الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 100، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
النفخ في الصور هو حدث عظيم يحدث في آخر الزمان، وهو نفخة في قرن عظيم ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام بانتظار الأمر الإلهي.
اختلف العلماء في عدد النفخات بين نفختين (الصعق والبعث) وثلاث نفخات (الفزع والصعق والبعث)، وتوضيح للنفخة الأولى للصعق والثانية للبعث.
استمرار للكلام حول اختلاف العلماء في عدد النفخات والمخلوقات المستثناة من الصعق، مثل الملائكة أو الحور العين والولدان في الجنة.
ختام للكلام حول النفخ في الصور ودعاء بأن ينفع الله بما قيل والصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف كتاب «الرحمة المهداة في شرح ما ورد في الموت والقبر والبعث» رحمه الله تعالى: ما دليل النفخ في الصور؟ وكم نفخة ينفخ فيها؟ فهذا الباب، أعده المؤلف رحمه الله تعالى لما له تعلق باليوم الآخر، وما يتعلق بالنفخ في الصور، فقال: ما دليل النفخ في الصور؟ وكم نفخة ينفخ فيها؟ والنفخ في الصور، إخواني في الله، يعتبر من أوائل علامات الساعة، إذ بهذه النفخة يغير الله سبحانه وتعالى مجرى الأرض والسماوات، ويأذن الله سبحانه وتعالى إلى قيام الساعة. وقوله: النفخ في الصور، ما هو الصور؟ الصور في لغة العرب بمعنى البوق، وهو الشيء أو قل هو القرن الذي ينفخ فيه، قرن ينفخ فيه. وقد ثبت ذلك عند أبي داود والترمذي بإسناد صحيح أن رجلا أعرابيا سأل نبينا عليه الصلاة والسلام عن الصور فقال عليه الصلاة والسلام: «قرن ينفخ فيه، قرن ينفخ فيه». إذن فالصور عبارة عن قرن عظيم لا يعلم به إلا الله جل في علاه، سبحانه وتعالى. وفي هذا المسألة، إخواني في الله، وفي هذا الحديث رد على بعض أهل العلم ممن ذهب إلى ذكر معنى آخر لمعنى الصور، إذ أن من أهل العلم من ظن أن الصور عبارة عن صور، فيرى أن النفخ في الصور عبارة عن نفخ في الصور، أي يكون النفخ في الصورة، ويقصد بالصورة هنا أي صور الأجساد والجثث والموتى، يكون النفخ في هذه الصور ثم تبعث. فذهب بعض العلماء إلى أن الصور هو جمع صورة، وهذا ليس بصحيح، وذلك لما سمعتم أن ما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه بيّن أن الصور عبارة عن قرن، فلا يقال بعد ذلك أنه عبارة عن صور. وإن كان هذا قول ذهب به جماعة كالحسن البصري رحمه الله تعالى، وجنح إليه بعض العلماء، لكنه قول مرجوع، هو قول مرجوع. وكذلك لو كان المقصد بها صورة لكان جمعها صور، ولا تجمع على صور، لكان جمع صورة: صور، وليس صور. لذا فالصور، إخواني في الله، عبارة عن قرن عظيم ينفخ فيه، فيكون بذلك قيام الساعة. فكذلك مسألة من هذا الذي ينفخ في الصور؟ الذي ينفخ في الصور هو ملك من ملائكة رب العالمين، ملك عظيم، وهو إسرافيل عليه السلام. وقد أجمع المسلمون على هذه المسألة، فإن القرطبي رحمه الله تعالى جعلها مسألة قد أجمعت عليها الأمم أيضا، قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره: «قال: وقد أجمعت الأمم، قال: والأمم مجتمعة على أن الذي ينفخ في الصور إسرافيل عليه السلام». وهكذا الحليمي رحمه الله تعالى، كما في «فتح الباري»، نقل الإجماع على أن إسرافيل عليه السلام هو الذي ينفخ في الصور. وأن النفخ في الصور، إخواني في الله، أمره قريب، فما ظنك بعلمك إذا علمت أن نبينا عليه الصلاة والسلام قد ثبت عنه أنه قال: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقمه وحنى جبهته وأصغى بأذنه ينتظر متى يؤمر؟» سبحان الله. والحديث ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين» من حديث أبي سعيد. «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم» أي قد وضع القرن في فمه حتى ينفخ، «وحنى جبهته» دلالة على الاستعداد الكامل على وشك النفخ، وإنما فقط ينتظر الأمر، ينتظر الأمر، ما هي إلا طرفة عين فينفخ. فلما سمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعظم هذا الحدث، قالوا: يا رسول الله، وماذا نقول؟ قالوا: «قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل». وجهت الأدلة، إخواني في الله، تدل على أن النفخ في الصور سيكون في يوم الجمعة، في يوم الجمعة. وكما صحت بذلك الأحاديث الكثيرة من أن هذا اليوم هو يوم خلق الله سبحانه وتعالى فيه آدم، وأسكنه جنته، وفيه النفخة يكون النفخ في هذا اليوم من يوم الجمعة. ولهذا جميع الخلائق والدواب والكائنات والبهائم إذا دخلت الجمعة عليها خافت، تخشى أن تقوم الساعة في هذه الجمعة. وما أمن هذا الخوف إلا الإنس والجان، فإنهم لا يخافون ولا يكترثون، لا يكترثون من ذلك. وإلا فإن الخلائق، كما أخبر بذلك نبينا، تخشى من يوم الجمعة لأنه اليوم الذي تقوم فيه الساعة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾، قال: ففي هذه الآية ذكر نفختين، الأولى للصعق والثانية للبعث. وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية، فمن فسر الفزع في هذه الآية بالصعق، فهي النفخة الأولى المذكورة في آية الزمر، ويؤيده حديث مسلم، وفيه: «ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا»، ومعنى «أصغى ليتا»: قال العلماء: أي أصغى وقد لوى عنقه إلى جهة الصوت، أصغى مع ماذا؟ مع تلوية العنق إلى جهة الصوت، «إلا أصغى ليتا ورفع ليتا»، قالوا: أول من يسمعه رجل يلوط حوض إبل، أي يصلح، قال: «فيصعق ويصعق الناس»، ثم يرسل الله أو قال: «ينزل الله مطرا كأنه الطل أو قال: الظل»، شعبة الشاك، أي هذا الشاك من شعبة، فهو يقال: الطل، أم يقال: الظل، وإن كان جماعة من أهل العلم رجحوا المهملة، أي الطل، يرسل الله عز وجل على هذه الأجساد من السماء مطرا كأنه الطل، معنى الطل: أي المطر الخفيف، مطر خفيف، بعدما تصعق الأرواح وتصعق الأجساد والخلائق، فيرسل ربنا عز وجل هذا المطر الخفيف. وجاء رواية على أن هذا المطر يشبه مني الرجال، هو كمني الرجال، قال: «ينزل الله مطرا كأنه الطل أو قال: الظل»، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، الحديث. قال: ومن فسر الفزع بدون الصعق، فهي نفخة ثالثة متقدمة على النفختين، ويؤيدهما في حديث الصور الطويل، فإن فيه ذكر ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام لرب العالمين. أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى مسألة وقع فيها الخلاف بين العلماء، وهي: كم عدد النفخات التي يكون فيها النفخ؟ واختلاف العلماء الحاصل بين القول بنفختين وبين القول بالثلاث. القول بالنفختين، وهو القول المشهور، ورجحه جماعة من أهل العلم، يرون أن المقصود بالنفختين عبارة عن نفخة الصعق، هي النفخة الأولى، إذا تم النفخ فإن كل من في السماوات والأرض من الخلائق يصعق في طرفة عين. ومما يدل على أن الصعق يكون والناس في غفلة، هذا الحديث الذي في مسلم: «أن رجلا يصلح حوض إبله»، يعمل يشتغل ولا يدري الساعة تأتيه النفخة وهو يعمل. وجاءت أحاديث كذلك: «أن الرجلين يخرجان يتبايعان على سلعة فتقوم الساعة وهم يتبايعان»، تأتيهم النفخة، فدل على أن الناس في غفلة. ولهذا فالإنسان، إخواني في الله، لا يسترسل مع غفلته، فما تدري متى تقوم الساعة. فقال: فهذه النفخة الأولى وهي نفخة الصعق، النفخة الثانية هي نفخة البعث، يقول: النفخة الثانية فيقوم الناس لرب العالمين. هذا القول الأول، وهو القول الشهير. القول الثاني: قول جماعة من الأئمة، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وابن كثير، والقاضي ابن العربي المالكي رحمه الله تعالى، وجمع من أهل الحديث، ذهبوا إلى أنها ثلاثة نفخات، هم قد أقروا بنفخة الصعق وأقروا بنفخة البعث، لكن هناك نفخة متقدمة عليهما، وهي نفخة الفزع، نفخة الفزع أن تكون كنفخة، هذه نفخة موطئة، يصاب الناس على إثرها بفزع وخوف ووجل يأخذ بالقلوب، وبعد ذلك تأتي نفخة الصعق، ثم بعد ذلك تأتي نفخة البعث، فهي ثلاث نفخات. واستدلوا من قال بالنفخات الثلاث بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، فجعلوا نفخة الفزع هي نفخة على حدة، ثم نفخة الصعق، ثم نفخة البعث، فهي ثلاث نفخات. فالخلاف بين العلماء دائر بين هاتين المسألتين، وإن كان الشهير والمشهور بين العلماء أنها عبارة عن نفختين، عبارة عن نفختين، وذلك لوضوح الأدلة في هذا الباب، وخاصة الآية الأولى التي ذكرها ربنا سبحانه وتعالى في قوله كما أشار المؤلف رحمه الله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾، فهذا الدليل على أنها عبارة عن نفختين. الدليل الثاني: أن الله عز وجل وصف النفخات بوصفين، وصف الأولى بالراجفة، ووصف الثانية بالرادفة، وصف الأولى بالراجفة والثانية وصفها ربنا سبحانه وتعالى بالرادفة، كما في قوله جل فعلا: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾، أي تردف بعد أختها، فهي دلالة على أنها اثنتين. الأمر الثالث: ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «ما بين النفختين أربعون»، ما بين النفختين أربعون، فنبي ذكر نفختين لم يذكر ثلاث. ولهذا فهذا الذي جنح إليه كثير من أهل العلم أنها تعتبر ثلاث نفخات، ومنهم كما سمعت من المحققين من ذهب إلى الثلاث. والأمر كما قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى: الأمر في ذلك قريب، الأمر في ذلك سهل، أي الخلاف في هذه المسألة ما يترتب عليه حكم شرعي، فمن ترجح عنده أنها عبارة عن نفختين فذاك، ومن ترجح عنده أنها الثلاث فذاك. هنا أمر كذلك وهو مسألة ذكرها العلماء متعلقة بهذه الآيات التي أخبر عنها ربنا عز وجل بأمر النفخ، وفي قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، أي هناك أناس لا يصابون بالصعق عند أن تصاب الخلائق، بدليل أن الله استثناهم، فمن هذه المخلوقات التي تستثنى من الصعق؟ للعلماء في ذلك أقوال. فمن أهل العلم من ذهب إلى أنهم الملائكة جميعا، لا يعتريهم ما يعتري باقي الخلق من الصعق، هذا قول جماعة من أهل العلم، نصر بن حزم رحمه الله، وهذا لا يسلم له، فالملائكة هم خلق من خلق الله، خلق من خلق الله يعتريهم ما يعتري باقي المخلوقات، فكونك أن تجعل جميع الملائكة لا تصعق يحتاج إلى دليل. ومن أهل العلم من خص المقام فقال: إنما هم أكابر الملائكة لا ينالهم الفزع، ومن هؤلاء الملائكة الكبار إسرافيل وميكائيل وجبريل عليه السلام، ومنهم من أدخل معهم حملة العرش، ومنهم من أدخل معهم ملك الموت، فبعضهم يدخل الكبار من الملائكة في هذا الحيز، حيز الاستثناء. وكذلك هذا يحتاج إلى دليل. فإمام أحمد رحمه الله تعالى ذكر أن الذي يستثنيهم ربنا عز وجل من الصعق هم من كان في الجنة من الحور العين ومن الولدان، هؤلاء يسلمهم الله من النفخة فلا يصعقون ولا يموتون، لأن هؤلاء أصلا خلقهم الله للبقاء لا للفناء، خلقهم الله للبقاء لأن يبقوا لا أن يموتوا، ولهذا استثناءهم. إمام أحمد رحمه الله تعالى وشيخ الإسلام رحمه الله أشار إلى هذا القول وإلى هذا الترجيح، فقال رحمه الله تعالى: «قال: وأما الاستثناء فهو لا يتناول أهل الجنة من الحور العين»، فإن الجنة ليس فيها موت، فإن الجنة ليس فيها موت، أي يستثني ذلك الحور العين والولدان ومن كان من خدم الجنة، فإنهم لا يعتريهم هذه الصعق كما يعتري باقي الخلق. وإن كان بعض العلماء يرى التوقف، بل إن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بعدما ذكر هذا القول عن إمام أحمد قال رحمه الله: «ولا يمكن الجزم بكل ما استثناه الله»، فإن الله أطلق في كتابه معنى أطلق، أي أن الله ترك المقام على إطلاقه، «إلا ما استثناه الله»، فالله أعلم من الذي استثناه. لهذا كان شيخ ابن باز رحمه الله تعالى يتوقف فيقول عنها: عند الله لا ندري من هي المخلوقات التي لا يشملهم الصعق، فالله أدرى بخلقه سبحانه وتعالى. هذا، إخواني في الله، ما يتعلق بهذه المسألة التي سأل عنها المؤلف رحمه الله تعالى وأجاب عنها حول دليل النفخ في الصور وما يتعلق بعدد النفخات وأنها دائرة بين النفختين وبين الثلاث. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.