الدرس في شرح تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المؤلف يشرح عنوان رسالته 'تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد' ويوضح أهمية تطهير الاعتقاد من الشوائب والانحرافات. يشير إلى أن التطهير يشمل الجوانب الحسية والمعنوية.
يُنبه الخطيب إلى أهمية تطهير الاعتقاد من أدران الشرك والإلحاد، ويوضح أن الطهارة تشمل الأمور الحسية والمعنوية. يُبين أن المؤلف ألف رسالته لتحذير الناس من فتنة القبور والتعلق بالأموات والأحياء.
يُنبه الشيخ على خطورة فتنة القبور وشركها، وكذلك فتنة الأحياء الذين يُظن فيهم الصلاح. يُوضح المؤلف أهمية معرفة أصول الدين والقواعد العامة للموحدين كأساسية في الدين.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، مضى معنا في درس أمس ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، وهو الإمام الصنعاني، في مقدمته، حيث قال: وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ربًا معبودًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي أمره الله أن يقول: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله وكفى بالله شهيدًا﴾، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه التابعين له في السلامة عن العيوب، وتطهير القلوب عن اعتقاد كل شيء يشوب هذا. مضى معنا في درس أمس. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: وبعد -أي في معناها عند العلماء، أي مهما يكون من شيء بعد-، وبعضهم يعبر بقولهم: وأما بعد، وبعضهم يختزلها ويختصرها فيقول: وبعد، والمعنى واحد. وهذا الأسلوب يستخدمه المتكلم أو يستخدمه الكاتب إذا أراد أن ينتقل من المقدمة إلى الموضوع، فيقول: أما بعد، أي مهما يكون من شيء بعد. قال: «فهذا تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد»، هذه الرسالة التي ألفها المؤلف رحمه الله تعالى. فقوله: «فهذا» اسم إشارة، فهو يشير إلى أمر، فإن كانت هذه الرسالة قد كتبت وهي أمامه، فقوله: «فهذا» أي إشارة إلى أمر محسوس، وإن كانت الرسالة لم تكتب وإنما هي في ذهنه، فقوله: «فهذا» أي إشارة إلى أمر معنوي. قال: «فهذا تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد»، سمى المؤلف رحمه الله تعالى رسالته بهذا الاسم: «تطهير الاعتقاد»، والتطهير من التطهر، ومن التنظف، ومن التنزه. والتطهير، وعملية التطهير، تارة تكون من الأمور الحسية، كمن يتطهر من القاذورات ومن الأوساخ ومن النجاسات، ويزيلها ويتنزه عنها، عن بدنه وعن ثوبه وعن مكانه، هذه طهارة حسية، يتنزه عن الذي يستقذر. وأحيانا تكون الطهارة معنوية، وهو أنك تطهر أقوالك وأعمالك، تطهر القلب والصدر عما يعتريه، مما يضره. فهذا تطهير، كما قال سبحانه: ﴿أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم﴾، تطهير القلب بماذا؟ بغسله؟ بالماء؟ لا، هذه طهارة معنوية، تكون بالإيمان والتزكية. فقال رحمه الله تعالى: «تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد». والأدران جمع درن، والدرن هو الوسخ. ولهذا جاء في الحديث، قال عليه الصلاة والسلام في الذي يغتسل من النهر الجاري: «هل يبقى من درنه شيء؟ هل يبقى من وسخه شيء؟» الجواب: لا. فالدرن بمعنى الوسخ. قال: «عن أدران الإلحاد»، وأعظم الأوساخ نتنًا وقبحًا وخبثًا ما يكون من إلحاد المرء بربه. والإلحاد بمعنى الميل، أنك تميل عما يجب أن يكون لله سبحانه وتعالى، فيدخل بذلك الشرك والكفر والزندقة والردة، وكل ما فيه عدم إعطاء الرب سبحانه وتعالى حقه من توحيده وإعظامه، فهذا من أعظم الأوساخ نتنًا. ولهذا قال ربنا سبحانه وتعالى في حق الكفار: ﴿إنما المشركون نجس﴾، فالكافر نجس. ومن أين اكتسب النجاسة؟ اكتسب النجاسة بالنظر إلى اعتقاده، فهو خبيث المعتقد فيما يعتقده في ربه سبحانه وتعالى. فيا عبد الله، لا تنبهر بصورة الكفرة، وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم، تنبهر لأشكالهم لبياضهم لحسن منظرهم، لا، لا تنظر لهذا، هم نجاسة، انظر إلى سوء اعتقادهم، ما الذي يعتقدونه بالله جل وعلا؟ بأن الله أنجب ولدًا، فعيسى ابن الله تعالى الله، أو أن الله له أنداد يزاحمونه ويشاركونه في خلق الخلق، تعالى الله. فالمشرك نجس، ونجاسته معنوية، لما كان من اعتقاده. فهذه النجاسة ينبغي أن تطهر. ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: «تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد». فإذا علمنا أن الطهارة يا عبد الله تكون للأمور الحسية من النجاسات والقاذورات، وتكون في الأمور المعنوية من تطهير القلب والصدر من النفاق والبدعة والكفر. ولهذا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾، العلماء على قولين في تفسيرها، فمنهم من قال: هي على ظاهرها، وثيابك أي الثياب التي تلبس، وثيابك فطهر أي طهرها من النجاسات. ومنهم من ذهب إلى المعنى الثاني، فقال: وثيابك أي أعمالك، الأعمال التي تعمل بها، فطهرها أي طهر الأعمال من البدعة والنفاق ومن النواقض ومن محبطات الأعمال. فقال رحمه الله: «وجب علي تأليفه»، الترصيف بمعنى الإحكام، بمعنى الإحكام. فالمؤلف يرى أن هذا من الواجبات التي ألقيت على عاتقه، لأن الله جل وعلا حملهم -أي العلماء- مسؤولية إنكار المنكر. فقال: «لما رأيته وعلمته يقينا من عموم اتخاذ العباد الأنداد في الأمصار والقرى وجميع البلاد من اليمن والشام ونجد وتهامة وجميع ديار الإسلام»، وهو ما الذي ترى؟ رآه المؤلف رحمه الله تعالى من المنكر العظيم الذي أوجب على نفسه أن يقف ضده وأن يؤلف هذه الرسالة في بيان بطلانه. قال: «وهو الاعتقاد في القبور أو في الأحياء»، إذن المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الرسالة أراد بها أن يزيل الدرن وأن يزيل الخبث، وأعظم الخبث كما سمعنا هو خبث الاعتقاد الذي يطرأ على القلوب فيميتها أو يضعفها. وأشار المؤلف رحمه الله تعالى في رسالته أنه سيتكلم عن فتنتين عظيمتين عصفت بقلوب العباد وفي اعتقادهم، وهي الفتنة بالأموات والفتنة بالأحياء. أما الفتنة في الأموات وهي المتعلقة بالقبور، فتنة القبور، وهي من أعظم الفتن. الفتنة بالأموات، ومنها الفتنة بالقبور، من أعظم الفتن، ما عبدت الأصنام ولا عبدت الأوثان، وما عبد غير الله جل وعلا بمثل هذه الدسيسة، التعلق بالأموات. ما الذي أوقع قوم نوح -وهو أول شرك أول شرك وقع في هذه الدنيا- بماذا؟ وقع في ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، ماذا كانوا؟ كانوا أمواتًا. فلما اعتقد الناس فيهم ظهر الذي ظهر. وما الذي جعل الناس يعتقدون في النصارى واليهود في عزير وفي عيسى وفي غيرهم من الأنبياء الاعتقاد؟ لما ماتوا، لما كانوا أحياء كانوا لله الحمد على الصراط المستقيم، أي الأنبياء في بيان وحدانية، لكن لما قضوا نحبهم ورفعهم الله سبحانه وتعالى وقبضهم الله، جاءت الفتنة بهم بعد موتهم، فتعلق الناس، فرافعوا قدرهم فوق منزلتهم. وهكذا في كفار قريش عندما عبدوا اللات وعبدوا غيره من الأصنام، كان أصلها عبارة عن رجل صالح، فلما مات عكف على قبره. وهكذا التعلق لا زال في هذه الأزمان. فيا عبد الله، لا تستهين بفتنة القبور، كما نجد ذلك من بعض الحركيين ومن الحماسيين، إذا رأى أن أهل السنة يدندنون ويحذرون من هذه الفتنة العظيمة، استهزأ بهم، قال: هذا ديدنهم دائما التكلُّم في القبور وفي شرك القبور، وهم من أبعد الناس عن شرك القصور. فذاك يتكلم عن السلاطين وعن الحاكمية، يا عبد الله، ليس هذا من الأدب. وإذا أردت أن تعرف المنهج الصحيح الذي سار عليه أهل السنة، انظر إلى منهج نبيك عليه الصلاة والسلام، وهو في الرمق الأخير من حياته وفي سكرات الموت، كان يقول: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد»، فهي فتنة خافها نبينا صلى الله عليه وسلم على أتباعه وعلى أمته، فنحن على منواله. والواقع خير شاهد، لا تظن يا عبد الله أن هذه الفتنة ضعفت، لا والله، انظر إلى شرق الدنيا وإلى غربها، وتأمل معي يا عبد الله في الزيارات الشركية التي تقام، لا أقول هنالك بل هنا، هنا تجد وتسمع الكفر الصراح بأن يستغاث ويستنجد بغير الله، بل ربما ذبحت القرابين. قال: «أو في الأحياء ممن يدعي العلم بالمغيبات والمكاشفات وهو من أهل الفجور، لا يحضر للمسلمين مسجدا ولا يرى لله راكعا ولا ساجدا ولا يعرف السنة ولا الكتاب ولا يهاب البعث ولا الحساب»، إذن هذه فتنة الأحياء التي يخافها المؤلف رحمه الله تعالى على قومه، ومنها قام وألف هذه الرسالة في التحذير من هذه الدسيسة. الفتنة بالأحياء الذين يظن فيهم الصلاح والولاية، وهم من أبعد الناس عن الله، لا تراه في مسجد، ولا تراه راكعًا ولا ساجدًا. وهل هذا موجود؟ نعم موجود. وسأتي معنا في تبيين المؤلف، وسأتي كذلك في الشرح ما يتعلق ببعض الأمثلة. ولا نذهب بعيدًا، تريدون يا عبد الله النموذج حي عايشنا في فترة ليس ببعيدة، سل يا عبد الله عن بعض الناس إذا أراد أن يصف «عالمًا» أو «تقيا»، بل يصف ساحرًا. وأنتم تعلمون هذا جيدًا، بعض الناس إذا أراد أن يصف ساحرًا دجالا مشعوذًا، ماذا يسمونه؟ «الشيخ الفلاني»، أنت تعبان، أنت مرهق، يروح عند «الشيخ الفلاني»، دعه يكشف عليه. أنت لما تسمع من الوهلة الأولى «الشيخ»، تظنه شيخ علم، شيخ دين، فإذا دل عليه، فإذا هو ساحر، يعالجك بالطلاسم ويعالجك بالحبوب والخيوط والتعلق بغير الله، وبذبح الكبش الأسود وبالديك الأسود، يسمى هذا «شيخ»، هذا نعم. ولا زال الناس يستخدمون هذا المصطلح القبيح في غير محله، يطلقون كلمة «شيخ» على المشعوذ، هذا من هذا الباب، رجل ساحر، هو من أهل الكفر، ممن يستهزئ بدين الله جل وعلا، لربما تجرأ على دوس المصحف وعلى وضعه في القاذورات والبالوعات، ويستغيث بالعفاريت والجن والشياطين، ثم بعد ذلك يظن الناس فيه الخير والصلاح، وتطلق عليه الألقاب. فهذه من الفتنة العظيمة التي المؤلف رحمه الله تعالى سيتحدث عنها. إذن الرسالة منصبة في مسألتين اثنتين، مسألة متعلقة بفتنة الأموات، وهي بفتنة القبور، وفتنة أخرى وهي بفتنة الأحياء، أي بفتنة من يظن بهم الخير وهم من أهل الدجل ومن أهل الكذب. فقال رحمه الله: «فاعلم أنها هنا أصولا هي من قواعد الدين ومن أهم ما تجب معرفته على الموحدين»، فبدأ المؤلف رحمه الله تعالى هذه الرسالة بذكر قواعد عامة وبأصول جامعة في بيان والتمهيد لهذه الرسالة العظيمة. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.