك، أو عبد الله بن يزيد المقرئ. والراوي عنه في هذا الحديث هو عبد الله بن وهب، لهذا بعض أهل العلم حسن هذا الحديث. وذهب جماعة من الحفاظ إلى تضعيف ابن لهيعة مطلقا، قبل اختلاط كتبه واحتراق كتبه، وقبل وبعد احتراقها، كالإمام أبي حاتم، وكذلك النسائي وابن معين. فهؤلاء ذهبوا إلى أنه ضعيف مطلقا. وفي هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: «فإن لم يذهب الدم» - يعني إذا غسلته وبقي أثر الدم - قال: «يكفيك الماء ولا يضرك أثره». وهذا بعد أن تغسله بالكيفية التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أسماء - بالكيفية التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أسماء - فإذا فعلت ذلك وغسلته وبقي أثرا يسيرا من لون هذا الدم، فإن هذا لا يضر، ويعفى عن اليسير من هذا اللون؛ لأن المشقة تجلب التيسير. ومعلوم أن النجاسة لها ثلاث صفات: رائحة، وطعم، ولون. رائحة وطعم ولون. أما الرائحة والطعم: فهذا لا بد من إزالته، ولا، يمكن أن يطهر الثوب أو المكان مع وجود رائحة أو طعم. أما اللون: فإن بقي شيء يسير منه بعد إزالة الرائحة والطعم، فإنه يعفى عنه؛ لأن المشقة تجلب التيسير. وفي هذه الأزمنة مع المنظفات الحديثة: لا تبقي شيئا من أثر النجاسة، حتى اللون يذهب ويزول، وبهذا لا إشكال. لكن إذا لم يكن هناك شيء من منظفات هذه، وغسلت الثوب واجتهدت في ذلك، وبقي أثر يسير من لون، فإنه يعفى عنه. هذا آخر ما ذكر رحمه الله في هذا الباب، في باب إزالة النجاسة وبيانها. إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.