الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 16، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يطرح المؤلف أهمية شروط شهادة أن لا إله إلا الله ويشير إلى أن مجرد النطق بها لا يكفي لدخول الجنة. يشدد على ضرورة تحقيق شروطها وفرائضها.
يشرح الإمام شروط لا إله إلا الله ويبين أنها مستفادة من جهتين: نصوص خارجية وألفاظ الشهادة نفسها. يشدد على أن هذه الشروط تشمل النطق والعلم والاعتقاد والصدق.
يؤكد على أن لا يكفي نطق كلمة التوحيد بل يجب توفر شروطها في قائلها. يشير إلى أهمية تحقيق هذه الشروط للانتفاع بها.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما هي شروط شهادة أن لا إله إلا الله التي لا تنفع قائلها إلا باجتماعها فيه؟ مر معنا في دروس خلت بأن المؤلف رحمه الله تعالى بصدد الكلام على أركان الإسلام، وكان أول ركن بدأ به ما يتعلق بالشهادتين، ببيان التنويه على فضلها وعلى علو شأنها. ثم عرج المؤلف رحمه الله تعالى على ذكر أهم المسائل المتعلقة بشهادة أن لا إله إلا الله، من ذلك الدليل على الشهادة، وبعد ذلك معنى الشهادة أن لا إله إلا الله. وهو الآن يسأل هذا السؤال، ومن الأسئلة المهمة التي ينبغي أن يكون المسلم والمسلمة على دراية بها. فذكر ما هي شروط شهادة أن لا إله إلا الله التي لا تنفع قائلها إلا باجتماعها فيه، أي إشارة من المؤلف رحمه الله تعالى إلى أن هذه الكلمة من ورائها شروط وضوابط وأمور ينبغي أن يتقيّد بها كل من تلفظ بهذه الكلمة. قال رحمه الله تعالى: شروطها سبعة: الأول العلم بمعناها نفيا وإثباتا، والثاني استيقان القلب بها، الثالث الإنقياد لها ظاهرا وباطنا، الرابع القبول لها، فلا يرد شيئا من لوازمها ومقتضياتها، الخامس الإخلاص فيها، السادس الصدق، الصدق من صميم القلب لا باللسان فقط، السابع المحبة لها ولأهلها والموالاة والمعادات لأجلها. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذه الشروط السبعة التي ينبغي أن يتصف بها قائلها عند نطقه بلا إله إلا الله. وقبل الدخول إخواني في الله في هذه الشروط السبعة، هناك عدة مسائل نقف عندها، وهي بأهمية بمكان. أولى هذه المسائل ما يتعلق بطرح السؤال الذي طرحه المؤلف رحمه الله تعالى علينا، وهو أنه ذكر أشياء ينبغي أن تكون، وأن تكون معنا عند نطقنا بلا إله إلا الله، فدل ذلك تضمنًا إلى أن هذه الكلمة لوحدها لا ينتفع بها قائلها. وهذا السؤال الذي يسأل عنه كثيرا: هل يمكن للمسلم أن ينتفع بهذه الكلمة فقط إذا نادى وإذا نطق بها ليل نهار؟ لا يقال: لا ينتفع بها هذه الكلمة، لا ينتفع بها المسلم، بل لابد من ضوابط، من قيود، من أمور ينبغي أن تحف هذه الكلمة. وهذه القيود وهذه الشروط وهذه الضوابط، إخواني في الله، قد عنى بها السلف رحمهم الله تعالى، وأشار إليها العلماء في الصدر الأول. فهذا وهب بن المنبه رحمه الله تعالى سئل، ما جاء في صحيح البخاري معلقا، قيل له: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ يعني يوضح لهذا الإمام أن هذه الكلمة إذا كانت معك فإنك قد حزت على مفتاح الجنة، تدخل للجنة متى ما شئت بهذا المفتاح. فقال رحمه الله تعالى لما سئل: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن أليس المفتاح له أسنان؟ أليس المفتاح له أسنان؟ فقال رحمه الله تعالى: فإن جئت بمفتاح له أسنان دخلت الجنة. أي فتح لك، يعني الإمام رحمه الله تعالى وهب عندما احتج به بأن مفتاح الجنة لا إله إلا الله، نبه أن هذا المفتاح إخواني فينا لا يكون أصم، بل له أسنان، له أسنان. وبأن تعرف الأبواب، لا تفتح بأي مفتاح، لو ربما جئت بمئة مفتاح ثم تدخله في هذا القفل ما يفتح لك؛ لأنه ليس مفتاحه، لأن الأسنان ما توافقت معه. فلا بد لكل مفتاح من أسنان. فقال رحمه الله تعالى: أليس لكل مفتاح أسنان؟ فإن جئت بمفتاح لا أسنان له ما يفتح لك. فلو جئت بمفتاح أصم وحاولت أن تفتح هذا الباب لن يفتح لك، ما عندك مفتاح لكن بلا أسنان. فدل ذلك إخواني في الله على أن هذه الكلمة لابد لها من أسنان، بمعنى لابد لها من ضوابط، لابد لها من أمور، لابد لها من قيود، لابد لها من شروط. وهكذا ما ذكره الحسن البصري رحمه الله تعالى، مبينا ومنبها لهذا المعنى، وهو عبارة عن فكر عند كثير من الناس يظنون أن بقولك لا إله إلا الله فحسب أن ذلك ينفعك. قال الحسن رحمه الله تعالى: قال إن ناسا يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة. فقال رحمه الله تعالى: من قال لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة. من قال لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة. فذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذه الشروط السبعة، وقبل الدخول في تفاصيلها، هناك مسائل مهمة ينبغي الوقوف عندها. أولها: أن هذه الكلمة لا تنفع قائلها إلا بشروطها، فلو نطق بها الإنسان بدون هذه الشروط، لم تنفعه. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مبينا حقيقة هذه المسألة: من اعتقد أن بمجرد لفظه بالشهادة يدخل الجنة ولا يدخل النار، فهو ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة. هذا ضال، من اعتقد هذا الاعتقاد، اعتقاده أوصله إلى أنه إذا نطق بلا إله إلا الله فقط، هذه كافية بإدخاله الجنة وإبعاده عن النار من غير عمل، من غير ترك، من غير زجر، من غير شريعة، يعتقد هذا. والعجب إخواني في الله أن نجد طوائف من الفقهاء ومن المتفقهة أصحاب المذاهب، من لربما يكرس عمره بل لربما يجد ويجتهد في تعليم أتباعه ومريديه ما يتعلق بشروط الطهارة بشروط الصلاة، وهذا أمر إن شاء الله حسن إذا كانت بضوابط الشرعية. فلربما حتى أنهم ألقنهم بالألقاب شروط الصلاة سبعة، شروط الطهارة ثمانية، شروط كذا ستة، أربعة، ثلاثة، حتى كما قال بعض مشائخنا: أصبحت المتون الفقهية كالأوامر العسكرية تطرح لك أرقام، واحفظها وعمل بها من غير دليل. ونحن عندما نقول بشروط السبعة ينبغي أن تتوفر، تتوفر في الواقع، لا ما تتوفر في الرأس تحفظ ليك معلومات تسردها لي سردا، وأنت في واقع عارم عن التطبيق. فلا بد أن يظهر أثرها في واقعك. وهذه المسألة، مما ينبغي أن يتنبه لها، أن هذه الشروط السبعة ليست بأمور اجتهادية، بل هي أمور دل عليها الكتاب والسنة وإجماع الأمة. والأدلة الدالة على الشروط السبعة جاءت من جهتين اثنتين: الجهة الأولى أنها جاءت من نصوص خارجية، نصوص من هنا تدل على وجوب العلم بلا إله إلا الله، أدلة دالة على وجوب الإنقياد ل لا إله إلا الله، أدلة دالة على وجوب الصدق في لا إله إلا الله، وهكذا. والجهة الثانية التي تستفاد منها شروط لا إله إلا الله، من نفس الشهادة، من نفس الشهادة وهي قولنا: شهادة أن لا إله إلا الله. كلمة شهادة يا عبد الله، كلمة شهادة لو تلاحظها ذكرها في مسائل ومواضع كثيرة من القرآن والسنة، تأتي مقرونة بلا إله إلا الله. شهد الله أنه لا إله إلا الله، قال عليه الصلاة والسلام: من شهد أن لا إله إلا الله. تجي دائما شهادة مقرونة بلا إله إلا الله. إذن الشهادة، وشهد ويشهد وأشهد، هذه الكلمات من المسائل الشرعية ألفاظ الشرعية، ما المراد من كلمة شهادة؟ الشهادة إخواني في الله عبارة عن كلمة لها معنى، كلمة لها معنى، ولهذا حريص الشرع عليها. أنت فلان يهودي تريد أن تسلم، إذن قل: أشهد. نلزمه بالشهادة. أشهد، ما المغزى إخواني في الله؟ وما الفحوى لهذه الكلمة؟ هذه الكلمة إخواني في الله لها عدة اعتبارات ينبثق من هذه الكلمة عدة اعتبارات. وهذه الاعتبارات لو دققت النظر فيها لرأيت أن الكثير من شروط لا إله إلا الله مأخوذة من كلمة الشهادة. الشهادة يا عبد الله تستلزم النطق، التلفظ، هذا لابد منه. الشهادة تستلزم العلم، فلا يمكن لأحد أن يشهد على شيء وهو جاهل به، وإلا من شهد على شيء وهو جاهل به ما يسمى شاهد. ما يسمى شاهد إلا من شهد بالحق وهم يعلمون. الشهادة تستلزم العلم، الشهادة يا عبد الله تستلزم الاعتقاد، فمن نطق بشيء على خلاف ما يعتقده فهذه شهادة زور. شهادة زور، أو كذلك الشهادة تستلزم الصدق، أنك تشهد على شيء وأنت صادق به. فإن شهدت على شيء وأنت كاذب، شهادة زور، ما تقبل منه. إذن استفدنا النطق، استفدنا العلم، استفدنا العقيدة اليقين، استفدنا الصدق، هذه من شروط لا إله إلا الله. لو ترى من أين جئنا بها؟ من لفظ الشهادة، من لفظ الشهادة. فيقول العلماء: إن شروط لا إله إلا الله تستفاد من هاتين ناحيتين: من لفظ الشهادة، فيها إيحاء لهذه الشروط، وأيضا من أدلة خارجية. فالأدلة الخارجية إنما هي تأكيد للشروط الموجودة في شهادة أن لا إله إلا الله. فهذه إخواني في الله أهم المسائل التي تذكر في هذا المقام، وخاصة في طرح المؤلف رحمه الله تعالى لمثل هذا السؤال. حرفك أن هذه الكلمة لا يستفاد فقط بنطقها، بل لابد من شروطها، وأن تتوفر في صاحبها. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.