كتاب الطهارة 17

الدرس في كتاب الطهارة 17، ألقاها

حكم التسمية والمضمضة والاستنشاق

اختلف العلماء في حكم التسمية في الوضوء بين الوجوب والاستحباب، كما اختلفوا في صفة المضمضة والاستنشاق. التسمية مستحبة عند الجمهور بينما يرى الظاهرية وجوبها.

صفة الوضوء وإحسانه

يمكن المضمضة والاستنشاق من كف واحدة ثلاث مرات مع أو بدون الفصل بينهما، والأفضل عدم الفصل. إحسان الوضوء يتطلب التأكد من وصول الماء إلى جميع الأعضاء.

حكم الموالاة وضابط النجاسة الكثير

الموالاة في الوضوء واجبة إلا في حالة العجز أو النسيان عند الراجح، والنجاسة الكثير التي لا يعتبر وقوعها ناقضاً للوضوء هي ما كانت كالضفر أو أكثر.

  • 25 جمادى الآخرة 1441هـ - 19/02/2020مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه بلوغ المرام، في كتاب الطهارة، في باب الوضوء: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه». أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة بإسناد ضعيف. وللترمذي عن سعيد بن زيد وأبي سعيد نحوه. قال أحمد: لا يثبت فيه شيء. هذا الحديث: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»، كما ذكر رحمه الله أن إسناده ضعيف، ففيه انقطاع بين سلمة وأبي هريرة، وكذلك أيضا بين سلمة وابنه. وروي من طرق متعددة لا تخلو من مقال، لا تخلو من مقال. ولهذا اختلف أهل العلم في هذا الحديث، فمنهم من رأى أن هذه الطرق بكثرتها وتعددها يدل على أن للحديث أصلا، فصحح الحديث بها، كالحافظ ابن حجر رحمه الله، والإمام ابن القيم رحمه الله. ومن أهل العلم من ذهب إلى ضعف الحديث، وأنه لا يثبت مع كثرة هذه الطرق لضعفها أو شدة ضعفها، كالإمام أحمد وأبي حاتم وأبي زرعة، فإنهم قالوا: لا يثبت في هذا الباب شيء. ولعل هذا أقرب؛ لأن أسانيد هذه الأحاديث ضعيفة، وبعضها شديد الضعف. وكذلك أيضا أن الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام في صفة وضوءه ليس فيها ذكر البسملة، ليس فيها ذكر البسملة. وعلى صحة هذا الحديث، فيكون المعنى: لا وضوء كامل لمن لم يذكر اسم الله عليه، فلا نافع للجنس، فوضوء اسمها وخبرها دل عليه الجار والمجرور المتعلق بمحذوف خبر، تقديره صحيح، أو كامل. وقدرناه كاملا؛ لأن الأحاديث الصحيحة، كما سمعنا، ليس فيها ذكر البسملة، فتدل على أن الوضوء يصح ولو لم يسم المتوضئ في وضوءه. إذا «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» أي: لا وضوء كامل، هذا على صحة الحديث. وعلى هذا اختلف أهل العلم في حكم التسمية في الوضوء، فذهب بعض أهل العلم، وهم الظاهرية، إلى الوجوب، إلى وجوب التسمية، واستدلوا بهذه الأحاديث الواردة في هذا الباب. وذهب جمهور أهل العلم إلى أن التسمية مستحبة، وليست واجبة، وهذا هو الصحيح: أن التسمية مستحبة وليست واجبة. فلو توضأ المتوضئ ولم يسم الله عز وجل في وضوءه، فوضوءه صحيح؛ لأن الأحاديث الصحيحة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيها ذكر التسمية. فعلى هذا إذا توضأ فإنه يحرص على أن يسمي، فإن نسي أو ترك التسمية فوضوءه صحيح. روى عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفصل بين المضمضة والاستنشاق». أخرجه أبو داود بإسناد ضعيف. هذا الحديث: حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفصل بين المضمضة والاستنشاق، يعني في الوضوء، لما توضأ فتمضمض واستنشق، فصل بين المضمضة والاستنشاق، أي: تمضمض بكف واستنشق بكف آخر، يعني يجعل ثلاث مرات للمضمضة وثلاث مرات للاستنشاق، فيكون عدد غسل الوجه ست مرات. هذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف؛ فطلحة بن مصرف عن أبيه عن جده، هو طلحة بن مصرف المكتب اليامي، وطلحة من ثقات التابعين، إلا أن أباه مجهول، مصرف مجهول. وهذه السلسلة أنكرها بعض أهل العلم، كابن عيينة رحمه الله، كان يقول: أيش طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده؟ يعني معناه أن السلسلة ضعيفة. فهذا الحديث لا يصح، لكن ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أثرا من طريق شقيق بن سلمة قال: رأيت علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان يتوضآن، فتمضمضا واستنشقا، فأفردا المضمضة والاستنشاق. ثم قال: هكذا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ. والأثر صحيح، فهذا الأثر فيه أن عثمان رضي الله عنه وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه توضآ، وفصلا بين المضمضة والاستنشاق، وأخبرا أنهما رأيا النبي عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك، يعني: فصل بين المضمضة والاستنشاق. فهذا الأثر يدل على جواز هذا الفعل، أن يفصل المتوضئ بين المضمضة والاستنشاق، يعني يتمضمض مرة، ثم يأخذ للاستنشاق مرة أخرى، وهكذا ست مرات. وهذا وإن كان جائزا، إلا أنه قليل. والأكثر من فعل النبي عليه الصلاة والسلام أن يتوضأ، فيتمضمض ويستنشق من كف واحدة، كما سيأتي في حديث عبد الله بن زيد، وحديث علي رضي الله عنه. روى عن علي رضي الله عنه في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثم تمضمض واستنثر ثلاثا، يمضمض وينثر من الكف الذي يأخذ منه الماء». أخرجه أبو داود والنسائي. وهذا الحديث صحيح، حديث علي رضي الله عنه في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه أنه يستحب المضمضة والاستنشاق من كف واحدة ثلاث مرات. قال: «ثم تمضمض واستنثر ثلاثا، يمضمض وينثر من الكف الذي يأخذ منه الماء». وهذا محتمل؛ أن يراد أنه يفعل ذلك بكف واحدة، يعني يأخذ الماء بكفه، ثم يتمضمض وينثر، ويتمضمض وينثر، ويتمضمض الثالثة وينثر من نفس الكف، يفعل ذلك ثلاث مرات من كف واحدة. ومحتمل أنه يفعل ذلك ثلاث مرات، يعني يأخذ كفا من الماء فيتمضمض ويستنثر، ثم يأخذ ماء آخر فيتمضمض ويستنثر، ثم يأخذ ماء آخر فيتمضمض ويستنثر. وروى عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم أدخل يده فمضمض واستنشق من كف واحدة، يفعل ذلك ثلاثا». متفق عليه. هذه الرواية الصريحة في أخذ الماء ثلاث مرات، يأخذ كفا من الماء فيتمضمض ويستنشق ويستنثر، يعني يستنشق ويخرج الماء من أنفه، ثم المرة الأخرى يأخذ ماء آخر فيتمضمض ويستنشق ويستنثر، ثم المرة الثالثة يتمضمض ويستنشق ويستنثر. وكل هذه الصفات جائزة، إلا أن الأكثر والذي دلت عليه الأحاديث هو عدم الفصل بين المضمضة والاستنشاق، فيتمضمض ويستنشق من كف واحدة، يفعل ذلك ثلاث مرات، إما بكف واحدة يفعل ذلك ثلاث مرات، أن يتمضمض منها ويستنشق ويستنثر، ويكون في ذلك اقتصاد في استعمال الماء. أو يفعل ذلك بكفه ثلاث مرات، يأخذ الماء بكفه فيتمضمض ويستنشق ويستنثر، ثم يأخذ كفا آخر، ثم الثالث، فكل ذلك جائز. وروى عن أنس رضي الله عنه قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا وفي قدمه مثل الظفر لم يصبه الماء، فقال: «ارجع فأحسن وضوءك». أخرجه أبو داود والنسائي. هذا الحديث يخبر أنس رضي الله عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا وفي قدمه مثل الظفر، يعني قدر الظفر، لم يصبه الماء، فقال: «ارجع فأحسن وضوءك»، أمره أن يحسن الوضوء. والحديث رواه النسائي، ورواه أبو داود وأحمد وابن ماجة. وجاء من نحوه من طريق خالد بن معدان عند أبي داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا وفي قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة. وجاء نحو حديث أنس في مسلم من حديث عمر رضي الله عنه. وإحسان الوضوء في مثل هذه الحالة إذا ترك المتوضئ موضعا لم يصبه الماء، كما قال أهل العلم: أنه إذا كان الوقت قريبا فإنه يغسل هذا العضو وما بعده، يغسل هذا العضو وما بعده. وأما إن كان الفاصل طويلا فيعيد الوضوء من أوله. يعني إنسان توضأ بعد أن فرغ من الوضوء ترك موضعا في قدمه مثلا قدر الظفر لم يصبه الماء، فنبه بعد أن فرغ من الوضوء ودخل إلى المسجد، قيل له: إنك تركت موضعا في قدمك لم يصبه الماء، فنظر إلى هذا الموضع، فهنا لا يلزم أن يعيد الوضوء كاملا، يغسل هذا الموضع مثلا، نسي موضعا في قدمه اليمنى، يغسل القدم اليمنى ثم يغسل القدم اليسرى. وإذا كان مثلا الموضع في يده اليمنى والوقت قريب، يغسل اليد اليمنى ثم اليسرى، ثم يمسح رأسه، ثم يغسل قدميه. وإذا كان الفاصل طويلا، يعني بعد أن توضأ ودخل يصلي مثلا أو يقرأ، نبه بعد ذلك أنه ترك موضعا لم يصبه الماء، أو تفطن أنه ترك موضعا لم يصبه الماء، فوجد عازلا مثلا أو مانعا من وصول الماء، بعد أن فرغ من الصلاة، كان يجد مثلا قشر صيد، قشرة كبيرة، أو موضع فيه بوية، فرآه بعد الصلاة، والموضع قدر الظفر فما فوق، فهنا يعيد الوضوء والصلاة. وهنا اختلف أهل العلم في حكم الموالاة في الوضوء، ما حكم الموالاة في الوضوء؟ معنى الموالاة: أن المتوضئ يتابع غسل الأعضاء في الوضوء من غير أن يفصل بينها بفاصل، من غير أن يفصل بينها بفاصل، يكون كل عضو يغسل بعد الآخر. ما حكم الموالاة؟ اختلف العلم في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال. القول الأول: هو وجوب الموالاة في الوضوء مطلقا، وجوب الموالاة في الوضوء مطلقا. ومعنى هذا أنه لو نسي بعض الأعضاء فإنه يلزمه أن يعيد الوضوء، يلزمه أن يعيد الوضوء. وهذا قول الإمام محمد رحمه الله. والقول الثاني: وهو قول أبي حنيفة: أن الموالاة في الوضوء مستحبة وليست بواجبة، أن الموالاة مستحبة، فلك أن تغسل وجهك مثلا ثم بعد دقائق تغسل قدميك، وهكذا، ولا يجب أن تؤالي وتتابع غسل الأعضاء بعضها تلو بعض. والقول الثالث: أن الموالاة واجبة إلا مع النسيان أو العجز، يعني تسقط يسقط الوجوب مع العجز والنسيان. وهذا قول الإمام مالك رحمه الله، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وهذا القول هو أرجح الأقوال؛ لأن أدلة الشريعة تدل عليه، إذ أن الواجبات إذا عجز عنها الإنسان فإنها تسقط، لقول الله عز وجل: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. وعلى هذا فالواجب أن الإنسان يوالي في الوضوء، يتابع غسل الأعضاء بعضها تلو بعض. والقدر الذي ذكره أهل العلم في الضابط في حصول الموالاة: أن يغسل العضو ثم يغسل الذي بعده قبل أن ينشف هذا العضو في وقت الجو المعتدل، قبل أن ينشف العضو الذي قبله في الجو المعتدل. فأنت الآن غسلت وجهك، طيب الوجه ما زال مبللا، والجو معتدل، ليس في جده البرودة الذي ربما يتأخر أثر الماء في الوجه، ولا في جده الحر الذي ربما ينشف الوجه قبل أن تصل إلى بقية الأعضاء، لكن في الجو المعتدل، فإن فصلت بين الوجه واليدين بوقت يسير لا ينشف فيه العضو، فهذا لا يضر في الموالاة في الوضوء. وأما إن فصلت بفاصل بحيث أن هذا العضو ينشف قبل أن تغسل العضو الذي بعده، فهنا لا يصح الوضوء، مثلاً غسلت وجهك ثم جاءك اتصال فتحت الهاتف تتكلم حتى نشف العضو، ثم بعد أن انتهيت من المكالمة رجعت تغسل يديك، هنا لا يصح، هنا لا يصح، لابد من إعادة الوضوء من أوله. أما إن كان وقت يسير وقليل فلا يضر. ومثله العجز، مثله العجز، إذا إنسان عجز عن تحصيل الماء، فمثلا إنسان في مكان ليس فيه ماء، فبحث عن الماء في بئر مثلا فنزح الماء توضأ منه شيء يسير، انتهى الماء بعد أن غسل وجهه ويديه، والماء قليل مثلا، فاحتاج أن يأتي بالماء مرة أخرى، فما وصل إلى الماء وأتى به حتى نشف العضو الذي قبله، هل يلزم أن يعيد الوضوء من أوله؟ الجواب: لا، يغسل ما بعده ويصح وضوه؛ لأنه حينئذ عاجز عن تحقيق هذا الواجب فيسقط عنه. نعم، لكن إذا كما سمعنا إذا وجد موضعا لم يصبه الماء، فإنه إن كان الوقت قريبا غسل هذا الموضع وما بعده، وإن كان طويلا أعاد الوضوء بأكمله. طيب إذا كان ما لم يصبه الماء شيء يسير، يعني مثلا بعض من يشتغل في الصيد ربما لا يرى بعض قشر الصيد قد يشتد في إزالة ما أصابه في يديه وفي قدميه، ثم بعد أن يصلي يجد أثرا لهذا القشر أو من يعمل كذلك في البوية ربما قبل الصلاة يشتد في إزالة ما علق في بدنه منه، وبعد الصلاة يجد أثرا. فنقول: إذا كان هذا الأثر يسيرا، يعني نقط أو نقطتين من البوية قليلة، أو قشر صغير قليل، فمثل هذا يعفى عنه؛ لأن المشقة تجلب التيسير. وأما إن كان شيئا كثيرا، فإن قال: ما هو ضابط الكثير؟ نقول: ما كان مثل الضفر فما فوق، هذا يعتبر كثيرا ويعتبر مفرطا، إذا ترك في موضع الوضوء مثل الضفر من البوية لم يزلها، هذا معنى أنه فرط في إزالتها، أو كذلك قشرة من الصيد نحو هذا، نحو الضفر أكثر، فإنه يلزمه إعادة الوضوء والصلاة. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على