الدرس في آثار وآداب الصيام 1، ألقاها
يُشدد على أهمية قراءة القرآن في شهر رمضان، حيث كان السلف يهتمون بقراءة القرآن في هذا الشهر بشكل خاص. يُستدل بحديث ابن عباس عن مدارسة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان.
يُوضح أن صيام رمضان هو الصيام الواجب في شهر معين، بينما يمكن أن يكون الصيام في غير رمضان بنذر أو كفارة. يُذكر أهمية تصحيح قراءة القرآن عند من هو أهل لذلك.
شهر رمضان له خصائص عظيمة مثل صيام ثلاثة أيام مختارة، مغفرة ورحمة وعتق من النار، وفتح أبواب الجنة وغلق أبواب النار وتصفيد الشياطين. كما أن العمرة فيه تعدل حجة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
يختتم الشيخ درسه بالدعاء أن يوفقهم الله لصيام شهر رمضان وقيامه، ويحمد الله على ما أنعم به عليهم. يُظهر أهمية الدعاء في ختام الدرس.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله، في هذا الوقت، نتذاكر بعض ما ينفعنا في هذا الشهر العظيم. وقد سمعنا في الخطبة خيرًا كثيرًا عن ما ينبغي أن يكون العبد الصائم في هذا الشهر، وفي نهار هذا الشهر، وفي ليله. وتعلمون أن هذا الشهر شهر عظيم، خصه الله عز وجل بخصائص، وميزه الله عز وجل بميزات. فمن أعظم هذه الخصائص التي خصه الله عز وجل بها أن أنزل الله عز وجل فيه القرآن، فهو شهر القرآن، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. فمن شهد منكم الشهر فليصمه. هذا الشهر هو الذي أنزل فيه القرآن، أنزله رب العزة سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا، إلى بيت العزة، كما ذكر ابن عباس رضي الله عنه. ثم نزل بحسب الحوادث في ثلاث وعشرين سنة، إلى أن مات رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا القرآن أنزله الله عز وجل في هذا الشهر، وبمناسبة ذلك، كان له أهمية عظيمة في هذا الشهر. يقبل الناس ويقبل الصائمون على القرآن، على اقتلاءته. وكان سلف الأمة يهتمون بالقرآن أيما اهتمام، خاصة في شهر رمضان. وليس أنهم يهملون القرآن في غيره، بل أنهم يهتمون به، لكن أكثر اهتمامهم كان في رمضان. وهذا أخذ من مدارسة جبريل عليه السلام لنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم للقرآن في رمضان. فإنه كما جاء في الصحيحين، في حديث ابن عباس، أن جبريل يدارس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم القرآن كل ليلة. ولما كانت السنة التي توفي فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، دارسه القرآن مرتين. في كل سنة، في شهر رمضان، يدارسه القرآن مرة واحدة. والمراد بالمدارسة: الأخذ والمراجعة والقراءة. فكان جبريل يدارس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم القرآن، وكان في آخر حياته، أي في العام الذي توفي فيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، دارسه جبريل القرآن مرتين. فلهذا انتزع العلماء من هذا الأمر أهمية قراءة القرآن ومدارسته في هذا الشهر العظيم. ولهذا حث العلماء على قراءة القرآن، خاصة في صلاة الليل. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إجماع العلماء على استحباب قراءة القرآن كله في رمضان. استحباب قراءة القرآن كله في رمضان، بإجماع العلماء، معناه: ولو مرة واحدة يقرأ القرآن في رمضان. ولكن تجد أن السلف رحمه الله، كان أحدهم يقرأ في يوم وليلة، أحدهم يقرأ في يوم القرآن كله، يجتهدون في قراءة القرآن أيما اجتهاد. وأما حديث «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث»، كما جاء في الصحيحين، في حديث عبد الله بن عمر، فإنما ذلك لمن داوم على هذا، أنا دائمًا يقرأ القرآن في كل ليلة. وأما من فعله أحيانًا، وخاصة في المواسم، فهو جائز. ولهذا ذهب جماعة من أهل العلم، ومنهم الإمام الشافعي رحمه الله، على استحباب الإكثار من القراءة، ولو كانت بسرعة، يقرأ لكن يتفهم، أو أن يكون النطق صحيحًا، نطق القرآن يكون صحيحًا، ليس هذرًا، والقراءة غير صحيحة، أو يأخذ من الحروف ولا يكمل الكلمات، فهذا خطأ، ولا يجوز أن يقرأ الإنسان هكذا، وهو يستطيع أن يقرأ قراءة صحيحة. لكن إن كان مثلًا عنده ضعف في القراءة، وحصل مثل هذا في قراءته، فلا شيء عليه. فقد جاء في الصحيحين، في حديث عائشة، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الماهر بالقرآن مع الكرام السفرة البررة، والذي يتعتع فيه له أجران». والذي يتعتع في القرآن، على قراءته ضعيفة، له أجران: على أجر القراءة، وأجر الاجتهاد على القراءة؛ لأنه يقرأ مع أنه ضعيف في القراءة، لكنه يقرأ حتى يتعلم القراءة. وإن كان له الأفضل أن لا يقرأ وحده، يقرأ مع من يستمع له حتى يصحح خطأه؛ فإنه إذا دام على قراءته وحده، قد يأتي عليه الزمان وهو لا يستطيع أن يقرأ قراءة صحيحة. ولهذا تجد بعض الناس له مثلًا جامعية أو كذا، لكن إذا جئت إلى قراءة القرآن، يكسر في قراءة القرآن. وهذا بسبب أنه اعتمد على نفسه في القراءة. والواجب أن هذا القرآن يقرأ عند من يستطيع أن يصحح له القراءة. فهذا نبي الله صلى الله عليه وسلم، وهو رسول الله، فهو يدارس جبريل، أو يدارسه جبريل للقرآن، أي يقرأ عند جبريل، يصحح قراءته عند جبريل، أي يعطيه القراءة الصحيحة. فهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن باب أولى نحن أن نصحح قراءتنا، ونقرأ عند من يصحح هذه القراءة. فلهذا فالمتعتع الذي يقرأ له أجران. فلهذا إن قرأ بسرعة، معنى سرعة، فله أيضًا أجر، كما ذكر بعض أهل العلم. وبعضهم يقولون: لا، لابد من التدبر، وإن كان مثلًا يقرأ بسرعة، لابد أن يكون عن تدبر وفهم، وإن كانت القراءة سريعة. وهذا أولى وأفضل. لأن من غاية القرآن، ومن إنزاله، هو تدبر آياته، كما ذكر ربنا جل وعلا. فهذه خاصية من هذه الخصائص العظيمة التي جعلها الله عز وجل في هذا الشهر. كذلك أيضًا من خصوصيات هذا الشهر أن الله عز وجل أوجب فيه الصيام. فليس هناك شهر أو يوم أو سنة أو غير ذلك، يوجب فيها الصيام، إلا شهر رمضان. ليس هناك زمان بعينه أوجب الله عز وجل فيه الصيام، إلا شهر رمضان، إلا ما كان من وجوب من أن يوجب الإنسان على نفسه الصيام بنذر. فمعلوم أن الصيام الواجب ثلاثة أشياء: صيام رمضان، وصيام النذر الذي أوجبه الإنسان على نفسه، والصيام الكفارات. فإذا أوجب الصيام، مثلًا كفارة القتل، فيها صيام شهرين متتابعين، فيصوم هذا الصيام، ليس معينًا شهر معين. والمهم أنه يصوم شهرين متتابعين، سواء كانت في شوال أو في شعبان أو رجب أو غيرها من الأشهر. ولا يكون في رمضان؛ لأن رمضان واجب بذاته، وإنما يصوم في غير رمضان. فلهذا كما قلنا لم يوجب الله عز وجل صيام شهر بعينه، إلا صيام شهر رمضان. وكان يقال أيضًا، قال بعض أهل العلم: أن الله عز وجل أوجب «عشورة» قبل أن يجب رمضان. كما جاء في الصحيحين، في حديث عبد الله بن عمر وعائشة رضي الله عنهما، أنهما قالا: «كان عشورًا يصومه الناس، فلما فرض رمضان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: من شاء صامه ومن شاء أفطر». فهذا يدلنا على أنه بعد رمضان، لم يوجب الله عز وجل هذا الشهر العظيم. فلهذا صارت من خصوصيات هذا الشهر أنه يجب على المسلم أن يصومه. وليس هناك شهر بعينه أوجبه، إلا هذا الشهر، ولا يومًا بعينه، ولا زمانًا بعينه، إلا هذا الشهر، أوجبه الله عز وجل، إلا كما قلنا إذا أوجب الإنسان على نفسه بنذر، مثلًا يقول شخص: «علي نذر أن أصوم شهر شعبان»، فهذا نذر أوجب على نفسه، لم يوجبه الشرع عليه. وأما الكفارات، فهي باختياره، الكفارة باختيار هذا المكفر، فإنه إن شاء صام شعبان، وإن شاء صام رجب وشعبان مثلًا في كفارة القتل، أو كذلك في كفارة اليمين، إذا لم يجد الثلاثة الأولى التي هي اختيار، ثم يلجأ إلى الصوم بعد ذلك. فالصوم ترتيب، وأما الثلاثة الأولى فهي اختيار، وهي عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم. هذه الثلاثة اختيار، ثم قال الله عز وجل: «فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام». فالثلاثة الأيام هذه، إذا لم يجد الثلاثة الأولى، يصوم الثلاثة الأيام؛ لأن كثيرًا من الناس يعتقد أن كفارة اليمين هي صوم، يعني يرجع يلجأ إلى الصوم بسرعة. لا، الصوم يكون بعد الثلاثة هذه الأشياء، بعد العتق والإطعام والكسوة، إذا لم يجد شيء من هذه الثلاثة، ما عنده قيمة إطعام أو قيمة كسوة، فهنا يرجع إلى أن يصوم ثلاثة أيام. وهذه الثلاثة أيام هو التي يعينها باختيار، إن أراد أن يصومها في أول الشهر أو في آخر الشهر أو في وسطه، فله ذلك. فهذا أيضًا كما قلنا يعتبر من خصائص هذا الشهر العظيم، أنه أوجب الله عز وجل فيه الصيام. كذلك أيضًا من مختصات الله عز وجل بهذا الشهر، أن جعل فيه المغفرة والرحمة والعتق، وكثير من الأمور العظيمة التي اجتمعت في هذا الشهر العظيم، وكلها مكفرات للذنوب. فقد جاء في الصحيح، في حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين». وجاء في رواية مالك: «فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب النار، وسلسلت الشياطين». فهذا الحديث فيه أن هذا الشهر هو شهر الرحمة، شهر الرحمة، فيه رحمات، تفتح فيه أبواب الرحمات، وتغلق فيه أبواب النيران، وتصفد الشياطين. وهذا أيضًا من الخصائص العظيمة التي اختص بها هذا الشهر، مردة الجن والشياطين الذين يغوون الناس، وأيضًا يفسدون كثيرًا في الناس، هؤلاء يصفدون، يوجد من يغوي من الشياطين، لكن ليس هم المردة الذين هم يسعون في الفساد، فيفسدون الناس أكثر، فيصفدهم الله عز وجل، وسلسلهم في هذا الشهر العظيم. كذلك المغفرة أيضًا في هذا الشهر، مغفرة عظيمة. فقد جاء في الصحيحين، في حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه». فهذا أيضًا يدلنا على أن هذا الشهر شهر مغفرة، يغفر الله عز وجل فيه الذنوب. كذلك أيضًا أنه شهر عتق، كما جاء في صحيح مسلم، أن الله عز وجل يعتق في هذا الشهر، في كل ليلة منه، عتقاء من النار. يعتق الله عز وجل في كل ليلة، في هذا الشهر، عتقاء من النار. فلهذا فهو الشهر الذي اجتمعت فيه هذه الثلاثة الأشياء، وما كان يشبهها: مغفرة ورحمة وعتق. وكذلك من هذه الخصائص أيضًا التي اختصت بها هذا الشهر، أن العمرة فيه، كحجة، على الروايات التي جاءت في رواية: كحجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما جاء في الصحيحين، في حديث عبد الله بن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العمرة في رمضان كحجة معي». فهذا يدلنا أيضًا على أن هذه خصيصة في رمضان، فالعمرة هذه التي اختصها الإنسان في رمضان، فهي كحجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس حجة فقط، بل مع رسول الله صلوات الله وسلام عليه. وأجر من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أجرهم عظيم، الصحابة رضي الله عنهم، مقامهم وشرفهم عند الله عز وجل عظيم، وأعمالهم الصغير منها عند الله عز وجل عظيم، حتى لو جاء أحدنا بمثل جبل أحد، ما بلغ مدة أحدهم ولا نصفه. فكذلك الذي يعتمر في رمضان، فكأنه اعتمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا يدل على زيادة شرف وعظم في الأجر لمن اعتمر في ذلك الشهر العظيم. فهذه بعض الخصائص التي جعلها الله عز وجل في هذا الشهر. وهناك أيضًا خصائص أخرى، من الدعاء، كما سمعتم في الخطبة، أيضًا الدعاء في هذا الشهر. وقد ذكر العلماء أن مناسبة قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، ذكرها ربنا جل وعلا، ذكر هذه الآية بعد الآيات الصيام، وبعد وجوب صيام رمضان. مما يدل على أن الإنسان يحرص في هذا الشهر العظيم على الدعاء لله جل وعلا. وقد سمعتم أيضًا أن الصائم له دعوة مستجابة، له دعوة مستجابة عند الله جل وعلا. فهي من هذا الباب، فهو في رمضان، دعاء الشخص له أجر، وكذلك له قبول. وكذلك أيضًا إذا كان صائمًا، أيضًا كذلك لدعائه قبول عند الله جل وعلا، أو من الأوقات التي يستجاب فيها الدعاء. فهذه بعض الخصائص التي تذكر في هذا المقام. وإن شاء الله وتعالى نكتفي بهذا، ونسأل الله عز وجل أن يوفقنا لصيام هذا الشهر وقيامه، وبما أوجبه الله عز وجل علينا، والحمد لله رب العالمين.