الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 116، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الإيمان بالجنة والنار يعني التصديق بوجودهما وبأنهما مخلوقتان وباقيتان أبدًا، ويشمل الإيمان بالنعيم والعذاب فيهما. يُعتبر الشك أو التكذيب بهما كفرًا بالإجماع.
أهل السنة يعتقدون أن الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان الآن، مستدلين بالقرآن والسنة وإجماع سلف الأمة. بينما أنكرت بعض الفرق مثل القدرية والمعتزلة وجودهما.
استدلال المتحدث بالأحاديث النبوية على وجود الجنة والنار، حيث ذكر النبي رؤيته لأهل الجنة والنار، وأشار إلى أن شدة الحر من فيح جهنم، كما أخبر عن شكوى النار من حرارتها وبرودتها.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما معنى الإيمان بالجنة والنار؟ مر معنى أن من أصول الإيمان باليوم الآخر أن تؤمن بالجنة والنار، بقي ما المقصود بالإيمان بهما؟ سيوضح المؤلف رحمه الله تعالى أهم العقائد التي ينبغي أن يعتقدها المؤمن في مسألة الجنة والنار. قال رحمه الله تعالى: معناها التصديق الجازم، فالتصديق أخرج التكذيب، فمن كان مكذبًا بالجنة والنار ويعد كافرًا بهما، فهو كافرًا بالدين والملة، والتصديق الجازم أخرج الشك وأخرج الريب وأخرج التردد، فمن كان شاكًا مترددًا بالجنة والنار، فهذا لا يكون مصدقًا، فهذا يكون كافرًا، فهذا بالإجماع. قال: معناه التصديق الجازم بوجودهما، وأنهما مخلوقتان الآن، هذه المسألة الأولى مما ينبغي أن نعتقده في الجنة والنار أنهما مخلوقتان موجودتان الآن، قالوا: إنهما باقيتان بإبقاء الله لهما، لا تفنيان أبدًا، وهذه المسألة الثانية أنها باقية لا يعتريها الهلاك ولا الفناء، وإنما هي باقية بقاءٌ سرمدي أبدي. قال: ويدخل في ذلك كل ما احتوَت عليه هذه من النعيم وتلك من العذاب، إذن هذا أهم المسائل التي ينبغي أن يقر بها المؤمن والمؤمنة في سبيل أن يكون مؤمنًا بالجنة والنار أنهما مخلوقتان موجودتان باقيتان لا تفنيان. قال رحمه الله تعالى: ما الدليل على وجودهما الآن؟ ما الدليل على أن النار والجنة موجودتان الآن؟ وهذه مسألة لا خلاف فيها بين أهل الإسلام في الصدر الأول من لدن الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى زمن التابعين، وهم على هذا الرأي على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، وهذا لا ينازع فيه أحد. إلا عندما جاءت الخلوف وظهرت البدعة واشرأبت أعناقها، كحال القدرية والمعتزلة ممن أنكروا وجود الجنة والنار، وأنهم غير موجودتان الآن، كما سيأتي ذكره، وأما من عقيدة أهل السنة والجماعة بدلالة القرآن، بدلالة السنة، بإجماع سلف الأمة، فإن الجنة والنار موجودتان. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا الله عز وجل أنهما معدتان، فقال في الجنة: أعدت للمتقين، وقال في النار: أعدت للكافرين، فكلمة أعدت بمعناها هيئت، فالجنة قد هيئت والنار كذلك أعدت بمعنى هيئت، فهذه الدور معدة قد انتهى أمر تهيئتها. قال: وقال وأخبرنا أنه تعالى أسكن آدمًا وزوجه الجنة قبل أكلهم من الشجرة، وكذلك مما يستدل على وجود الجنة سلفًا مسبقًا أن الله أسكن آدم وزوجه فيها، طبعًا هذه المسألة تتفرع على مسألة قبل ذلك، وهي مسألة الجنة التي أسكن الله جل وعلا آدم وحواء فيها، هل هي جنة الخلد أم أنها جنة أخرى؟ قيل: إنها في السماء، وقيل: إنها في الأرض على أقوال، والذي عليه أكثر العلماء وجمهور أهل السنة على أنها جنة الخلد. قال: وأخبرنا تعالى بأن الكفار يعذبون على النار غدوا وعشيا كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿النار يعذبون عليها غدوا وعشيا﴾ وذلك في عذاب القبر كما سيأتي، فربنا أخبر أن النار تعذب عليهم وأنهم يصطلون فيها، وخطاب ربنا حق هؤلاء في الدنيا، أي في هذه الدنيا وهم يصطلون بالنار، فدل على وجودها وأنها موجودة. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، وإطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء» الحديث، وفي البخاري ومسلم من حديث ابن عباس، وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «إطلعت في الجنة فرأيت»، إذا رأى رأى نبينا عليه الصلاة والسلام ما رأى من الجنة، واطلع كذلك على النار، فكيف يقال أن النار غير موجودة وأن الجنة غير موجودة؟ إذا فما الذي طلع عليه نبينا؟ يطلع على ماذا؟ على خيال على تمثيل؟ قال: وقال عليه الصلاة والسلام: «أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم»، الإبراد بالصلاة وهو أن تؤخر وقت الصلاة لكي يبرد الوقت، وهذا يحتاج إليه الناس، وقال صافي وقت الصيف والحر، وأعظم صلاة يحتاج إليها هذا التطبيق في صلاة الظهر مع الزوال مع زوال الشمس تكون الشمس عامودية فوق رؤوس العباد فيشتعل الجو حرارة، هنا أمر نبينا بالإبراد إبرادها أن تؤخر الصلاة. قال: وقال عليه الصلاة والسلام: «اشتكت النار إلى ربها عز وجل فقالت: ربي أكل بعضي بعضا، فأذن لي بنفسين، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير»، رواه البخاري ومسلم، قوله عليه الصلاة والسلام: «اشتكت النار إلى ربها»، فقالت: ربي، إذن النار تتكلم، تتكلم النار، يجعلها ربنا حس يجعلها ربنا إدراك. قال: وقال عليه الصلاة والسلام: «الحم من فيح جهنم، فأبردوها بالماء»، والحم نجدها الآن، والحم أخبرنا بأنها من أثر النار، إذن النار موجودة بدليل الحم، موجودة، وهذا مما يستدل بها على وجود الجنة والنار. قال: وقال عليه الصلاة والسلام: «لما خلق الله الجنة أرسل جبريل إلى الجنة قال: اذهب فانظر إليها»، وقد عرضت عليه صلى الله عليه وسلم في مقامه يوم كسفت الشمس، وعرضت عليه ليلة الإسراء، وفي ذلك من الأحاديث الصحيحة ما لا يحصى، والأدلة واضحة جلية بينة مفيدة على أن الله سبحانه وتعالى خلق الجنة والنار، وأنهما موجودتان الآن، وأن ذلك من الفوائد التربوية. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.