تحذير الأمة من داء الغفلة 1

تحذير الأمة من داء الغفلة 1

الدرس في تحذير الأمة من داء الغفلة 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية العناية بالقلب وإصلاحه

يؤكد الخطيب على أهمية العناية بالقلوب وإصلاحها لأنها تمرض مثل الأبدان، ويشير إلى أن مرض القلب يعود إلى الشبهات والشهوات وخطورة الفتن.

مرض القلب والغفلة وآثارهما

يؤكد الخطيب على أهمية القلب في صلاح الإنسان ويحذر من مرض الغفلة الذي يصيب القلب ويؤثر على سائر الجسد، ويوضح أن الغفلة والذنب سببان لمرض القلب.

خطورة الغفلة وعلاجها

يشرح الخطيب خطورة الغفلة وانتشارها بين الناس حتى بين الصالحين، ويؤكد على أهمية معرفة هذا المرض وعلاجه ليتمكن المسلم من حماية نفسه.

خاتمة الدرس والدعاء

يتضمن المقطع دعاء بأن يجعلنا الله من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، إن من الأمور المهمة والمواضيع الملحة التي ينبغي أن يهتم بها كل مسلم ومسلمة، وأن يعتني بها أهل السلوك والتربية، ما يكون من ضرورة العناية بقلوبنا بإصلاحها وتربيتها وتهذيبها، إذ أنه من الملاحظ أن الكثير من الناس ربما يلتفتون إلى إصلاح أبدانهم وإجسادهم من الأسقام والأمراض، لكنهم في الواقع جهلوا أن القلوب يعتريها ما يعتري البدن من السقم والمرض. ألم يقل ربنا عز وجل: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾؟ فالقلب يمرض، وقد ذكر العلماء أن مرض القلب يعود إلى الشبهات وإلى الشهوات، ناهيكم عن باقي الأخلاق ومساوئ الآداب. فإذا علمنا أن القلوب تمرض ويأتيها العلل والأسقام، واجب علينا أن نسارع إلى إنعاشها وإلى إصلاحها، لأن القلب أعظم من البدن؛ القلب أعظم من البدن لأن القلب هو محل نظر الرب سبحانه وتعالى. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، ينظر إلى القلوب. القلب هو محل نظر الرب، كيف قلبك إذا كان مريضًا، إذا كان عليلًا؟ وجب عليك، يا عبد الله، أن تسارع إلى إصلاحه وإلى علاجه، وخاصة ونحن في هذه الأزمان، أزمان المضلات والفتن التي أعظم ما تهجم علينا تهجم على قلوبنا. ما تجده من الآفات والأضرار ربما قد يسلمك الله في بدنك، لكن ليس هنا الإشكال، الإشكال يا عبد الله في قلبك. ولهذا ثبت في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «تُعرض الفتن على القلوب، عودًا عودًا كعرض الحصير، فأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، وأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، حتى تصير القلوب على قلبين: أبيض مثل الصفاء لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا». هذه مآلات القلوب تُبتلى بهذه الفتن. فما ظنك، يا عبد الله، ونحن في هذه الأزمان، والذي هي بحق أزمان الفتن؟ كل فتنة تأتي تصيب القلب. ولهذا ينبغي بين الفينة والأخرى أن تعاهد هذه القلوب؛ لأنها هي الأس والأساس في إصلاح أحوال الناس. قال عليه الصلاة والسلام: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». هي الركيزة، هي الركيزة، فهي الأس والأساس في إصلاح البدن. إذا صلح القلب كل ما بعده يصلح، وإذا فسد القلب فإن الجسد كله ينهار بالفساد والهلاك. وهكذا الثبات، ثباتك، يا عبد الله، إنما يكون على ثبات قلبك. ليس العبر، إخواني في الله، بثباتنا في ديننا يكون على قوة أسهادنا، وما يكون من عضلاتنا وعظم أحجامنا، لا، يا عبد الله، ثباتك إنما على قوة قلبك لا على قوة جسدك. ولهذا كان في الحديث الصحيح من دعائه عليه الصلاة والسلام: «اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك». الثبات ثبات القلب، إذا أثبت ثبت الله قلبك على الحق، فإن الجسد تبع يثبت، لن يخالف، لن يخالف ما عليه القلب من الهداية والاستقامة. فينبغي، إخواني في الله، أن نعتني بهذه المسألة العظيمة، العناية بالقلوب؛ لأن مصيرنا عند الله سبحانه وتعالى كذلكم يكمن في القلب. يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. كم وكم، إخواني، فلن سنحدث عن أهمية القلب في الإسلام، في الدنيا وفي الآخرة. وإن مما أحب أن أذكره في هذا المقام، وما سيأتي من مجالس، أن أشير إلى آفة عظيمة وإلى دسيسة مميتة تنخر في قلوبنا فتهوي بها إلى الردى، وهي من أعظم أمراض القلوب، وأعني به مرض الغفلة. مرض الغفلة هذا المرض، إخواني في الله، التي جاءت به الأدلة الشرعية الكثيرة الوفيرة، كما سيأتي معنا في بيان عظيم خطره على المسلم، وذلك كما أشرنا؛ لأنه من أعظم ما يعترض على قلوبنا. قال سبحانه: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾، أغفلنا قلبه، أغفلنا قلبه، الغفلة أين جاءت؟ جاءت على القلب. فأخبر ربنا سبحانه وتعالى عن هذا الصنف من الناس أن لا نكون مثلهم، «ولا تطع من أغفلنا قلبه»، فدل على أن الغفلة أعظم ما تصيب من أبداننا وإسادنا أن تصيب القلوب، فهو مرض القلب أصالة، ثم يظهر أثره على باقي الجسد. ولهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومرض القلب يكون بأمرين، ومرض القلب يكون بأمرين: الغفلة والذنب. الغفلة والذنب، الغفلة من أعظم الأدواء والأهواء والأمراض التي تعترض القلوب والأفئدة. وأيضًا، إخواني في الله، مما يدلك على خطورة مرض الغفلة بشكل عام، أن هذا المرض لا فقط يستقر في القلب، بل ينتشر، ينتشر، فيظهر على الغافل مرض الغفلة في لسانه، في أقواله، في فكره، في أفعاله، في تصرفاته، فيكون مصابًا بمرض الغفلة من أوله إلى آخره، في حياته، في عشرته مع غيره، غافلًا غافلًا عن الله، غافلًا عن الدار الآخرة، غافلًا عن ما ينفعه، غافلًا عن يوم القيامة، غافلًا عن القبر وضمته، غافلًا عن حقوق الخلق الذي أمر الله جل وعلا بأن يعطي حقوقهم. يغفل، تستحكم الغفلة في جميع شؤونه، حتى قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «وجماع الشر الغفلة والشهوة»، جماع الشر هي البؤرة الذي من ابتلي بها فقد جمع الشر كله: الغفلة والشهوة. وحديثنا عن الغفلة، فإن من ابتلي بهذا المرض، فإن هذا المرض لن يكمن فقط في القلب، بل يستقر في القلب أصالة، ثم يظهر شره وضرره في حياتك، يا عبد الله. الغفلة مما ينبغي أن نتحدث عنه في حول هذا المرض، إذ أنه من الأمراض الخفية، الخفية تخفى، تخفى على كثير منا، حتى أنه ما أظن أن أحدًا من الناس يحكم على نفسه بالغفلة. ما أظن ما تجد أن الناس إذا سمعوا بموضوع الغفلة ومسائل الغفلة والتحذير من الغفلة يقول: الحمد لله، أنا لست منهم، أنا رجل واعي، صاحٍ، مع أنه واقع في الغفلة إلى أخبص قدميه، إلى قمة رأسه، وهو من عداد عباد الله الغافلين، لكن مع ذلك ما يرتضي بهذا الحكم على نفسه؛ لأنه مرض خفي، خفي، خفي، ما أحد يحكم على نفسه بالغفلة. فلهذا من خفاء هذا الباب وجب على الإنسان أن يتتبع هذا المرض، ما هي صوره؟ ما هي أقسامه؟ كيف العلاج منه؟ إخواني في الله، من مخاطر مرض الغفلة الذي نراه في هذه الأزمان، وفي كل زمان، على أنه من أكثر الأمراض انتشارًا، ينتشر، ينتشر. ولهذا قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾، الكثير من الناس من السابق واللاحق، في الماضي والحديث، وفي الزمن المعاصر، قد زادت الغفلة حتى وصلت إلى أهل الصلاح، من يرى فيهم أنهم من أهل الاستقامة. ربما الواحد منهم ينتصب لله مصليًا، موجها وجهه للقبلة، وقد غفل، يغفل، يسرح بعد ذلكم لهو حول الصلاة، ولا يدري بمعاني الصلاة، ولا أين هو في الركعة الأولى أم في الركعة الأخرى؟ أو ذاك الذي ربما من عباد الله الصالحين يقبل على قراءة القرآن، ولا يدري من الذي يقرأ، ما يدري من الذي يقرأ، ما يشعر إلا وقد انتهى من الصفحة، ما الذي قرأ؟ الله أعلم. إذا كان هذا في حق عباد الله الصالحين ابتلوا بالغفلة، فما ظنك بغيرهم؟ ولهذا الغفلة قد استحكمت في كثير من خلق الله. فمن هنا، إخواني في الله، إذا علمنا ما يتعلق أولًا من ضرورة العناية بقلوبنا والحرص على سلامتها من الآفات والأمراض، ثم علمنا أن من أعظم أمراض القلب ما يكون من مرض الغفلة، فإننا إن شاء الله في مثل هذا المقام سنتتبع أهم المباحث المتعلقة بهذا الداء الذي وجب على كل مسلم ومسلمة أن يلقي له اهتمامًا ومعرفة؛ لأننا مخاطبون بهذا المرض، فما منا من أحد معصوم. نسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.