الدرس في كتاب الطهارة 42، ألقاها
الحيض هو دم طبيعي يخرج من المرأة في أيام معلومة، بينما دم الاستحاضة هو جريان الدم في غير أيام الحيض. هناك فروق بينهما من حيث اللون والرائحة والسمك ومصدر الخروج.
المرأة المستحاضة التي يستمر بها الدم تُميّز بين دم الحيض ودم الاستحاضة وتعمل إما بالتمييز أو بالعادة. النبي عليه الصلاة والسلام أمر المستحاضة باستئناف الصلاة عند التمييز.
تُحدد المرأة وقت حيضها بناءً على عادة غالب النساء من أقاربها. إذا لم تكن لها عادة معتادة، فإنها تعمل بالتمييز إذا استطاعت ذلك. أهل العلم اختلفوا في حكم المستحاضة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه «بلوغ المرام» في كتاب الطهارة: «باب الحيض». والحيض في اللغة بمعنى السيلان، يقال: حاض الوادي إذا سال. وشرعًا هو دم طبيعة يخرج من المرأة عند بلوغها في أيام معلومة. وقد فطر الله عز وجل بنات آدم على ذلك. ولما حاضت عائشة رضي الله عنها في حجة الوداع فبكت، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «ما يبكيك؟» فذكرت له ما أصابها من الحيض، فقال: «إن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم». وقد خلق الله جل وعلا الحيض في المرأة لحكم عظيمة، وذلك أن المرأة إذا حملت فإن هذا الحيض وهذا الدم ينقلب غذاء للجنين، ولهذا تجد أن الحامل ما تحيض، قل أن تحيض حامل. بل إن بعض أهل العلم يرى أن الحامل إذا رأت الدم فإنه لا يعتبر دم حيض، وإنما يعتبر دم فساد. وإذا ولدت، انقلب دم الحيض لبنًا للمولود يرتضع منه. وهذا من عظيم حكمة الله سبحانه وتعالى. ولهذا إذا كانت المرأة لا تحيض -وهذا نادر- بعض النساء ربما لا يأتيها الحيض، فمثل هذه المرأة لا تحمل؛ التي لا تحيض فإنها لا تحمل. وهذا نوع من أنواع الدماء التي تصيب النساء. ودماء المرأة على ثلاثة أنواع: دم الحيض، ودم النفاس الذي يخرج بعد الولادة، ودم الاستحاضة، وهو جريان الدم في المرأة في غير أيام المعلومة، ويخرج من عرق يقال له العاذل، ويستمر بها الدم، يسمى دم استحاضة أو دم فساد. قال رحمه الله: وعن عائشة رضي الله عنها أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي». رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم، واستنكره أبو حاتم. فاطمة بنت أبي حبيش إحدى النساء في زمن نبي عليه الصلاة والسلام التي كانت ممن أصيبت بالاستحاضة ونزول الدم وجريانه، هي وأم حبيبة بنت جحش، وحمنة بنت جحش، كما سيأتي معنا في الأحاديث. وبعضهم جمع من أصيبوا بالاستحاضة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، كالحافظ، وعد عشرة من النساء. ففي هذا الحديث أن فاطمة أبي حبيش كانت تستحاض، يعني يستمر بها الدم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن دم الحيض دم أسود يعرف»، يعني تعرفه النساء، أو يعرف بمعنى له رائحة، له رائحة. فإذا كان ذلك -يعني كان الدم على هذا الوصف- فأمسكي عن الصلاة، يعني كوني في حكم الحائض، فاتركي الصلاة في هذه الأيام. فإذا كان الآخر -يعني الدم الآخر الذي هو دم الاستحاضة- ودم الاستحاضة دم أحمر وليس له رائحة كريهة، فإن من صفات دم الحيض أنه دم أسود وله رائحة كريهة، ودم الاستحاضة دم أحمر رقيق ليس له رائحة كريهة، ودم الحيض ثخين واضح. فإذا كان الآخر -يعني دم الاستحاضة الذي هو الأحمر الذي لا رائحة له وهو رقيق- فتوضئي وصلي، يعني كوني في حكم الطاهرات. هذا الحديث قال رحمه الله: رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم، واستنكره أبو حاتم. لماذا؟ لأن هذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي، وابن حبان والحاكم من طريق محمد بن أبي عدي من حفظه عن محمد بن عمر عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، ثم ذكرت حديث فاطمة بنت أبي حبيش. واختلف في سند هذا الحديث ومتنه، اختلف في سند هذا الحديث ومتنه. والاختلاف في السند أنه جعل مرة من مسند عائشة، ومرة من مسند فاطمة، وهذا من حيث السند. ومن حيث المتن، وهو أنه أرجع فاطمة أبي حبيش بهذا الحديث إلى التمييز إلى التمييز في الدم. والحديث في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام ردها إلى عادتها، ردها إلى عادتها. قال عليه الصلاة والسلام: «فإذا أقبلت حيضتك فاتركي الصلاة فيها، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي». وهذا أصح رواية في الصحيحين، أصح. والخطأ في هذا الحديث هو من جهة محمد بن عمر، وكذلك أيضًا من جهة أبي عدي. ولهذا أعل هذه الرواية الإمام أبو حاتم رحمه الله في «العلل»، والإمام النسائي رحمه الله. قال: روي هذا الحديث أو روى هذا الحديث غير واحد، لم يذكر أحد منهم ما ذكره ابن أبي عدي، فتفرد ابن أبي عدي بذلك بذكر هذا المتن. ورجع النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة أبي حبيش إلى التمييز. وهكذا أيضًا محمد بن عمر. والحديث كما قلنا في الصحيحين، وهو من طريق هشام عن عروة عن عائشة، وفيه ردها إلى العادة، فيه ردها إلى العادة. فإذا هذا الحديث لا يصح. وعلى هذا أولًا نعلم أن الفرق بين دم الحيض ودم النفاس -كما علمنا- أن دم الحيض أسود وله رائحة كريهة وثخين ويخرج من قعر الرحم، ودم الاستحاضة دم أحمر رقيق ليس له رائحة ويخرج من طرف الرحم. وزاد بعضهم أيضًا فارقًا آخر، وهو أن دم الحيض لا يتجمد، ودم الاستحاضة يتجمد. وهنا تأتي مسألة، وهو إذا استمر بالمرأة الدم. الآن المرأة إذا جاءها الحيض، الحيض له -يعني في الغالب- أيام محدودة، إما أن تحيض ستة أيام أو سبعة أيام. طيب إذا استمر بها الدم، إذا استمر بها الدم فلم ينقطع، هنا الآن تصير في حكم المستحاضة، تصير في حكم المستحاضة. طيب كيف تفعل في أيام عادتها التي هي أيام حيضها؟ كيف تفعل في أيام حيضها؟ هل تعمل بالعادة التي كانت تعتادها قبل استمرار الدم بها، أو أنها تعمل بالتمييز فتنظر إلى الدم وصفاته، فما كان فيه صفات دم الحيض جعلته حيضًا، وما كان فيه صفات دم الاستحاضة جعلته استحاضة؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم من قال: إنها تعمل بالتمييز، التمييز. فإذا ميزت الدم الحيض عن دم الاستحاضة، فإنها تعمل به. فالأيام التي ترى فيها الدم على صفات دم الحيض فتكون فيها حائضًا، تترك الصلاة والصيام. والأيام التي ترى فيها الدم على غير هذا الوصف فتكون في حكم الطاهرات، فتصلي وتصوم. طيب بماذا استدل من قال بهذا القول؟ استدلوا بهذا الحديث، استدلوا بهذا الحديث. النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت أبي حبيش: «إن دم الحيض دم أسود يعرف»، فردها إلى التمييز، ردها إلى التمييز. وهذا قول المالكية والشافعية في المشهور عنهم. والقول الثاني: أنها تعمل بالعادة، أنها تعمل بالعادة. فالعادة التي كانت تعتادها قبل استمرار الدم بها، فإنها تعمل بها. فلو أنها -مثلًا- كانت عادتها أن يأتيها الدم من أول كل شهر ستة أيام أو سبعة أيام، ثم أطبق عليها الدم فاستمر، قالوا: هنا ترجع إلى عادتها. فالأيام الستة من كل شهر تعتبر فيها حائضًا، تكون في حكم الحائض، تترك الصلاة والصيام. فإذا انقضت هذه الأيام صارت في حكم الطاهرات، صارت في حكم الطاهرات، فتصلي وتصوم. يعني تنتظر هذه الأيام الست أو السبع، اغتسلت وصارت في حكم الطاهرات. واستدلوا على من قال بهذا القول برواية الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «فإذا أقبلت حيضتك فاتركي الصلاة فيها، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي». قالوا: فالنبي صلى الله عليه وسلم ردها إلى عادتها، ولم يسألها هل تميز أو لا تميز، لم يسألها هل تميز أو لا تميز، ولم يستفصلها. والقاعدة: أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. وهذه الرواية كذلك أصح رواية في الصحيحين، أصح من هذه الرواية. فيكون هذا هو الأرجح: أنها تعمل بعادتها إذا أطبق عليها الدم واستمر بها الدم، فإنها تعمل بعادتها. وهذا هو مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وكذلك أيضًا قول الحنفية: أنها ترجع إلى العادة. فالأيام عادتها تكون في حكم الحائض، فإذا انتهت اغتسلت وصلت وصامت. فإن لم يكن لها عادة -إذا كانت المرأة ليس لها عادة- يعني قبل إطباق الدم واستمرار الدم، كان الحائض يأتي أحيانًا في أول الشهر وأحيانًا في وسط الشهر وأحيانًا في آخر الشهر، هذه ليس لها عادة. فإن كانت تميز فهنا تعمل بالتمييز. إن لم يكن لها عادة، فإنها تعمل بالتمييز. طيب فإن لم يكن لها عادة ولا تميز -إن لم يكن لها عادة ولا تميز- يعني ليس لها عادة معتادة في كل شهر، طيب لا تميز الدم من دم الحيض، دم الحيض من دم الاستحاضة، ثم أطبق عليها الدم واستمر. طيب هذا سيأتي معنا أنها تعمل على غالب عادة النساء، تعمل على عادة غالب النساء من أقاربها، كأمها وأخواتها ونحوهن، فتعمل مثلهن. فإذا كن مثلًا يأتيهن الحيض في أول كل شهر أو وسط كل شهر، فتكون حائضًا في مثل هذه الأيام. طيب نكتفي بهذا القدر إن شاء الله، إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.