الدرس في شرح كتاب الصلاة 7، ألقاها
يشترط لصحة الصلاة ستر العورة، وعورة الرجل ما بين السرة والركبة، أما المرأة فكلها عورة إلا الوجه والكفين. يجب ستر العورة بشيء لا يصف البشرة مع القدرة.
يجب اجتناب النجاسة في بدنه وثوبه ومكان صلاته مع القدرة، ويستثنى من ذلك العاجز عن إزالتها. استدلالًا بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية.
يشرح الشرط الثامن وهو استقبال القبلة مع القدرة، والشرط التاسع وهو النية. يُفصّل في أهمية استقبال القبلة والنية ومحلها في القلب.
يختتم المتحدث درسه بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين، ويعلن انتهاء الدرس بإذن الله.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله- في ذكره لشروط الصلاة: ذكرنا الإسلام والعقل والبلوغ والطهارة من الحدثين، وكذلك دخول الوقت للصلاة المؤقتة. قال: سادسًا ستر العورة مع القدرة بشيء لا يصف البشرة، لقوله تعالى: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار». عورة الرجل البالغ ما بين السرة والركبة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا صليت في ثوب واحد، فإن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فأتزر به». والأولى والأفضل أن يجعل على عاتقه شيئًا من الثياب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الرجل أن يصلي في الثوب ليس على عاتقه منه شيء. والمرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، إلا إذا صلت أمام الأجانب -أي غير المحارم- فإنها تغطي كل شيء، لقوله صلى الله عليه وسلم: «المرأة عورة». وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار». هذا الشرط السادس للصحة الصلاة: ستر العورة. المراد بالعورة القبل والدبر، هذا بالإجماع. والفخذين -على الصحيح- هو قول الجمهور. وقوله: «ستر العورة مع القدرة بشيء لا يصف البشرة»، قوله «مع القدرة» يخرج به ما إذا كان الإنسان عاجزًا. كيف يصور ذلك؟ يتصور بأن تسرق ثيابه أو تتلف، أو يكون -مثلًا- في يد العدو وقد أخذوا ثيابه، فيبقى عاريًا، يأتي وقت الصلاة وليس عنده ما يستتر به، ولا يقدر على ستر عورته، فيصلي على حالته التي هو عليها؛ لقول الله عز وجل: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾، وقوله جل وعلا: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. لكن إذا كان قادرًا، وجب عليه أن يستر عورته بشيء لا يصف البشرة؛ يعني ما يكون الثوب شفافًا حتى ترى البشرة من خلفه. قال المؤلف -رحمه الله- بقول الله جل وعلا: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾. قال طاووس -رحمه الله-: الثياب ونحوها. وكذلك قال مجاهد: «زينتكم» يعني الثياب. وهذه الآية فيها زيادة على ستر العورة، فيها أمر بزيادة على ستر العورة، وهو التجمل. قوله جل وعلا: ﴿خذوا زينتكم﴾، الزينة شيء زائد على ستر العورة، يدخل فيها ابتداءً ستر العورة، وزيادة على ذلك التجمل للصلاة. عند كل مسجد، أي عند كل صلاة. وقد كان أهل الجاهلية ربما طاف أحدهم وهو عاري، يطوفون عراة حول الكعبة، يقولون: «هذه ثياب، يعني اتسخنا بها الذنوب، فلا نطوف بها». إذا لم يجدوا أحدًا يعيرهم من أهل مكة ثيابًا، طافوا عراة، حتى إن المرأة تطوف بالليل عارية، وتضع يدها على فرجها. والتقول اليوم يبدو كله أو بعضه، وما بدا منه فلا أحله من... يعني شدة جهلهم. فلما فتح الله عز وجل مكة على يد النبي عليه الصلاة والسلام، منع النبي عليه الصلاة والسلام أن يطوف أحد بعد ذلك اليوم عاريًا. وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار»، والحديث رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني -رحمه الله-. وقول عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله صلاة حائض»، المراد بالحائض البالغة، إلا بخمار؛ يعني أن تكون مغطية لرأسها. وقد نقل ابن قدامة -رحمه الله- الإجماع على أن المرأة إذا صلت وهي كاشفة لرأسها، فصلاتها باطلة، وأن عليها الإعادة. قال: «وعورة الرجل البالغ ما بين السرة والركبة». قول: «عورة الرجل البالغ» خرج به غير البالغ؛ فالصبي لو صلى -مثلًا- وركبته مكشوفة، صلاته صحيحة؛ لأنه غير بالغ. لكن البالغ يجب عليه أن يغطي ما بين السرة والركبة. قال: لقوله صلى الله عليه وسلم لجابر -رضي الله عنه-: «إذا صليت في ثوب واحد، فإن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فأتزر به». والحديث في الصحيحين. إذا كان واسعًا فالتحف به، الالتحاف أن يتزر بهذا الثوب، وما زاد منه يلفه على كتفيه، هذا إذا كان واسعًا. وإن كان ضيقًا، قال: «فاتزر به». الإزار هو ما يلبس ما بين السرة والركبة. وقوله عليه الصلاة والسلام: «وإن كان ضيقًا فاتزر به»، هذا يدل على وجوب ستر ما بين السرة والركبة. قال: «والأولى والأفضل أن يجعل على عاتقه شيئًا من الثياب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الرجل أن يصلي في الثوب ليس على عاتقه منه شيء». والحديث في الصحيحين، عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-. نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل وليس على عاتقه شيء؛ يعني وكشف العاتقين. بعض العلماء ذهب إلى أن النهي للكراهة. ومنهم من ذهب إلى التحريم، وهو ظاهر النهي؛ يعني يصلي وكتفه مكشوف، ليس عليه شيء، هذا منهي عنه. إذا كان عندك إزار، اتزر به، ثم غطِ كتفيك بعمامة أو بثوب أو نحو ذلك، ولا تجعله مكشوفًا. لكن لو صلى وعاتقاه مكشوفتان، صلاته صحيحة؛ صلاته صحيحة مع الإثم. قال: «والمرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها»، قال: «إلا إذا صلت أمام الأجانب». قوله: «المرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها»؛ يعني في الصلاة؛ يعني في الصلاة، فكلها عورة إلا وجهها وكفيها. وبعض العلماء أجاز أن تكشف القدمين؛ فإذا صلت، غطت جميع جسدها وبدنها إلا وجهها وكفيها. قال: «إلا إذا صلت أمام الأجانب -أي غير المحارم- فإنها تغطي كل شيء»؛ يعني لو كانت -مثلًا- في مكان فيه أجانب، فيه أناس أجانب ليسوا محارم لها، فإنها تغطي كل بدنها، لا تكشف لا وجهًا ولا كفين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «المرأة عورة». الحديث رواه الترمذي من حديث ابن مسعود، وصححه العلامة الألباني -رحمه الله- وشيخنا الوادعي -رحمه الله-. قال: «سابعًا: اجتناب النجاسة في بدنه وثوبه وبقعته -أي مكان صلاته- مع القدرة؛ لقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: «تنزهوا عن البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه». ولقوله صلى الله عليه وسلم لأسماء في دم الحيض يصيب الثوب: «تحته ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه». ولقوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقد بال الأعرابي في المسجد: «أريقوا على بوله سجلًا من ماء». هذا شرط السابع: اجتناب النجاسة في البدن والثوب والبقعة. إذا أراد الإنسان أن يصلي، فلابد أن يبعد النجاسة من بدنه ومن ثوبه ومن بقعته. وقوله «مع القدرة»؛ لأنه يخرج به ما إذا كان عاجزًا. إذا كان عاجزًا، كيف يكون عاجزًا؟ إنسان عنده ثوب واحد، جاء وقت الصلاة، وثوبه فيه نجاسة، وليس عنده ما يغسل به هذا الثوب، وإن لم يصل خرج وقت الصلاة، فيصلي بهذا الثوب. أو مثلًا عنده نجاسة في المكان الذي يصلي فيه، كأن يكون مسجونًا في يد العدو، وهو في مكان ضيق وعنده نجاسة، ونحو ذلك، فيصلي على حالته التي هو عليها؛ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. استدل بقول الله جل وعلا: ﴿وثيابك فطهر﴾ على أحد التفسيرين؛ أن المراد بها: تطهير الثياب من النجاسة؛ فيكون هذا أمرًا بتطهير الثوب من النجاسات. واستدل بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «تنزهوا عن البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه». رواه الدارقطني، وصححه الألباني -رحمه الله-. وإن كان بعض العلماء يتكلم في هذا الحديث. ومثل أيضًا حديث علي في الصحيحين في غسل المذي: «كنت رجلًا مذاءً، فاستحييت أن أسأل رسول الله، فأمرت المقداد بن الأسود أن يسأله، فقال: يغسل ذكره ويتوضأ». هذا فيه إزالة النجاسة من البدن. وأيضًا في حديث ابن عباس: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين، وقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير». أما أحدهما: فكان لا يستنزه من البول؛ يعني يجعل البول يترشح ويرتد في بدنه أو في ثوبه، ولا يبالي، فعوقب وعذب في قبره. قال: «ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء في دم الحيض يصيب الثوب: تحته ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه». هذا فيه: تطهير الثوب من النجاسة. وجاء عند الإمام أحمد وأبي داود أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «أيصلي أحدنا في الثوب الذي يأتي فيه أهله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، إلا أن ترى فيه شيئًا فتغسله». إلا أن ترى فيه شيئًا فتغسله؛ هذا أيضًا فيه الأمر بتطهير الثوب من النجاسة عند إرادة الصلاة. وقوله عليه الصلاة والسلام لأصحابه: حين بال الأعرابي في المسجد: «أريقوا على بوله سجلًا من ماء». والحديث في الصحيحين؛ هذا فيه تطهير المكان. لما بال الأعرابي في طائفة من المسجد، فتجمع الصحابة -رضوان الله عليهم-، قالوا: «نسلم». فلما قضى بوله، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء، فأهريق عليه؛ سُبًا على موضع البول لتطهير هذا المكان من النجاسة. قال: «ثامنًا: استقبال القبلة مع القدرة؛ لقوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾، ولحديث: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة». والحديث في الصحيحين. هذا شرط الثامن: استقبال القبلة مع القدرة؛ يعني من أراد أن يصلي، فيشترط أن يستقبل القبلة. وقوله «مع القدرة» ليخرج به ما إذا كان عاجزًا. ما إذا كان عاجزًا؛ كما قلنا، إما أن يكون -مثلًا- في موضع لا يدري أين القبلة، اجتهد وصلى، ثم تبين أنه صلى إلى غير القبلة، وقد خرج وقت الصلاة، فليس عليه إعادة؛ أدى الذي عليه؛ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. أو كان مربوطًا -مثلًا- ولا يستطيع أن يتجه إلى القبلة، فيصلي إلى الجهة التي هو عليها؛ ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. استدل بقول الله جل وعلا: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾؛ هذا أمر من الله جل وعلا باستقبال القبلة عند الصلاة. وحديث المصلي في صلاته، قاله النبي صلى الله عليه وسلم لما علمه: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة». أمره باستقبال القبلة؛ هذا في حال الأمن وعدم الخوف. أما في حال الخوف، فيسقط استقبال القبلة؛ في حال الخوف، في حال القتال والالتحام بالعدو؛ فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا. قال ابن عمر: «مستقبل القبلة وغير مستقبليها». والحديث في البخاري. وأما في النافلة، فيسقط استقبال القبلة في صلاة النافلة إذا كان على الراحلة؛ إذا كان على الراحلة في السفر، فإنه لا يجب عليه استقبال القبلة، فيصلي على الجهة التي هو عليها؛ كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من فعله في الصحيحين، من حديث ابن عمر وغيره. وهكذا أيضًا يسقط استقبال القبلة في حال المرض؛ إذا كان الإنسان مريضًا، ولا يستطيع أن يستقبل القبلة، فيصلي على الحالة التي هو عليها. قال: «تاسعًا: النية، ولا تسقط بحال؛ لحديث عمر قال: «إنما الأعمال بالنيات». ومحلها القلب، وحقيقتها العزم على الشيء. ولا يشرع التلفظ بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتلفظ بها، ولم يرد أن أحدًا من أصحابه فعل ذلك. الشرط التاسع: النية للصلاة، وهي العزم -عزم القلب- على فعل عمل ما. فنية الصلاة: عزم القلب على أداء الصلاة أو فعل الصلاة. والنية لا تسقط بحال؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يعجز عن النية؛ لأن النية محلها القلب. فلذلك يجب عليه أن ينوي أن تكون عنده النية لأداء الصلاة. ودليل ذلك: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات»؛ يعني صحة الأعمال بالنية. ومحلها القلب، وحقيقتها العزم على الشيء؛ العزم على فعل الشيء. تقول: «نويت أن أسافر»؛ يعني عزمت على السفر. «نويت أن أفعل كذا وكذا»؛ يعني عزمت على فعل كذا وكذا. فنية الصلاة: عزمك على فعل الصلاة وأداء الصلاة. ولا يشرع التلفظ بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتلفظ بها. ما ورد في حديث واحد أن النبي عليه الصلاة والسلام قام في الصلاة، فقال: «نويت أن أصلي صلاة كذا وكذا». ما فيه لا حديث صحيح ولا ضعيف. فالتلفظ بها من الأمور المحدثة. وابتلي بذلك، الصوفية الذين شددوا على أنفسهم بأمر لم يكلفهم الله سبحانه وتعالى به، ولا رسوله عليه الصلاة والسلام. وتلعبهم الشيطان؛ تجد الواحد منهم يقف في الصلاة: «نويت، نويت، نويت، نويت». ربما يكرر النية عشر مرات؛ حتى ينوي هكذا يلعبهم الشيطان. والنية محلها القلب؛ أنت عندما تقوم -عندما تقوم- إذا سمعت الأذان، قم، تتوضأ... أش نيتك؟ تصلي؛ هذه النية. خروجك من بيتك -مثلًا- نية. خروجك من سكنك نية. دخولك المسجد نية؛ هذه النية محلها القلب. هذه الأفعال كلها من النية؛ فلا تحتاج أن تتلفظ بها. ما فعل هذا النبي صلى الله عليه وسلم، ولا فعله الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم-، وهم أحرص الناس على الخير، وأشد الناس اتباعًا لرسول الله عليه الصلاة والسلام. طيب، هذه شروط الصلاة. نقف هنا -إن شاء الله- إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.