كتاب الطلاق من صحيح البخاري 20

كتاب الطلاق من صحيح البخاري 20

الدرس في كتاب الطلاق من صحيح البخاري 20، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

باب حكم المفقود وأقوال العلماء في تربص الزوجة

يستعرض المقطع باب حكم المفقود عند الإمام البخاري مبيناً أثر ابن المسيب في تربص الزوجة سنة، وقصة ابن مسعود، ورأي الزهري في الأسير. ثم ينقل خلاف العلماء في المفقود مجهول الخبر، فذهب علي والشافعي وأبو حنيفة إلى عدم نكاح امرأته ولا قسمة ماله حتى يتيقن موته أو ينقضي تعميره، وهو رأي البخاري.

قول الأربعة سنوات في المفقود وقصة المخطوف

يذكر المقطع قول عمر وعثمان وابن عباس ومالك بأن زوجة المفقود تتربص أربع سنوات ثم تعتد، ويسرد قصة الرجل الذي اختطفته الجن أربع سنوات فخير عمر امرأته بين الزوجين. كما يشير إلى تضعيف الرواية المخالفة عن علي في هذا الشأن.

تفريق الفقهاء بين المفقود في القتال وبلاد الإسلام والشرك

يناقش المقطع خلاف الفقهاء في عدة زوجة المفقود في القتال، حيث يرى الجمهور التربص أربع سنين، ومالك وابن المسيب سنة، والكوفيون التعليق. كما يفرق العلماء بين فقده في بلاد الإسلام وبلاد الشرك، مع بيان ضعف الآثار الواردة في التفريق.

متى تبدأ عدة زوجة المفقود ومدتها

يناقش المقطع وقت بداية عدة زوجة المفقود، ويرجح أنها تحتسب من يوم فقده وتمتد لأربع سنوات. ويشير إلى أن تفصيل الحديث سيأتي في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله: باب حكم المفقود في أهله وماله. قال ابن المسيب: إذا فقد في الصف عند القتال تربصوا امرأته سنة، واشترى ابن مسعود جارية، والتمس صاحبها سنة فلم يجده، وفقد، فأخذ يعطي الدرهم والدرهمين، وقال: اللهم عن فلان وعلي. وقال: هكذا ففعلوا باللقطة. عن أنه اشترى هذه الجارية، واتفق مع صاحبها على أنه سيعطيه الدراهم، ثم فقده لا يدري أين ذهب، فكان يعطي الدرهم ودرهمين، معنى يتصدق بهما لصاحبه، هذا لصاحب هذه الجارية، معنى: قال اللهم عن فلان وعلي، معنى: عن فلان أي صدقة، وعلي أي دينا. وقال الزهري في الأسير يعلم مكانه: لا تتزوج امرأته، ولا يقسم ماله، فإذا انقطع خبره فسنته سنة المفقود الذي لا يعلم مكانه، على مثل المفقود. وهنا هذا الباب عقده في باب حكم المفقود في أهله وماله. في أهله: معنى أنه كان متزوجاً ولم يعرف خبراً عنه، عن فقد، ولا يدرأ أين ذهب. فهنا بعض أهل العلم قالوا: أنها تتربص، إذا كان ذهب لتجارة أو لغيره، فتتربص حتى يأتي أو حتى تموت. وهذا ليس صحيحاً، ولهذا ذكر أثر ابن المسيب البخاري لعجل أنها تجلس، وخاصة إذا فقد في الصف، أنا فقد، أي في القتال، ما يدرأ أين ذهب. وأما إذا فقد ولا يدرأ أين مكانه، وجهل خبره، أنا جهل خبر هذا الشخص، فقالت طائفة من العلماء: أن امرأته لا تنكح أبداً، ولا يفرق بينه وبينها حتى يوقن بوفاة، أو ينقضي تعميره. تعميره: معنى سنته، أنا يعطى سبعين ألفاً، أقصد سبعين سنة. فإذا انقضى عمره، أو يعطى عمراً من هذا العمر، ثم بعد ذلك يخلى سبيل زوجته وسبيل ماله. وهذا القول روى عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة، وكأن البخاري أيضاً يرى ذلك، وشبهه بلقطة الإبل، وأيضاً سيأتي وجه الاستشهاد من هذا. وهناك طائفة من أهل العلم قالوا: تتربص أربع سنوات، أنا تجلس أربع سنوات لا تتزوج، ثم بعد الأربع سنوات إذا لم يأتِ فإنها تعتد أربعة أشهر وعشرة، فإذا اعتدت أربعة أشهر وعشرة بعد ذلك تحل للأزواج. وهذا جاء عن عمر وعثمان وابن عباس وابن عمر وعطاء وجماعة من السلف، وهو مذهب مالك وأهل المدينة. وقد حصلت قصة ذكرها ابن أبي شيبة والبيهقي في السنن: حصلت قصة أن رجلاً خرج بعد العشاء يريد أن يصلي، يصلي صلاة العشاء، خرج وقت صلاة العشاء، ثم فقد من ذلك الحين، ثم فقد من ذلك الحين، فجلست امرأته أربع سنوات، ثم جاءت إلى عمر وأخبرته بذلك، فأمرها أنها تتزوج، فتزوجت، ثم جاء زوجها هذا الأول، وجاء إلى عمر وقال له: أريد زوجتي. فقال: أيذهب أحدكم ويغيب السنوات ثم يأتي ويقول أريد زوجتي؟ فقال: كنت معذوراً يا أمير المؤمنين. قال: وما عذره؟ قال: لما خرجت لصلاة العشاء اختطفتني الجن، وجلست معهم أربع سنوات، أمشي في النهار مع زوابع، وفي الليل أرى مثل النار، أو كما قال. قال: ثم ذات مرة هجم عليهم أناس أو جن آخرون، وقتلوهم، فوجدوني، فقالوا: أنت جن، أنت أنسي مسلم مثلنا. قلت: نعم. قالوا: إن أردت أن تذهب إلى أهلك ذهبنا بك إلى أهلك، وإن أردت معنا أخذناك. فقال: لا، أريد أن أذهب إلى أهلي. قال: فجاءوا بي إلى المدينة. ثم أن عمر خيرها بعد ذلك، خيرها بين زوجها الأول والثاني، والظاهر اختارت الأول على ما أذكر. وذكر ابن المنذر رحمه الله أن هذا قول خمسة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وهم أولى بالاتباع. وأما ما جاء عن علي كما جاء عند ابن أبي شيبة، فإسناده لا يصح، وأنكره أحمد على أبي عوانة. أبو عوانة قال: والظاهر ابن عبد الله الليثي ثقة، لكن أنكره عليه كما ذكر الإمام ابن المنذر في الإشراف، فقال: وقد دفع أحمد ما روي عن علي من خلاف هذا القول، وقال: إن رواه أبو عوانة ولم يتابع عليه. والمعروف عن علي أنها تجلس أربع سنوات، وهذا الذي ذكره أبو عوانة ليس صحيحاً، وأيضاً كذلك الإسناد فيه انقطاع، فالحكم بن عتيبة لم يدرك علياً. لكن قد قال به جماعة من التابعين كأبي قلابة وإبراهيم الشعبي وابن سيرين. لكن الصحيح هو ما ذهب إليه أكثر الصحابة: أنها تتربص، وأن يسن أيضاً سن عن عمر وعثمان وعلي، هم خلفاء راشدون، فيؤخذ به، ولهذا أخذ بذلك أحمد رحمة الله عليه. وأما إذا فقد في الصف، أما إذا فقد في صف القتال، فقد ذكر هنا الإمام البخاري عن ابن المسيب أنها تؤجل لامرأته سنة، وهذا هو قول مالك كذلك، أنه قال: تؤجل سنة، ثم بعد ذلك تعتد. وسواء فقد في الصف بين المسلمين أو في قتال المشركين. وقال الكوفيون والثوري والشافعي في الذي يفقد بين الصفين: مثل قولهم في المفقود، لا يفرقون بينهما، أن يقولون: لا يفرق بينهما أبداً، يبقى معنى: تبقى زوجته كما هي. وأيضاً كذلك في الأسير نفس القول: أنها تبقى. وذكر بعضهم أثراً عن المغيرة بن شعبة، لكن فيه ضعف، وجاء مرفوعاً لكنه أيضاً لا يصح، وجاء موقوفاً ولا يصح. جاء من طريق محمد بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة قال: أن امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البينة. وهذا حديث لا يصح عن المغيرة، أو كلام لا يصح. فبعضهم، بعض أهل العلم، فرق بين التقاء الصفين في بلاد المسلمين، والتقاء الصفين في بلاد الشرك. فقالوا: إذا كان في بلاد المسلمين تعتد أربع سنين، ومنهم من قال سنة. وأما إذا فقد في معركة في أرض الشرك فهو كالأسير. وقد ذكر بعض أهل العلم كالإمام الشوكاني وغيره على أن فقيد أرض الإسلام جاءت فيها أقوال كثيرة، حتى ذكروا أنها فيه أقوال عشرة أو أكثر. وأيضاً كذلك هناك مسائل تتعلق به، وهي: من يتولى الكشف عن خبره؟ أهو السلطان أو الخليفة؟ خاصة عن الخليفة الذي أمره. وأيضاً كذلك الذي عليه كما قلنا الجمهور: أنه مثل ما تقدم في المفقود، أنه أربع سنين، أربع سنين. لكن هل هو من يوم اليأس من خبره أربع سنين، أو من يوم، من يوم كان في الصفوف، أو من يوم فقد؟ والظاهر أنه من يوم أن يفقد، من يوم أن يفقد يكون هذا العدة إلى أربع سنين. فهذا في امرأة المفقود، إن شاء الله الحديث نذكره في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.