الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 18، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش صحة حديث الجارية وأهميته في إثبات صفة العلو لله تعالى، ويرد على المبتدعة الذين طعنوا في الحديث. يؤكد أن الحديث صحيح كما أورده مسلم في صحيحه.
يشرح حديث الجارية الذي يثبت علو الله سبحانه وتعالى، ويبين دلالة السؤال بـ «أين الله؟» على الإيمان. يشرح معنى «الله في السماء» عند أهل السنة والجماعة.
يناقش موقف السلف الصالح من إثبات صفات الله تعالى، خاصة صفة العلو، واستدلالهم بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. أشار إلى أن السلف أجمعوا على قبول هذه الصفات دون تأويل أو تشبيه.
يختتم الدرس بالدعاء والتضرع إلى الله أن يتقبل ما قيل ويجعلهم من أتباع أحسن الأقوال. يشير إلى أن الدرس القادم سيكون حول رسالة ابن عثيمين في أصل التفسير.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وأما بعد، فمما مضى قول المؤلف رحمه الله تعالى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، وقوله تعالى: ﴿آمنتم من في السماء﴾، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ربنا الله الذي في السماء، فقدس اسمك». ومر معنا ما يتعلق بالآية والحديث من مسائل وفوائد، وفيها أن المؤلف رحمه الله تعالى أراد إثبات صفة الاستواء، وهو علو خاص، ومن ثم إثبات صفة العلو لله سبحانه وتعالى. فلله سبحانه وتعالى العلو المطلق، سواء كان علو قهر أو علو قدر أو علو ذات يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. قال المؤلف ورحمه الله تعالى: وقال للجارية «أين الله؟» قالت: في السماء، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». رباهم مالك، ومن أنس ومسلم وغيرهما من الأئمة. وكما تلاحظون، المؤلف على خلاف ما كان عليه، أنه أكثر من ذكر الأدلة في هذه الصفة، وذلك للخلاف القوي الذي دب بين أهل السنة والجماعة وبين المناوئين لهم من أهل البدع من المعطلة والممثلة والمفوضة في إنكارهم لصفة العلو لله سبحانه وتعالى. فكان هذا الدليل من المؤلف، وهو حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله تعالى عنه، عندما قال نبينا صلى الله عليه وسلم للجارية: «أين الله؟» قالت: في السماء، هذه إجابتها. فكان من رد نبينا عليه الصلاة والسلام: «أعتقها فإنها مؤمنة». وهذا الحديث ننبه على مسألة سريعة متعلقة به، ما يتعلق بصحته. فالحديث صحيح، كفاك دلالة على صحته أن مسلم أورده في صحيحه رحمه الله تعالى. وكم شغب أهل البدع على هذا الحديث، لأن الناظر في القرآن والمستدل بكتاب الله جل وعلا يحتاج إلى أمر واحد، إلى فهم الدلالة، بينما الناظر إلى السنة النبوية يحتاج إلى أمرين، إلى فهم الدلالة وقبل ذلك النظر في الصحة. فأهل البدع أمام القرآن ما استطاعوا أبداً أن يجرحوا في إسناد القرآن، لأنهم متواترون عند الله سبحانه وتعالى، فلا أحد ينكر حرفاً من القرآن إلا وقد كفر، لكنهم في باب السنة تجروا على السنة، فأشغبوا على السنة، وخاصة في الأحاديث التي لا تأتي على مرادهم. سرعان ما رفعوا سلاح الجرح، قالوا: هذا الحديث معل، ما يصح، لا يثبت. وهم من أبعد الناس عن علم الجرح وعن علم الرواية. فهذا الحديث، والذي كان من أعظم الأحاديث التي دكت معاقلهم، هو حديث الجارية: «الله في السماء»، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». شغب المبتدعة على هذا الحديث، لكن ما المبتدعة من المتأخرين من المبتدعة؟ لأن الأوائل ما استطاعوا أبداً أن يرفعوا رؤوسهم على صحيح مسلم فيطعنوا في حديث فيه. ما التجروء على ذلك الخلوف؟ نعم، من أمثال الكوثري، ومن أمثال الغماري، وهكذا آخرهم السخاف، تجروا على صحيح مسلم وتكلموا بكلمات عظيمة. تجد أن الواحد منهم يقول: هذا الحديث مضطرب، عجيب مضطرب. وما معنى الاضطراب؟ يعني هم عندما رأوا أن هذا الحديث جاءت به روايات مختلفة، قالوا: إذن هذه الروايات تؤيد أن الحديث فيه اضطراب، لم يكن متقناً في لفظه ولا في روايته. فهو معنى، ومن قال بهذا؟ هل هذه قواعد الجرح والتعديل؟ هل هكذا هي قواعد المصطلح في حديث المضطرب؟ المضطرب، يا عبد الله، هو الحديث الذي يأتي بطرق مختلفة وهي متساوية القوة، متساوية في القوة، وأيضاً لا يمكن الجمع بينها. إذا وصلت إلى هذه الحالة، قل: هذا الحديث مضطرب. «شيبتني هود وأخواتها» حديث مضطرب، لأن الروايات مختلفة وهي متعددة وهي كذلك متساوية القوة، لا يمكن ترجيح هذا على هذا، ولا يمكن الجمع. فحكم العلماء عليه بالاضطراب. أما أن تأتي إلى حديث صحيح، روايته صحيحة، ليس هناك اضطراب أصلا، وليس هناك اختلاف أصلا، وما قيل أنه ضعيف لا يصل إلى حد القوة، فكيف يقال بعد ذلك مضطرب؟ هذا إنما هو هوس، وهذا إنما هو هوس. ويأتي آخر كذلك ويقول: بأن هذا الحديث يكفيك في ضعفه أن البخاري ما خرجه، عجيب هذا التعليل. والله عجيب أن يقول: دلالة هذا الحديث في مسلم، إذن هناك شك لماذا البخاري ما خرجه؟ ومش في هذا، قال: نتوقف، عجيب هذا القواعد، يعني هذا القواعد. كل حديث تفرد فيه مسلم يعامل بهذه المعاملة، ما يقول بهذا عاقل أصلا. لكن الهوى يخيل للإنسان في الهوى والعناد أنت تستغرب، لا تقول: العام يتلفظ بهذا، بل من ينتسب إلى العلم يعني العلم أن يتلفظ مثل هذه. ويأتي بهذه القواعد السخيفة. ويأتي آخر ويقول: ومؤخراً من هؤلاء المبتدعة يقول: هذا الحديث لم يثبت، لماذا؟ لأن هذه اللفظة «أين الله؟ الله في السماء»، إنهم يتصرف من بعض الرواة، الرواة تصرفوا بهذه العبارات، خاصة من يقول بجواز رواية الحديث بالمعنى، هم تصرفوا بهذه العبارات. من يقول إخواني هذا الباب لو فتح لهؤلاء العقلاء، لو أنهم أتوا بهذه القواعد وعطوها للسلف ولمن يأتي بعدنا، لا ضاعت السنة، لا ضاعت السنة بهذه القواعد الذي ما عقلوها، لكنها الهوى، وكذلك الجهل العظيم، وهكذا الحقد للسنة ولأهلها جرهم إلى تأسيس هذه القواعد. فيقول بعضهم كما قال السخاف: قال: أنا أعتقد وأزعم أن الرسول ما قال «أين الله؟» بهذه الجراءة، بل يقول: وهذا لفظ مستقنع، لفظ تنطق به نبيك يا عبد الله. فيا عبد الله، فالله الله بالإنصاف والتجرد للحق. فكما قال الشافعي رحمه الله تعالى، وهو من أبدع ما تلفظ به هذا الإمام الجليل: قال: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»، إذا صح الحديث فهو مذهبي. وبالمقابل قال إسحاق بن راهويه رحمه الله تعالى: من رد حديثاً صحيحاً وهو يعتقد صحته، فقد كفر. فإياك يا عبد الله أن تعتقد صحة حديث ثم تكابر وتنكره، وما ذاك إلا لهوى في نفسك. وزد على ذلك أن هذا الحديث ليس فقط الذي انفرد به مسلم، بل أئمة السلف والخلف كلهم على الاحتجاج بهذا الحديث. أئمة الكبار، الإمام مالك احتج به، الإمام أحمد احتج به، الإمام الشافعي احتج به، وهكذا. يقول في التصحيح، قال بتصحيح هذا الحديث: الإمام مسلم، ابن جارود، أبو عوانة رحمه الله تعالى، الذهبي، البعض من العلماء. الإمام مسلم، ابن جارود، أبو عوانة رحمه الله تعالى، الذهبي، البغوي، البيهقي، ابن حجر العسقلاني، ابن الجوزي، مع ما فيهم من تأويل. ومع ذلك قال بصحة هذا الحديث. ما أحد يتجنى أصلا، ما تجنى أحد من القدامي يطعن في هذا الحديث بمباشرة لهيبة مسلم، حتى يأتي هؤلاء الخلوف. ثم مع ذلك يتسلط على مسلم فيضعف هذا، ويعلل هذا، مثل هذه الترهات. فالحديث صحيح، لا مطعن فيه ولا مغمز. وقد تلقاه العلماء سلفاً عن خلف، كلهم بماذا؟ بعدالة رواته، ولا مطعن فيه. وأيضاً هذا الحديث من ثمراته إثبات علو الله سبحانه وتعالى، إثبات علو الله سبحانه وتعالى. وفيه كذلك الجواز بالسؤال بـ «أين؟» «أين الله؟» «أين» اسم الاستفهام يؤتى به للسؤال عن المكان. فمقتضى «أين الله؟» أنا بما أجابها، وما أنكر عليها، كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى: أن الجهمي لو جئته الآن وسألته «أين الله؟» لو ربا نهرك، نهرك. وهذه الجارية ما نهرها نبينا عليه الصلاة والسلام، وإنما قررها على سؤالها. فهذا مما يشرع أن تسأل بسؤال «أين الله؟». وكذلك في هذا الحديث فيه دلالة على الشهادة بالإيمان، الشهادة بالإيمان لمن قال: «الله في السماء». فإنما سمع ذلك، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». وانظر: «أعتقها فإنها»، الفاء هنا الفاء إذا جاءت بعد نهي أو أمر، فإن تفيد التعليل عند الأصوليين. «فإن» تفيد التعليل، أي أن ما يذكر بعد الفاء هو علة للحكم السابق لما قبل الفاء. أي أن إيمانها كان لهذا الجواب، فمما يشهد له بالإيمان من أثبت العلو لله سبحانه «أين الله؟» قالت: «الله في السماء»، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». ومعنى ما يتعلق بـ «في السماء»، كما في درس أمس، أن هذا عند أهل السنة والجماعة ليس فيه ما يقتضي التوهم الذي يدعيه البعض بأن الله تحويه السماوات. وقد ذكرنا عبارة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أنه أنكر ذلك، فما قال بهذا أحد من السلف، ولا يفهم هذا أحد من العقلاء. وأن عبارة «الله في السماء» تحمل على معنيين اثنين، إما في النظر في «في»، وذلك بأن تجعلها بمعنى «على»، فيكون المعنى: الله على السماء، فيه العلو. أو أنك تنظر في السماء، فيكون معنى السماء العلو، أي: الله في العلو. فمعنى «الله في السماء»: إما تقول: الله على السماء، أن تجعل «في» بمعنى «على». أو أنك في المعنى الثاني تجعل «في» على أصلها، لكن تجعل السماء بمعنى العلو: الله في السماء، أي: الله في العلو. وقد مضى ذلك معنا في درس أمس. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال النبي صلى الله عليه وسلم لحسين: «كم إلها تعبد؟» قال: سبعة، ستة في الأرض، وواحداً في السماء. هذه الآلهة عند الكفار وعند المشركين. سبعة، أربعة، خمسة، عشرين، ثلاثين، بل مئات. كان كفار قريش لربما إذا خرجوا إلى الصحراء، كل ينظر إلى صخرة، فإذا أعجبته هذه الصخرة جعلها ربا له. فإذا رأى صخرة أفضل من هذه، صرف بذلك وأتى بتلك. وهكذا الآلهة عندهم ينتابون ويختارونها، حتى ذكر أن في بلاد الهند - ولا زال هذا في بلاد الهند، بلاد الكفر والشرك - أن هناك محلاً لبيع الأصنام، محل يبيع الأصنام. تأتي عند هذا البائع الكافر، يأتي عند صاحب المحل، يقول: أريد الإله، يقول: إيش إله تريد؟ قل: إله المطر، يقول: هذا إله المطر، لكم يباع له أياه، آلهة. إله المطر، إله الجبال، إله الزراعة، إله المحبة، آلهة تباع في المحلات. وهكذا حال أهل الكفر، سلب الله منهم العقول بعد الإيمان. قال: «كم إلها تعبد؟» قال: سبعة، ستة في الأرض، وواحداً في السماء. قال: «من لرغبتك ورهبتك؟» قال: الذي في السماء. وهذا شاهد إثبات علو الله سبحانه وتعالى، قال: «الذي في السماء»، قال: «فاترك الستة واعبد الذي في السماء». وأنا أعلمك دعوات، فأسلم، وعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: «اللهم ألهمني رشدي وقيني شر نفسي». وهذا الحديث، إخواني في الله، معلول، ففي إسناده عمران بن خالد، قال عنه الذهبي: ضعيف. قال عنه الذهبي: ضعيف. وهكذا فيه خالد بن طليق، وهو ضعيف أيضاً. فالشاهد، إخواني في الله، أن على من يقول بصحته، فالشاهد من هذا الحديث أن فيه إثبات علو الله سبحانه وتعالى. قال: وفيما نقل من علامات النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الكتب المتقدمة: أنهم يسجدون بالأرض ويزعمون أن إلههم في السماء. وهذا أثر، ذكره ابن قدامة رحمه الله تعالى، لكي يبين أن هذه المسألة وهذه العقيدة عند أهل الإسلام، كان أهل الكتاب يتداولونها ويتناقلونها. قال: وفيما نقل من علامات النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الكتب المتقدمة: أنهم يسجدون بالأرض ويزعمون أن إلههم في السماء. لكن هذا الأثر للعلماء فيه نظر، أولاً لأنه لم يذكر له سند، فليس له إسناد حتى ينظر في ثبوته. وظاهر أنه من كتب المتقدمة، ويتوقف فيه. فضلا عن ذلك مما ينتقد على هذا الأثر، قوله: من علامات النبي وأصحابه. والعلامة معناها في اللغة هو الذي يميز الشيء عن غيره. هذه العلامة. العلامة هو الشيء الذي يميز شيء عن غيره. أقول لك: علامات الاسم كذا، تميز بها، بهذا العلامات، علامات الفعل كذا، علامات الحرب كذا. فالعلامة هي الشيء الذي تميزه عن غيره. إذن هذا الأثر كأنه يقول: أن الصحابة وأن الرسول قد تميزوا بهذا الشيء عن غيرهم. وهل مسألة السجود وإثبات علو الله خاصة بهذه الأمة؟ أم ذلك كان في كل الأمم أصلا؟ وهذا وجه الانتقاد صحيح. إذن هذا لم يكن ميزة في نبينا، ولم تكن ميزة في الصحابة، وهم يتعلق بوصف أنهم أهل السجود في الأرض، وأن الله في السماء. وثالثة مما أخذ على هذا الأثر، لفظة: «يزعمون»، قال: «ويزعمون أن إلههم في السماء». فكلمة الزعم أكثر ما تذكر، تأتي بمعنى الشك أحيانا، نعم، وهذا نادر، وقليل. أحيانا تأتي الزعم بمعنى القول الحق، لكن أكثر ما تأتي كلمة الزعم بمعنى الشك، فهي ليست ممدوحة، ليست ممدوحة. فبعض ما يرى أن مثل هذه الآثار لا نستفيد منها عقيدة، لا نستفيد منها عقيدة، وإنما يكفينا التي جاءت به الأدلة المتواترة. قال رحمه الله تعالى: وروى أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا وكذا». وذكر الخبر إلى قوله: «وفوق ذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك». وهذا الأثر كذلك رواه أبو داود، وبعض أهل السنن، وهو كذلك معلول. وهذا الحديث مشهور بحديث الأوعال، مشهور بحديث الأوعال. وقد لكم العلماء أن فيه انتقادات عديدة، وإن كان بعض العلماء توقف واستوصى وتجوز قبوله للشواهد التي معه. لكن صحيح أن الشواهد ضعيفة كذلك، ولا تنهض، ولهذا أشار جماعة من العلماء إلى ضعف الحديث، وإلى عدم صحة هذا الحديث. والمشهور بحديث الأوعال، وخاصة لإما ذلك للطعن في أمرين اثنين، طعن في سنده لضعف بعض الرواة وتفردهم برواية هذا الحديث. وأيضا الطعن في متنه، فإن في متن غرابة، ولهذا ممن أشار إلى ضعفه ابن عدي رحمه الله تعالى في الكامل، وابن عدي في الكامل. وأيضا ابن العربي رحمه الله تعالى المالكي، حيث علق على هذا الحديث بقوله: «أمور تلقفت من أهل الكتاب»، أمور أي في الحديث هذا، أمور قد تلقفت من أهل الكتاب، ليس لها أصل في الصحة. لما أنت معه نعم، يجد أن أحدث فيه أوعال، وحديث فيه ركب، فأحدث تظهر فيه النكارة. وكذلك الشيخ الألباني رحمه الله تعالى على تضعيف في هذا الحديث. وهذا الحديث وإن كان كل ما فيه إثبات الفوقية لله عز وجل، هناك أدلة كثيرة تدل على الفوقية لله سبحانه وتعالى، كما قال ربنا: ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾، وهو القاهر فوق عباده. فهذه الآية تغني عن هذا الحديث دلالة وواضحة على علو الله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف رحمهم الله تعالى. إذن هذا إجماع السلف، لعلى المؤلف أراد صفة الاستواء والعلو، وإما ما مضى يحمل على هذا وعلى هذا. فهذا مما أجمع عليه سلفنا الصالح لاختلاف بينهم على ثبوت هذه الصفات لله جل في علاه. قال رحمهم الله تعالى على نقله، أجمعوا على نقله، ولو كان من طريق آحاد، ما عندهم التفريق الذي عليه المتكلمة بين الآحاد والمتواتر، فكل ما ثبت إسناده فينقل. قال: أجمع على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده. وقبوله يقبلون هذه الأحاديث، ليس الألفاظ فقط، بل ألفاظ مع معانيها. وهذا من الفوارق بين أهل السنة والجماعة والمفوضة. فتجد أن المفوض قد يزاحم أهل السنة في إثبات الألفاظ: أنا معكم في كل ما تقولون به، لكن أين المحك؟ المحك إحنا وإياه في مسألة المعاني، مسألة المعاني. فهو يثبت الاستواء، يثبت العلو، يثبت السمع والبصر إلى آخره، معنا في هذا الباب، لكن إن قلت له مثلا: الاستواء بمعنى العلو، توقف، الله أعلم، يقولك: الله أعلم. يثبت الألفاظ مجرداً، لا أهل السنة ليسوا على هذا، إنما يقبلون اللفظة وما حواه من معنى. قال رحمه الله تعالى على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده. الرد بمعنى التكذيب، أي ما ردوه تكذيباً. قال: ولا تأويله، هنا التأويل بمعنى التحريف. قال: ولا تشبيهه، ولا تمثيله. قال: سئل إمام مالك ابن أنس رحمه الله تعالى، فقيل: يا أبا عبد الله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، كيف استوى؟ فقال: «استوى غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة». ثم أمر بالرجل فأخرج. هذا السؤال من الأسئلة التي اشتهرت عن إمام مالك رحمه الله تعالى، بل أصبحت قاعدة قاعدة رصينة من قواعد السلف رحمه الله تعالى في تأصيل باب الأسماء والصفات. وصحيح أنها أثرت عن مالك، صحيح تنازع العلماء: هل أحد قبل ما نطق بهذه القاعدة أو بهذه الأحرف؟ نعم، من من قال: نقل ذلك عن أم سلمة، من من قال: نقل ذلك عن ربيعة شيخ مالك. وإن كان بعض من يشير إلى ذلك إلى ثبوته عن ربيعة، لكن الصحيح وهو قول كثير من العلماء: أن هذه اللفظة لم تثبت إلا عن مالك، لم تثبت إلا عن مالك رحمه الله تعالى. أما ما ينقل عن أم سلمة، وينقل عن ربيعة شيخ مالك، فلم يثبت ذلك عنهم. وإن كان بعضهم قال: حاول أن يثبت ذلك عن ربيعة خاصة، لكن ما ثبت. إنما الذي يؤثر عن أئمتنا، نقل ذلك عن إمام مالك رحمه الله تعالى. فسئل إمام مالك بهذا السؤال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، كيف استوى؟ وهذا السؤال غلط من أصله، لا أحد يسأل: كيف استوى؟ الكيفية، كيفية الأسماء والصفات لا تعرف. فقد مضى ذلك معنا، أن معرفة الشيء، معرفة الشيء أي شيء تريد أن تتعرف على حقيقته، ما يمكنك إلا عن ثلاثة أمور، ما يمكن معرفة حقيقة الشيء أي شيء، لا يمكن أن تصل إلى إدراك ماهيته وكونه إلا بثلاثة، أو عن طريق ثلاثة أمور، ما هي؟ الرؤية، رؤية الشيء، وصف هذا من الخبر الصادق، النظير. إما أنك تنظر للشيء على حقيقته تعرفه، أو أنك ما تنظر إليه لكن تنظر إلى نظيره. أنا سأعطيك سيارة، أين السيارة؟ سيارة بعيدة، لكن مثل هذا نظير، إذن هنا تعرف الوصف الحقيقي، هذا نظير ذاك. إما الرؤية الشيء أو نظير الشيء، وإما إلا يكون هذا ولا ذاك، فلا أقل خبر الصادق. أنا عندي بضاعة كذا وكذا وكذا وكذا، يأتيك ماذا؟ بخبر صادق دقيق بهذا الأشياء الثلاثة تعرف كنه الشيء وحقيقة الشيء. وهذا ما يمكن في حق الله عز وجل، فباب الأسماء وصفات الله لم ترى، وليس لها نظير، ليس كمثله شيء، وكذلك لم يأتي لنا خبر صادق في معرفة كيفية الشيء. فإذا هذان منتفيان، فكيفية أسماء الله وصفاته لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى. فقال: «كيف استوى؟» فقال: «الاستواء غير مجهول»، أي: معناه. وفي رواية: «الاستواء معلوم»، لأن الاستواء كما قد مر معنا في لغة العرب: أن الاستواء يعرف بتعديه، الاستواء يأتي إما مطلق، قد مر ذلك معنا. إما متعدي بإلى، إما متعدي بعلى، وإما متعدي بالواو. هنا الاستواء: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، استواء بماذا تعلق؟ استواء بكلمة «على»، بحرف الجر «على». والقاعدة عند أهل النحو، وقد ذكر بعض العلماء الإجماع على هذه المسألة: أن استواء إذا عديت بعلى، استواء إذا عديت بعلى، فإنها تأتي بمعنى العلو والارتفاع. لاستواء على ظهوره، بمعنى على، وصعداء. فهذا بإجماع النحاة، كما نقل ونقله أكثر من واحد. فقال الإمام مالك: «الاستواء معلوم، غير مجهول»، أي: استواء بمعنى العلو والارتفاع. قال: «والكيف غير معقول»، كما قلنا: لا يمكن لأحد أن يدرك الكيفية لانتفائها. قال: «والإيمان به واجب»، واجب أن تؤمن، لأن الكتاب والسنة وإجماع قد تم على ذلك، فلا فرار من وجوب الإيمان بهذه العقيدة، عقيدة الاستواء لله سبحانه وتعالى. والسؤال عنه بدعة، لأنه تكلف، وما أثر ذلك عن سلفنا الصالح. هذا السؤال بدعة، كان ينبغي لهذا السائل أن يسأل ماذا يقول؟ يقول: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، ما معنى استوى؟ يمكن هذا خاصة، تعادل الناس عنه، يسأل: ما معنى استوى؟ استواء بمعنى علا وارتفع، هذا السؤال يوجه رشيد، لا تقول: كيف استوى؟ ويعلم من هذا السؤال ما أراد الاستفهام، وإنما أراد التشويش. وقاعدة عند العلماء يقولون: أن أسئلة أهل السنة للتحري، وأسئلة أهل البدع للتحدي، هكذا الضابط. أهل السنة إذا سأل يسأل يتحرى، وأما المبتدع إذا سأل يسأل يتحدى. وهذا حال المتحدي كما بين أيدينا. قال: ثم أمر بالرجل فأخرج. وعلى هذا، فإذا وجد في مجالس أهل السنة والجماعة من كان من أهل البدع، وما أراد الاستفادة أصلا، وما أراد الإنصات، وما أراد أن يتعلم، وإنما أراد أن يشوش على غيره، مثل هذا البدع يأتي فيه من يشوش هنا، يشوش هنا. فهذا يعلم أن هذا ما أراد الحق، فهذا يخرج حتى لا يضيع ولا يشغب على إخوانه من أهل الإسلام. فهذا، إخواني في الله، مسألة سريعة. وكما تلاحظون، المؤلف رحمه الله تعالى أطنب في ذكر الأدلة الدالة على علو الله لأهمية هذه المسألة. فإلى هنا أسأل المولى جل وعلا أن ينفعل بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وإن شاء الله درسنا القادم سيكون في رسالة ابن عثيمين في أصل التفسير، شكراً.