الدرس في آثار وآداب الصيام 11، ألقاها
يتحدث عن أهمية الجود في شهر رمضان ومعناه وأعلى مراتبه، ويبرز جود الله عز وجل في هذا الشهر مستشهدًا بالأحاديث النبوية. يُظهر عطاء الله الواسع الذي لا ينقص ملكه.
يشرح جود الله تعالى ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم في رمضان، حيث يعطي الله الأجر العظيم ويفتح أبواب رحمته ويعتق رقابًا. كما كان النبي أجود الناس ويعطي بلا خوف من الفقر.
يُبين جود النبي وأصحابه في رمضان، حيث كانوا يتصفون بالكرم والإيثار. كما يشير إلى فضل معاون الآخرين، حيث يعين الله العبد ما دام يعين أخاه، ويمكن أن يكون ذلك عبر الشجاعة أو الشفاعة وغيرها.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى يتجدد بنا اللقاء في هذا الوقت ومع هذه السلسلة من دروس شهر رمضان أو آثار رمضان وآدابه. واليوم، إن شاء الله تعالى، نأخذ أثرًا من هذه الآثار العظيمة التي في هذا الشهر العظيم، فنأخذ في هذا اليوم أثر الجود. فشهر رمضان هو شهر الجود، وقد تقدم معنا في حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن في كل ليلة». وقال: «كان يدارسه القرآن في كل ليلة، فلرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الخير أجود من الريح المرسلة». فهذا الحديث أصل في هذا الباب، يبين لنا أن هذا الشهر هو شهر الجود. ومعنى الجود: من جاد يجود إذا أعطى شيئًا كثيرًا، فالجود هو الإعطاء بكثرة. وهو قيل أنه أفضل من السخاء، وهو بمعناه. لكن ذكر بعض العلماء فروقًا بينه وبين السخاء: أن السخاء هو الصفة التي تتفرع من الجود. وقيل: أن السخاء يكون بالسؤال، والجود بدون سؤال، يعطي بدون سؤال. وقد يطلق هذا على هذا، يطلق سخاء و جود، وكذلك كرم وإيثار. وهو أعلى مراتب الجود الإيثار، أعلى مراتب الجود، وهو إعطاء مع الحاجة، أو إعطاء الشيء مع حاجته له. وهو الذي ذكره الله عز وجل عن الأنصار: ﴿يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. فلهذا، فالجود هو الإعطاء الكثير، وغالبًا يطلق الجود على إعطاء المال. لكن هو أيضًا أعم من هذا، ليس هو إعطاء المال فقط، بل الجود يكون في العلم بإعطاء العلم ودراسته، كذلك يكون ببذل النفس في الجهاد في سبيل الله. وإن كان قد يسمى بأسماء أخرى، كما قلنا أحيانًا المسميات تتداخل. مثلًا بذل النفس في القتال يسمى شجاعة، وإذا كان لله عز وجل فهو جهاد في سبيل الله. وكذلك أيضًا الجود، مثلًا بالعفو، الجود بالعفو مثلًا على من اعتدى، فهذا عفو يعتبر جودًا كذلك. وغيرها من مجالات الجود التي فيها الإعطاء الكثير. فهذه مرتبة الجود. فهنا في هذا الشهر العظيم تجد أن هذه الصفة واضحة، والجود هنا في هذا الشهر يكون من عدة أوجه. أولًا نتكلم على جود الله عز وجل، وهو الجواد سبحانه وتعالى. جود الله عز وجل في هذا الشهر العظيم، فالله عز وجل جواد كما جاء في الحديث الصحيح. في حديث خالد بن جياس عن مهاجر بن مسمار عن عامر بن سعد عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن الله نظيف يحب النظافة، وجواد يحب الجود». فنظفوا أفنيتكم. إلا أن هذا الحديث فيه خالد بن جياس وهو ضعيف. لكن جاء أفضل منه عند ابن أبي شيبة، جاء من طريق سليمان بن سحي عن أبي حازم المدني رحمه الله عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن الله جواد يحب الجود، ويحب معالي الأمور، ويكره سفسافها». سفسافها معنى ردائلها، ردائل الأمور الله عز وجل يكرهها. فقال هنا: جواد يحب الجود. فالجواد اسم من أسماء الله عز وجل التي أثبتها له نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد ذكر كثير من العلماء أن هذا الاسم هو من أسماء الله عز وجل. وممن ذكر ذلك الإمام ابن خزيمة رحمه الله في كتابه التوحيد، وكذلك الإمام القيم رحمه الله في نونيته. وكذلك غيرهم من العلماء، ومنهم الشيخ العلامة محمد صالح العثيمين في كتاب القواعد المثلى، ذكر أن هذا من أسماء الله عز وجل. فجود الله عز وجل عظيم جدًا، جوده لا يوصف سبحانه وتعالى. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. فربنا جل وعلا عطاؤه عظيم، عطاؤه لا يقدر بقدر سبحانه وتعالى. جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعليه وسلم قال: «قال الله عز وجل: ابن آدم أنفق أنفق عليك». وقال صلى الله عليه وعليه وسلم: «يمين الله ملأى لا يغيضها سحاء الليل والنهار». انظروا إلى عطاء الله عز وجل. وقال: «أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض لم يغض ما في يمينه». أي لم ينقص ما في يمينه من العطاء جل وعلا. فقال صلى الله عليه وعليه وسلم: «يمين الله ملأى بالخير والعطاء منه جل وعلا، يمين الله ملأى ينفق سحاء الليل والنهار». إنفاقه عظيم وعطاؤه عظيم سبحانه وتعالى. أرأيتم؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض لم يغض ما في يمينه». لم ينقص ما في يمينه جل وعلا سبحانه وتعالى. والتكرم جلاله، فهذا العطاء العظيم الذي أعطاه الله عز وجل لخلقه عطاء جزيل جدًا، فهو الجواد سبحانه وتعالى. فلم يغض ما في يمينه، وبيده الأخرى القسط يخفضه ويرفعه. هكذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وجاء كذلك في صحيح مسلم في حديث أبي ذر رضي الله عنه في قول الله جل وعلا: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم. يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم». ثم قال: «قال الله عز وجل: يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد وسأل كل واحد مسألته فأعطيته، فما ينقص ذلك من ملكي شيئًا إلا كما ينقص البحر إذا أدخل فيه الإصبع». أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أنا إذا أدخلت إصبعي في اليم أو في البحر فخرجتها، فانظروا بما تخرج؟ قال: تخرج قطرة من هذا البحر العظيم». فأعطاه الله عز وجل واسع، فمهما أعطى ربنا، لم ينقص شيء مما أعطاه جل وعلا. ومما عنده سبحانه وتعالى، فملكه واسع جل وعلا. فلهذا مهما أعطى جل وعلا، حتى لو أن الناس لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد وسألوا كل واحد فأعطيتم مسألة كلهم سألوا شيئًا وعطاهم الله عز وجل، ما يقص من ملكه إلا كما يدخل أحدكم أصبعه في البحر. كما يدخل أحدكم أصبعه في البحر فلينظر بما يرجع. وعطاء الله عز وجل واسع سبحانه وتعالى، وجوده على خلقه جل وعلا كثير. وليس هذا الباب بابه، لأن هذا باب واسع، والحديث والآيات في ذلك كثير. لكن أردنا أن نبين جود الله عز وجل في هذا الشهر العظيم. فجوده سبحانه وتعالى في هذا الشهر متمثل في أشياء كثيرة. أولًا في مضاعفة الحسنات، كذلك تكفله سبحانه وتعالى بأجر الصائم، كذلك أيضًا فتحه سبحانه وتعالى أبواب رحماته وجناته. فهذا أيضًا من عطاء الله عز وجل، وجوده سبحانه وتعالى لخلقه. أنه يعطي عباده هذا الأجر العظيم، ويفتح لهم أبواب رحمته حتى يسألوه جل وعلا، وكذلك يتوب إليه ويرجع إليه. كل هذا من عطاء الله عز وجل. كذلك أيضًا الله عز وجل بعدما ذكر آيات الصيام قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. هذه الآية قال العلماء: أن الله عز وجل ما ذكره هنا إلا لأجل أن الصائم له دعوة، ودعوته مستجابة كما جاءت في الأحاديث الأخرى التي قد ذكرناها من قبل. في أن الصائم له دعوة مستجابة. وكذلك أيضًا من عطاء سبحانه وتعالى في هذا الشهر: أنه يعتق له عتقاء في هذا الشهر. وما جاء في حديث أبي هريرة: «وإن لله عز وجل عتقاء في هذا الشهر في كل ليلة». يعتق الله عز وجل رقابًا في كل ليلة. وهذا من عطائه العظيم سبحانه وتعالى، وجوده وكرمه على عباده. وأشياء كثيرة من هذا الباب أيضًا. كذلك من إعطاء الأجر لمن فطر الصائم، كما في حديث زيد بن ثابت وغيرها من عطاء الله عز وجل في هذا الشهر العظيم. كذلك أيضًا ننتقل إلى جود النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الشهر، وهو من جود الله سبحانه وتعالى، وفرع عن جود الله جل وعلا. فجود الله عز وجل عظيم، ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم قد تخلق بخلق القرآن، فهو قرآن يمشي على الأرض، يطبق ما جاء عن الله عز وجل وما بينه الله عز وجل في كتابه. فلهذا كان نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أجود ما يكون في رمضان، وخاصة حين يلقاه جبريل ومعنى أنه إذا تدارس القرآن. أخذ القرآن يزيد حظاؤه وجوده صلى الله عليه وآله وسلم. وهنا قال ابن عباس في الحديث: «فلرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجود في الخير من الريح المرسلة». وما هو تشبيه الريح المرسلة بجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الخير؟ قال العلماء: لأن الريح المرسلة هي الريح التي تأتي بالمطر، بالغيث الذي ينفع البلاد والعباد. فهذا الغيث الذي تأتي به هذه الريح وهي الريح المرسلة من عند الله عز وجل، تأتي بهذا المطر وهذا الغيث في الأرض الميتة فتحييها، وكذلك الأرض الحية كذلك. خير النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعطاؤه لا يفتقر إلى الفقراء والمحتاجين، بل عطاؤه أشمل من هذا. بل عطاؤه صلى الله عليه وآله وسلم أشمل من هذا. وهذا معنى حديث ابن عباس في هذا الباب. وكما تعلمون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أجود الناس. جاء في الصحيحين في حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كان أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس». قال: «وإنه قد حصل فزعًا بالمدينة، فقرج الناس، فرأوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقبلًا، سمعوا صوتًا ما يدرون ما هو، فلما قرج الناس إلى هذا الصوت وجدوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم راجعًا من ذلك المكان، وكان يقول صلى الله عليه وسلم: لم تراعوا». فهذا يدل على شجاعته صلى الله عليه وسلم، وهو أجود الناس كذلك صلى الله عليه وسلم. بل كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. خرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، أعطاه غنمًا بين جبلين. فذهب إلى قومه وقال: «يا قوم إن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر». وكذلك عند مسلم حديث صفوان بن أمي قال: أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني، وكان من أكره الناس إليك، ثم أعطاني حتى صار أحب الناس إليك. صفوان بن أمي تعلمون من دهات العرب ومن قريش. وكان من مسلمة الفتح، لم يسلم إلا بعد الفتح، وكان يعطيه النبي صلى الله عليه وسلم الأدرع، استعان بأدرعه في حنين، وقد كان كافرًا ثم أسلم بعد ذلك. وقد أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم كما قال الزهري: أعطاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد حنين مئة من الإبل، ثم مئة، ثم مئة. أعطاه كذلك لأجل أن يقيمه، وكان كما قلنا رجلًا داهية ورجلًا مجربًا في هذه الأمور، وعنده خبرة في الحياة. فلهذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتلطف به حتى أسلم رضي الله عنه، وحسن إسلامه. فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم عطاؤه واضحًا. جاء في الصحيحين من طريق الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن نبيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما كان مرجعه من حنين جاءه الأعراب يسألونه حتى ألجأوه إلى عضاه، حتى أخذ أو تعلق رداؤه في العضاه. عضاه معناه الشجرة ذات الشوك. فقال لهم نبي صلى الله عليه وسلم: «والله لو أن عندي عدد هذه العضاه لأعطيتكم إياه». وجاء في رواية أنه قال: «والله لو أن عندي شيء ما إلا أعطيتكم إياه، ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذوبًا ولا جبانًا». فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فطره الله وجبله الله عز وجل على الجود. وكان لما بعث كان أيضًا من أجود الناس صلوات الله وسلامه عليه. ومن جوده ما يبين في حديث بعثته، حديث عائشة لما بعث الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وجاءه الملك في الغار، خاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذهب إلى خديجة وقال: «زملوني، زملوني». أو «أقصر خديجة ذهب إلى خديجة وقال: زملوني، زملوني». فقالت خديجة رضي الله عنها: «كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق». أن هذه الأمور كلها من الجود الذي كان عليه صلى الله عليه وآله وسلم قبل البعثة. فقد فطر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك الجود العظيم. ومعلوم أن الجود كان عند العرب، والكرم كان عند العرب. وكان أكرم الناس إمام الموحدين إبراهيم عليه الصلاة والسلام. لما جاءه الملكان ذبح كبشًا سمينًا، فجاء بعجل سمين فقربه إليه على أنه ذبح شيئًا إكرامًا لهذين الضيفين، وهو ما كان يعرف أنهم ملائكة حتى امتنعوا عن الأكل. فكان الكرم والجود معروفًا عند العرب، معروفًا عند العرب. ولهذا لما جاء الإسلام كان الجود أعظم. كما كان الناس في الإسلام، وخاصة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك أصحابه رضي الله عنهم. فهذا أبو بكر لما حث النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الصدقة جاء أبو بكر بماله كله. وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر ما تركت لأهلك؟» قال: «تركت لهم الله ورسوله». وجاء عمر بنصف ماله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عمر ما تركت لأهلك؟» قال: «تركت لهم النصر». فانظر إلى هذا الجود العظيم الذي لا تستطيعه النفس، يعني يأخذ كل ما عنده ويتصدق به لغيره. هذا ما وجد إلا في ذلك الصدر العظيم. الأنصار رضي الله عنهم ضربوا قدوة عظيمة في هذا الباب. من الإيثار العظيم الذي أعطوه للمهاجرين. كان المهاجرون أهل قريش والعرب كانوا من أكرم الناس وأجودهم. فلما جاءوا إلى الأنصار إلى المدينة صار جود الأنصار أعظم. كان جود الأنصار عظيمًا حتى أنهم أرادوا أن يعطوا المهاجرين مزارعهم لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم منعهم. فعلى أرادوا أن يعطوا المهاجرين مزارعهم حتى يعملوا فيها. فمنعهم النبي صلى الله عليه وسلم، وجعلهم أنهم يقاسمونهم العمل. معنى يكون شراكة، يعملون معهم في مزارعهم ويعطونهم الربح. معنى يعطونهم قسمًا في الربح. فكانوا هكذا يعملون في مزارعهم ويعطونهم. لكن جادوا بمالهم بأموالهم، ويعطونها المهاجرين. وكذلك ببيوتهم. ولهذا الله عز وجل لما ذكره قال جل وعلا سبحانه: ﴿وَالْفُقَرَاءُ الْمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ۞ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وكان عبادة بن الصامت يأخذ من أهل الصفة يأخذ ثمانين رجلًا من أهل الصفة يعشيهم عنده. كذلك كان الناس يجودون في رمضان. كان ابن عمر رضي الله عنه لا يخرج إلا ومعه مساكين يخرج معهم. فإذا منع من أهله لم يتعش. معنى إذا كان مع أهله يحرم يقول: كيف الآن كل يوم أنت مع المساكين؟ معنى تعطيهم أو تتعش معهم ولا تتعش معنا. فكان إذا منعه أهله لم يتعش. يعني كان ما يريد إلا أن يفطر الناس ويفطر معهم رضي الله عنه. كذلك كان السلف رحمهم الله، كانوا أيضًا يفطرون. حمد بن عبد السلام يفطر خمسين رجلًا معه. وهكذا كثير من عطاء هؤلاء القوم. وكان أجود الناس كما قلنا هم قريش والأنصار. وهذا الجود صار حتى في الإسلام. ولهذا حصل من باب الطرفة حصل نقاش بين بعض الناس في من هو أجود الناس في المدينة؟ فمنهم من قال: أن أجود الناس قيس بن سعد بن عبادة. ومنهم من قال: أنه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. ومنهم من قال: أنه عرابة الأوسي، وهو أيضًا من الأنصار عرابة الأوسي. فقال لهم رجل: اختبروهم، شوفوا كل واحد يذهب إلى صاحبه الذي يقول أنه أجود الناس وأعطوهم وسلوهم. فذهب الذي يقول: أنه قيس أو أن عبد الله بن جعفر فذهب إلى عبد الله بن جعفر. وقد كان تركب رحلته وأراد أن يذهب، فجاءه وسأله قال: عابر سبيل. فقال: ما دام أنت عابر سبيل فخذ هذه الراحلة بما فيها. قال: فكان فيها أربعة آلاف دينار. أي من الذهب وفيها كذا وكذا من الأشياء. قال: فأعطاه الراحلة وأعطاه ما فيها. وذهب صاحب قيس بن سعد بن عبادة إلى قيس فخرجت له جارية وقالت: ما تريد؟ قال: أريد قيسًا، أنا عابر سبيل وكذا. فقال: سؤالك هو نائم، وسؤالك هذا لا يحتاج لأن نوقظه. خذ هذا الكيس. وليس موجودًا إلا هذا الكيس في بيتنا معنا. الجارية تقول له: خذ هذا الكيس وفيه خمسة آلاف دينار. فأخذ هذا الرجل. فلما قام قيس بن سعد فأخبرته بما فعلت، فاحتقها رضي الله عنه. وكان من الصحابة أيضًا قيس بن سعد بن عبادة. كذلك أيضًا عبد الله بن جعفر أيضًا من الصحابة. وأما عرابة الأوسي فهو معناه أيضًا قد فاق الناس في ذلك الأمر. حتى أنه جاءه صاحبه وهو ذاهب إلى صلاة العشاء بين عبدين يحملان. فقال: فسأله رجل عابر سبيل. فقال: ما عندي إلا هذين العبدين فخذهما. قال: كيف آخذ هؤلاء أعوانك؟ فقال: خذهما وإلا فهما حران. فعلًا إما تأخذهما وإما سأعتقهما. قال: فأخذهما. فقال: أن هذه القصة تبين أن عرابة الأوسي هو أجود من غيره، لأنه أعطى بما كان محتاجًا له، وهو الإيثار. وهو الإيثار، والإيثار كما قلنا هو أعلى درجة في الجود. الإيثار هو أعلى درجة في الجود، وهو أن يعطي ما يحتاجه لغيره. كما فعل الأنصار رضي الله عنهم. وهذا الباب كثير، وأيضًا ما حصل في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جود الصحابة أيضًا كثير. لكن هذا من باب فقط الذكرى، أو من باب فقط الاعتبار. وخاصة كما ذكرنا يهمنا ما يكون في هذا الشهر العظيم. فالإنسان ينبغي عليه أنه ينشرح صدره للجود في هذا الشهر، يعطي بما جادت به نفسه. إن كان عنده مال أعطى، وإن كان عنده يعين لإخوانه أعان إخوانه. فالله عز وجل في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. إن كان مثلًا عنده شجاعة له أن يبذل نفسه في أماكن الشجاعة. وكذلك إن كان عنده مثلًا كلمة وجاه أيضًا يشفع لإخوانه. فإن هذا أيضًا من الجود، يشفع ويعين ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء. فنسأل الله عز وجل التوفيق والسداد. ولعله والحمد لله رب العالمين.