شرح أعلام السنة المنشورة  84

شرح أعلام السنة المنشورة 84

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 84، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مسألة أول الرسل بين نوح وآدم

يناقش المؤلف مسألة أول رسول أرسله الله بين نوح وآدم عليهما السلام، ويستدل بالنصوص الشرعية. يطرح إشكال اعتبار آدم نبياً أو رسولاً.

الرد على إشكال اعتبار آدم رسولا

يتناول المقطع الرد على الإشكال الذي يطرأ عند اعتبار آدم عليه السلام رسولا ونوح عليه السلام أول رسول، حيث قدم العلماء ردودا لحل هذا الإشكال.

ترتيب إدريس بين الأنبياء وتوضيح مكانه

يتناول المقطع إشكال ترتيب إدريس عليه السلام بين الأنبياء، ويقدم أدلة من القرآن والسنة لتوضيح أن إدريس عليه السلام جاء بعد نوح عليه السلام.

ترجيح المؤلف في مسألة أول الأنبياء أخيراً

يبقى المؤلف على ترجيحه بأن نوح عليه السلام هو أول الأنبياء، وهو قول جماهير أهل العلم، ويذكر آراء أخرى حول آدم عليه السلام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: من هو أول رسول؟ من هو أول الرسل؟ وهذا من المباحث الذي لها تعلق بمبحث الإيمان بالرسل، إذ أن العلماء رحمهم الله تعالى يذكرون في أثناء مسائلهم حول الإيمان بالرسل يذكرون التعريف بأول الرسل وبخاتم الرسل. فقال رحمه الله تعالى: قال أولهم بعد الاختلاف نوح عليه السلام، كما قال تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾، وقال تعالى: ﴿كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم﴾. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى خلاصة هذا المبحث، وذلك لظهوره في أن أول رسول أرسله الله جل وعلا نوح عليه السلام، ودل ذلك النصوص الشرعية من الكتاب والسنة. من القرآن ما ذكره لنا المؤلف رحمه الله تعالى في قوله: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾، بدأ به لعلوي رتبته، قال: كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، فهم كلهم بعد نوح عليه السلام، دلالة على أنه هو أول من بعث. وقال تعالى: ﴿كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم﴾، فبدأ ربنا جل وعلا بقوم نوح، هم الذين بدأوا التكذيب، ثم أن الأمم من بعدهم توالت على ذلك. وأما من السنة كذلك، وسيأتي معنا ما يتعلق بحديث الشفاعة، أن الناس عندما يأتون إلى نوح عليه السلام، فإنه يذكرون من فضائله أنه أول رسول بعثه الله سبحانه وتعالى. لكن هنا إخواني في الله تأتي مسائل وهي إشكال في ثلاث شخصيات فيها المزاحمة لهذه المسألة، وهم آدم وإدريس وشيث عليهم السلام، ثلاثة شخصيات نذكر كل واحد منها على حدة وما تحته من مسائل. عندما يذكر علماء مسألة أن أول رسول أرسله الله جل وعلا هو نوح عليه السلام، يأتي السؤال: وأين آدم؟ أليس آدم مبعوث من قبل ربه؟ أليس آدم أوحى الله إليه بوحي؟ بلى، فإن آدم عليه السلام مبعوث وأوحى إليه ربنا جل وعلا بالوحي، ومن ذلك فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، فتلقى آدم كلمات وهو وحي من عند الله عز وجل. قد مضى معنى أن يحكم على الرجل بأنه نبي ورسول بالإيحاء، فهنا أوحى الله إلى آدم، فآدم مبعوث من قبل ربه ولا شك ولا ريب أن آدم قبل نوح بقرون، طيب أين محله؟ فإذا قلنا أن نوح أول رسول، إذا ماذا نقول في آدم؟ ماذا نقول في آدم عليه السلام؟ هنا الرد إخواني في الله، نقول أولا: الرد الأول بأن يقال بأن آدم عليه السلام نبي، نبي ودلت على ذلك النصوص الشرعية، فمن تلكم النصوص قوله عليه الصلاة والسلام عندما سئل عن آدم: أنبي هو؟ قال: نعم مكلم، وهذا الحديث جاء في السنن من حديث أبي أمامة ومن حديث غيره، ويحسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى. فقوله عليه الصلاة والسلام: نعم، أي أنه نبي مكلم، فهذا فيه إثبات إلى أن آدم عليه السلام نبي، وبهذا الاعتراف بهذا الإقرار والتقعيد لأنه لا إشكال عندنا، فيبقى أن آدم هو يعتبر أول نبي، وأن نوح عليه السلام يعتبر أول رسول، وبهذا لا إشكال في هذه المسألة. الإشكال يقع في حق من قال بأن آدم رسول، وهل أحد يقول بهذا؟ نعم، جماعة من أهل العلم، بل ينسب هذا الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، يرى أن آدم عليه السلام رسول كما أن نوح رسول، هذا ينسب لابن حجر لجماعة من أهل العلم، واستدلوا بأن الله سبحانه وتعالى اصطفى آدم، وقالوا هؤلاء بأن الاصطفاء دلالة على الرسالة، الاصطفاء إن الله اصطفى آدم، قالوا هذه الاصطفاء يدل على الرسالة، بما أنهم مصطفى فهو رسول. إذن فمن قال بأن آدم رسول، ومن قال بأن نوح رسول، هنا يقع الإشكال، فكيف نقول بأن نوح أول رسول وآدم قبله عليه السلام؟ قال علماء هنا الرد من جهتين اثنتين، هذا في حق من قال وأراد أن يثبت أن آدم عليه السلام له الرسالة. فيكون الرد حتى نحافظ على هذا الذي عليه جماهير العلماء من أن نوح هو أول رسول، فمن قال بأن نوح كذلك رسول، فنقول الجمع بينهما يكون بأمرين اثنين، كما صرح بذلك الحفاظ، وقد نبأ على ذلك الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى عندما وضع ذلك الإشكال في تفسيره وأجاب عليه بهاتين الإجابتين رحمه الله تعالى. الوجه الأول أن يقال أن آدم إنما أرسل لزوجته وذريته الذين هم في الجنة، وأما نوح عليه السلام فقد أرسل إلى أهل الأرض، فقد أرسل إلى أهل الأرض، فهذا وجه، ومما يدلك على ذلك حديث الشفاعة، إذ أنه في الحديث يقول يقال عن نوح عليه السلام: ائتوا نوحا، فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، وهذا جاء في الصحيح. فقال: ائتوا نوحا، فإنه أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، إذن نوح إذا من قال بأن آدم مرسل، فيقال أن آدم إنما أرسل لذريته ولزوجته الذين هم في الجنة، وأما نوح فقد أرسل إلى أهل الأرض. الوجه الثاني وكذلك وجه حسن، أن آدم عليه السلام إنما أرسله ربه سبحانه وتعالى إلى ذريته وهم الذين على الفطرة، وهم الذين على الفطرة لم يكن فيهم كفر ولم يظهر فيهم شرك، وإنما نوح عليه السلام أرسله ربنا جل وعلا إلى قوم كافرين به، إلى قوم كفار، إلى قوم كفار. وبهذا الاعتبار يعتبر آدم عليه السلام يعتبر نوح عليه السلام بأنه أول رسول أرسله الله بعد الاختلاف، وهذا الذي تلاحظونه الآن في عبارة الحافظ الحكمي، ما الذي قال الحكمي في إجابته؟ قال: أولهم بعد الاختلاف نوح عليه السلام، لعل الحافظ الحكمي يعلم الخلاف الدائر بين العلماء في من قال أن آدم رسول وأن نوح رسول، فكيف جعلتم نوح أول رسول؟ فهذا يقيد بعد الاختلاف، بعد وقع الكفر وبعدما وقع الشرك، فإن أول من أرسله الله سبحانه وتعالى هو نوح عليه السلام. أما آدم فمن قال برسالته إنما كان برسالته إلى قوم معه وهم أبناؤه وذريته، ولم يكن بينهم كفر ولم يكن هناك شرك، فهذا إخواني في الله الجمع الحسن في هذه المسألة، في من قال ببعثة آدم عليه السلام، نقول أولا بأن آدم نبي ونوح رسول فلا إشكال، فالعبارة صحيحة بأن نوح يعتبر أول رسول، وأن آدم يعتبر أول نبي. ومن زعم أو من قال ومن رجح أن آدم كذلك ورسول، فوجه الجمع بينه وبين نوح بهذا الاعتبارين، يقال أن نوح عليه السلام أرسله الله إلى أهل الأرض، فهو أول من أرسل إلى أهل الأرض، بينما إنما آدم بعثته ورسالته كان لمن كان عنده من أهل الجنة. وزد على ذلك الجمع الثاني بأن آدم عليه السلام إنما رسالته كانت لأناس لأناس معه على الفطرة، بينما نوح عليه السلام كانت رسالته بعد الاختلاف، بعد الاختلاف أي بعد ظهور الكفر. وسأتي في سؤال الذي بعد هذا حول ما المقصود بالاختلاف، هذا الأمر الأول هو ما يتعلق بآدم عليه السلام. الإشكال الثاني في قضية إدريس عليه السلام، من قرأ في كتب المؤرخين خاصة وكتب التواريخ وهكذا من بعض المفسرين، أنهم درجوا على ذكر إدريس عليه السلام بين نوح وآدم، يجعلوا رتبته في هذه الرتبة بين آدم وبين نوح، باعتبار أن إدريس قبل نوح، باعتبار أن إدريس قبل نوح. قال علماء: طبعا بل حتى أن بعضهم ليس هذا بل بعضهم إذا ما يريد أن يسرد لنا نسب نوح عليه السلام، فإنه يسند لنا اسم نوح مع أبيه إلى جده، وتجد أن جده إدريس، أي لما اكتفوا فقط أن إدريس قبل نوح، بل يعتبرون أن إدريس هو جد نوح، جد نوح، إذن هو ماذا؟ إذن إدريس أرسل قبل نوح، فكيف الجمع في هذه المسألة؟ الأول إخواني في الله أن يقال: ألا أن نضع نحن لا نشك، فأن إدريس عليه السلام نبي من أنبياء الله، بل جاء ذلك في الكتاب، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا﴾، فربنا أعطاه النبوة، أعطاه النبوة. أما القول بأنه كان قبل نوح، هذا يحتاج الآن إلى دليل، هذا يحتاج إلى دليل، وما يذكره المؤرخون وخاصة في الشجرة هذه، بعض الذي عنده الشجرة للأنبياء وشجرة الرسل، يجد أنهم يكتبون ثرعة إدريس قبل نوح، أي آدم إدريس ثم يذكرون نوح بعد هذا. فالذي يقول بهذا يحتاج إلى دليل، يحتاج إلى دليل، ويمكن الرد على هؤلاء بدليلين، بدليل من القرآن ودليل من السنة، من السنة يستأنس به، وهو في حديث المعراج، إذ أن نبينا عليه الصلاة لما عرج به إلى السماء، وفي السماء الرابعة وجد إدريس عليه السلام، فإذ بد إدريس يرحب بنبينا عليه الصلاة والسلام قائلا له: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. قال علماء: لو أن كما يذكر أهل التاريخ من أن إدريس عليه السلام كان جد نوح وأنه كان من القدامة، كان من حق أن يقول في حق نبينا: أهلا بالإبن الصالح، أهلا بالإبن أو مرحبا بالإبن الصالح، فقوله: مرحبا بالأخ الصالح، دل على أنه ماذا؟ كسائر الأنبياء، كسائر الأنبياء، وأنهم لم يسبق بشيء قبل نوح. وإن كان بعضهم ما أسلم بهذا، قال: لعله قال ذلك تواضعا، لعل ذلك تواضعا، والدليل الثاني الذي يدول على أن إدريس بعد نوح عليه السلام، هذه الآية ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، هي قوله: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾، وهذا نص ماضح، والنبيين من بعده، فالوحي أنزله ربنا عز وجل بدءا بنوح والأنبياء من بعده. فإذا كان إدريس نبي، إذا نبوته كانت بعد ماذا؟ بعد نوح عليه السلام، فهذه الآية نص نص صريح على أن ما أحد هناك سبق نوح عليه السلام، أما آدم فقد جاء به النص، فلا يشغف أحد، فقلنا آدم جاء في حق النصوص، وأما ما يذكر في حق إدريس عليه السلام، فهذا لا يقال به، فإدريس نعم نبي أرسله الله بالوحي والنبوة، لكن أما أن يدعى بأنه قبل نوح، فهذا لا يسلم، بل أدل كما سمعتم حديث المعراج، وكذلك في قوله تعالى: ﴿والنبيين من بعده﴾، دلالة على أن إدريس بعد نوح عليه السلام. باقي شيث، شيث نعم يذكره العلماء وكثير من المفسرين، بل يقولون أنه أول واحد من ذرية آدم أعطاه الله النبوة هو شيث عليه السلام، لكن أين الدلالة على ذلك؟ فالله أعلم بحقيقة هذه المسألة، فما عندنا دلالة على ذلك. ولهذا إخواني نبقى على أصل المسألة وما رجحه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: أولهم بعد الاختلاف نوح عليه السلام، هذا قول جماهير أهل العلم، قول جماهير أهل العلم، فهذه مسألة إن شاء الله لا إشكال فيها، وما يذكر من أمر آدم كما سمعنا، إن من يقال في حقه نبي فلا إشكال، أو يقال أنه رسول لكن أرسل إلى أهل الجنة وقبل الاختلاف. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.