شرح كتاب الصلاة 38

الدرس في شرح كتاب الصلاة 38، ألقاها

سنن يوم الجمعة وأحكامها

يستحب للمسلم أن يغتسل ويتطيب ويتنظف يوم الجمعة، كما يستحب حلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظافر لتحقيق النظافة والطهارة. هذه السنن ثبتت بالأحاديث النبوية الصحيحة.

استحباب التجمل يوم الجمعة وفضائل الأعمال

يستحب للمسلم التجمل يوم الجمعة بلبس أحسن الثياب واستعمال الطيب والسواك والإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. كما يستحب قراءة سورة الكهف والصلاة ركعتين عند دخول المسجد.

أفضل ساعة للدعاء وتحري ساعة الإجابة

آخر ساعة يوم الجمعة قبل المغرب هي الساعة المستجابة للدعاء إن شاء الله، وقد دل حديث جابر على ذلك. يُحرص المسلم على الدعاء في هذه الساعة لتحقيق الإجابة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله في ذكره- لما يتعلق بصلاة الجمعة، وفي ذكر لسنن الجمعة، قال: ويسن ثانيًا الاغتسال في يومها؛ لحديث أبي هريرة الماضي: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة...». وينبغي الحرص عليه وعدم تركه، وبخاصة لأصحاب الروائح الكريهة، ومن يعملون الذي ربما يعمل في نهار يوم الجمعة أو يأتي من مكان بعيد، أو شيء من ذلك مما يكون سببًا في نزول العرق وخروج الرائحة الكريهة. مثل هذا يتأكد في حقه الغسل. وسيأتي أن الصحيح أن غسل الجمعة واجب. قال: واختلف العلماء من أوجبه؛ لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم»، متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري. ولعل القول بوجوبه أقوى وأحوط، وأنه لا يسقط إلا لعذر. القول بالاستحباب غسل يوم الجمعة هو مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وجمهور العلماء على استحباب غسل يوم الجمعة. والقول بالوجوب قول جماعة من أهل العلم، وهو الأظهر والأصح؛ وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم». والأصل في إطلاق الوجوب أنه يدل على الإلزام بالفعل، يدل على الإلزام بالفعل. وقوله: «على كل محتلم» يعني بالغ، على كل بالغ. وحيث ابن عمر كذلك في الصحيح: «من جاء منكم الجمعة فليغتسل». وغسل الجمعة -على الصحيح- مرتبط بحضور الجمعة، مرتبط بحضور الجمعة. فمن كان معذورًا في التخلف عن الجمعة لا يجب عليه الغسل؛ كالمريض والمسافر والمرأة والصبي. هؤلاء لا يجب عليهم الغسل، إنما يجب على البالغ الذي شهد الجمعة منهم. «من جاء منكم الجمعة فليغتسل». وليس هناك صارف صحيح يصرف هذا الوجوب إلى الاستحباب. وأما حديث سمرة الذي سل به الجمهور: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل»، فهو من طريق الحسن عن سمرة، وفي سماعه منه خلاف. ويذهب بعض المحققين إلى أنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة، مع ركاكة ألفاظه، كما قال بعض أهل العلم، مما يدل على أنه ليس من قوله عليه الصلاة والسلام. وأحاديث الوجوب صريحة وأصح. وأحاديث الوجوب صريحة وأصح، وهو أحوط -كما قال المؤلف- وأبرأ للذمة. قال ثالثًا: ويسن التطيب والتنظف وإزالة ما ينبغي إزالته من الجسم؛ كتقليم الأظافر وغيره. والتنظف أمر زائد على الاغتسال، ويكون ذلك بقطع الروائح الكريهة وأسبابها؛ كالشعور التي أمر الشارع بإزالتها؛ كشعر الإبط وشعر العانة. قال: والأظافر كذلك إزالتها وتقليمها؛ لأنها سبب لتجمع الأوساخ تحتها. قال: ويسن حلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظافر وحف الشارب -يعني تخفيفه وقصه-. وقد مر معنا الكلام عليها في الدروس التي قد مضت. وقد حد النبي عليه الصلاة والسلام أربعين يومًا لإزالتها؛ فينبغي للمسلم أن يزيلها بعد أن أخرها إلى أربعين يوم، فلا يؤخر أكثر من ذلك، فيزيلها في الأربعين؛ حتى يكون على أكمل هيئة من النظافة. وكذلك أيضًا إبعاد أسباب الروائح الكريهة وتجمع الأوساخ. وهذا -كما قال- شيء زائد على الغسل، التنظف شيء زائد على الغسل. قال: وحف الشارب مع التطيب -يعني استعمال الطيب والعطر- حتى يكون على رائحة طيبة؛ لحديث سلمة رضي الله عنه مرفوعًا: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر -يعني من تنظيف-، المراد بالطهر هنا التنظف، أن يتنظف بإزالة هذه الشعور التي أمر الشارع بإزالتها وتقليم الأظافر، ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته». يدهن من دهنه -يعني إن كان له دهن خاص به استعمله فيستعمله-، فإن لم يجد استعمل من طيب بيته -يعني الطيب الذي في البيت ولو كان من طيب امرأة- كما قال بعض أهل العلم فيستعمله. وبعض قال: من طيب بيته يعني طيب امرأته. ومنهم من قال: من طيب بيته أي الطيب الذي يتيسر في البيت، الطيب الذي يتيسر في البيت فيستعمله ويطيب به. قال: قال ابن حجر: من طهر المراد به المبالغة في التنظيف، ويؤخذ من عطفه على الغسل أن المراد به التنظيف بأخذ الشارب والظفر والعانة. يعني أنه ذكر الطهر بعد الاغتسال «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر» يدل على أن المراد بالتطهر هنا غير الاغتسال، فيكون شيء زائد عن الاغتسال، وهو إزالة هذه الأشعار: شعر العانة والإبط والشارب؛ فيكون على أكمل هيئة من التنظيف. وهذا فيه أن هذه الشريعة تأمر بالنظافة، تأمر بالنظافة أن يكون المسلم نظيفًا في بدنه وفي ثوبه وفي هيئته. قال رابعًا: ويسن له أن يلبس أحسن الثياب؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء عند باب المسجد -سيراء يعني من حرير- قال: يا رسول الله لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا عليك. فقد استدل به البخاري رحمه الله على لبس أحسن الثياب للجمعة. والنبي صلى الله عليه وسلم رد على عمر بقوله: «إنما يلبس هذه من لا خلاق له»، أنكر لبسها، لكن ما أنكر قوله: للجمعة وللوفد؛ فدل على أنه يستحب التجمل بيوم الجمعة بلبس أحسن الثياب، وكذلك أيضًا استقبال القادمين والضيوف بالثياب الحسنة. قال: فقال -أي البخاري- باب: يلبس أحسن ما يجد -يعني في الجمعة- يلبس أحسن ما يجد. استدل بهذا الحديث لقول عمر رضي الله عنه: تلبستها يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا عليك. قال الحافظ ابن حجر: ووجه الاستدلال به من جهة تقريره صلى الله عليه وسلم لعمر على أصل التجمل للجمعة. قالوا: لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته» -أي ثوب خدمته وشغله-، الحديث رواه أبو داود وابن ماجة وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. قال: «ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته» -يعني إزار ورداء- إذا كان له ثوب لمهنته -يعني لعمله وخدمته التي يقوم بها- يجعل له ثوبين يخصصهما ليوم الجمعة يتجمل بهما يتجمل بهما. وهذه -يعني السنة- بحمد الله تجد الناس حريصين على -يعني فعلها- أنهم يجعلون ثيابًا حسنة ليوم الجمعة، ويتجمل المسلم ليوم الجمعة، هذا -يعني من السنة- أمر مستحب. وجاء عند من أبي شيبة من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن من الحق على المسلم إن كان يوم الجمعة السواك وأن يلبس من صالح ثيابه وأن يتطيب بطيب إن كان». «إن من الحق على المسلم إذا كان يوم الجمعة السواك» -يعني أن يتسوك- استعمال السواك؛ فهذا يدل على استحباب السواك في يوم الجمعة على جهة القصوص والحرص على اقتنائه واستعماله. قال: «وأن يلبس من صالح ثيابه» -يعني أحسن ثيابه التي عنده- «وأن يتطيب بطيب إن كان» -يعني إن وجد فيلمس هذا الطيب ويستعمل هذا الطيب- هذا حق على المسلم في يوم الجمعة: السواك، ولبس أحسن الثياب، واستعمال الطيب. قال خامسًا: ويسن في يومها وليلتها الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أكثر من الصلاة علي يوم الجمعة»، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. ومن حديث أوس بن أوس رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: «أكثر من الصلاة علي يوم الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي». قال: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت -يعني بليت- قال: «إن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء». وفي حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام: «إن لله ملائكة يبلغون عن أمتي السلام». فالإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة هذا من الأمور المستحبة، أن يحرص المسلم وطالب العلم على الإكثار من الصلاة عليه عليه الصلاة والسلام في يوم الجمعة، لكن تكون الصلاة على جهة وطريقة مشروعة؛ أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم لوحده: «اللهم صل على محمد»، «اللهم صل على محمد»، أو صلاة إبراهيمية. أما ما يفعله المتصوفة من إحياء الموالد بزعم أنها للصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام فهذا أمر محدث. نعم، هذا أمر محدث يسوغ مشروع، لكن لك أن تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم متى شئت: في بيتك، في طريقك، في مسجدك، تصلي عليه ما شئت، تكثر من الصلاة عليه عليه الصلاة والسلام في يوم الجمعة زيادة على غيره من الأيام، مع الحرص على الصلاة عليه في سائر الأيام. وأكثر الناس صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أهل الحديث، أهل الحديث، وهم كل يوم يذكرون النبي صلى الله عليه وسلم: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام ثبت عنه عليه الصلاة والسلام فعل كذا، قال كذا. فهم كل يوم هم يذكرون النبي صلى الله عليه وسلم، لا سيما غيرهم، وما يعرفون الله. في الأسبوع يوم واحدًا، أما أهل السنة والحديث فيذكرونه عليه الصلاة والسلام في كل يوم. أهل الحديث هم أهل النبي، وإنهم يصحبوا نفسه، أنفاسه صحب. قال السادس: ويسن أن يقرأ في فجرها في الصلاة بسورتي السجدة والإنسان؛ لمواظبته صلى الله عليه وسلم على ذلك -يعني كان يواظب في قراءة سورة السجدة وسورة الإنسان في صلاة الفجر في فجر يوم الجمعة- فقراءة هاتين سورتين من الأمور المستحبة، ويواظب على ذلك. وإن خالف أحيانًا لا بأس، أحيانًا في النادر؛ حتى لا يظن الناس أنها واجبة -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- فلا بأس، لكن يكون الأكثر والأغلب هو القراءة لهاتين السورتين. وأما ما يفعله بعضهم من أن يقسم سورة السجدة يقسمها على الركعتين: يقرأ في الأولى نصفها، وفي الركعة الثانية نصفها؛ هذا خلاف السنة والمواظب على ذلك، هذا قد يكون من البدع. والسنة أن تقرأها كاملة في الركعة الأولى، وفي الركعة الثانية سورة الإنسان. قالوا: وفي يومها بسورة الكهف؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء به يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين». الحديث أخرجه الحاكم وصححه الألباني في الإرواء من حديث ابن عمر: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء» -يعني إلى السماء- «يضيء به يوم القيامة»؛ هذا فضيلة عظيمة ينالها المسلم بقراءته لسورة الكهف يوم الجمعة. «وغفر له ما بين الجمعتين» -غفر له ما بين الجمعتين- أي صغائر الذنوب، تغفر له صغائر الذنوب ما بين الجمعتين؛ فهذه فضيلة لقراءة هذه السورة، فيحرص المسلم وطالب العلم على قراءتها. وصح أيضًا حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له نور ما بين الجمعتين». أخرجه الحاكم والبيهقي موقوفًا على أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وله حكم الرفع؛ له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا لا يقال بالرأي. قال سابعًا: ويسن لمن دخل المسجد يوم الجمعة ألا يجلس حتى يصلي ركعتين؛ لأمره صلى الله عليه وسلم بذلك. والحديث في صحيح البخاري وفي مسلم أيضًا من حديث جابر: أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلًا في يوم الجمعة جلس، قال: «أصليت يا فلان؟» قال: لا، قال: «قم فصلي ركعتين». فمن دخل للمسجد ولو في يوم الجمعة وهو الإمام يخطب؛ فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين، يصلي ركعتين ثم يجلس. لكن إذا كان الإمام يخطب؛ فإنه يستحب أن يخففها -يعني ما يطيل القيام والقراءة فيها- بل يجعلها خفيفة. لكن لا يجلس حتى يصلي ركعتين. وإذا جاء والمؤذن يؤذن؛ هل يستمع الأذان، واستماعه مصلحة، ثم يصلي بعد الأذان؟ أو أنه يصلي والمؤذن يؤذن؛ حتى يستمع بعد ذلك للخطيب؟ فالجواب: أنه يصلي يصلي والمؤذن يؤذن؛ لماذا؟ لأن استماع الخطيب واجب، واستماع المؤذن مستحب. واستماع المؤذن مستحب، وإذا اجتمعت عندنا مصلحتان؛ فيقدم العليا منهما، فالمحافظة على سماع الخطيب مقدمة على المحافظة على سماع المؤذن. نعم، فيصلي يصلي ولا يتابع المؤذن في أذانه؛ حتى يستمع لخطبة الخطيب. قال: ويجزي فيهما إذا كان الإمام يخطب. قال ثامنًا: ويسن أن يكثر من الدعاء ويتحرى ساعة الإجابة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه». والحديث في الصحيحين: «إن في الجمعة لساعة -ساعة يعني لحظة من الوقت- لحظة من الوقت قد تقدر بالساعة المعروفة الزمنية أو تكون أكثر أو أقل. لا يوافقها عبد مسلم»؛ فهذه الفضيلة لا ينالها إلا المسلم، أما الكافر فلا ينال هذه الفضيلة. «وهو قائم يصلي»؛ هل مراد بالصل، الصلاة الشرعية؟ أو المراد بها الصلاة اللغوية بمعنى الدعاء؟ الأظهر أن المراد بها الثاني، وهو قائم يصلي -يعني يدعو- فالصلاة في اللغة بمعنى الدعاء، يسأل الله شيئًا -يعني من خير الدنيا والآخرة- إلا أعطاه إياه. في ساعة من ساعات التي يستجاب فيها الدعاء؛ يحرص المسلم على استغلالها ودعاء الله عز وجل فيها. واختلف العلماء في تحديدها على أقوال عديدة، ذكر حافظ ابن حجر رحمه الله أقوالًا متعددة في تحديد هذه الساعة، ورجح أنها آخر ساعة يوم الجمعة. وهذا أرجح الأقوال؛ لدلالة حديث جابر عليه أنها آخر ساعة يوم الجمعة -يعني آخر ساعة قبل المغرب- هي الساعة المستجابة إن شاء الله التي يحرص المسلم على أن يدعو الله عز وجل فيها. طيب، هذا نكون انتهينا مما يتعلق بيوم الجمعة. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على